جرش، الأردن (CNN) -- مع انتهاء ليلة السابع من أغسطس/آب بحفل الفنان المصري هاني شاكر، انطفأت أنوار مهرجان جرش 2004 في دورته الثالثة والعشرين، بعد أن أضاءتها شعلة "الفرح المستمر"، حسب الشعار المعتمد لدورة هذا العام. الفعاليات التي دامت قرابة أسبوعين، حفلت بمختلف ألوان الثقافة، وشتى أنواع الفنون. وككل عام جاءت ردود فعل الإعلام والجمهور متباينة على هذه الفعالية أو تلك.. لكن يمكن اختصارها ببعض الانتقادات التي تستعاد في كل مرة، إزاء عثرات لا تفتأ تتكرر دورة بعد دورة، وإن كانت الحصيلة إيجابية بشكل عام من حيث إضفاء حركة وحيوية على صيف سياحي يحاول تناسي سخونة النزاعات الدائرة في الجوارين، العراقي والفلسطيني. وبرغم النجاح الهائل الذي حققته أمسية محمود درويش في افتتاح مهرجان الشعر الجرشي، ووجود أسماء لامعة جدا لشعراء كبار، عرب وأجانب، أمثال حيدر محمود، أمجد ناصر، بول شاؤول، غسان زقطان، ميسون صقر، أحمد الشهاوي وغيرهم، تناولت الأقلام بالنقد باقي الأمسيات الشعرية من حيث قلة إقبال الجمهور عليها. الأمر الذي عزاه البعض لفوضى تنظيم المواعيد، ولتزامنها مع مواعيد الحفلات الغنائية المقامة في الموقع الأثري. حتى أن ناقدة عربية شاركت في المهرجان، تحدثت عن "حسرة إبداعية وشعرية لدى الشعراء حين بان الشعر مهيضا ومتروكا لصالح الوجه الجميل والقد الحسن والصوت النص نص"! والقصد مفهوم تماما... المدير العام للمهرجان، الشاعر جريس سماوي اختار أن يرى "امتلاء نصف الكأس" في رده على هذه الانتقادات، فركّز على أهمية التقاء الشعراء مع الجمهور وإن ندر، ومع بعضهم البعض عربيا، وكذلك انفتاحهم على عدد من الأصوات الشعرية العالمية، واعدا بمحاولة تلافي مسألة تضارب المواعيد في المرات المقبلة. من جهة أخرى، بدا المدرج الشمالي في المدينة الأثرية وكأنه تخصص في العروض النخبوية من موسيقى كلاسيكية وجاز ورقص تعبيري، لكن جمهور هذه الفنون كان شبه غائب، وقد علّق مدير المهرجان بأن هواة هذه الألوان الفنية ربما لم يكونوا على علم بالتسهيلات التي وفرتها إدارة المهرجان من أجل تأمين وصولهم مباشرة ودون مشقة إلى مكان العرض. حتى حفلات المدرج الجنوبي الجماهيرية لم تسلم من وخز الملاحظات، الأمر الذي يكاد يكون من طقوس وتقاليد كل دورة، حيث تتعالى بعض الأصوات لتعترض على وجود عدد من النجوم الجدد بحجة الدفاع عن الطرب الأصيل وعن عراقة الموقع. ويأتي رد إدارة المهرجان دوما بأن الطرب الأصيل له حضوره، وأن الأسماء الجديدة المطروحة سبق لها أن أثبتت شعبيتها ومكانتها على الساحة الفنية، من خلال معايير عديدة من بينها بالطبع حجم المبيعات في أسواق الأشرطة الغنائية. لكن يأتي الوقوف على مسرح جرش العريق كامتحان التخرج، قد ينجح فيه البعض بامتياز جماهيري مثل نانسي عجرم، وقد يفشل فيه آخرون أمثال اليسا، باعتراف الجميع. ويعلّق سماوي على نجاح نانسي عجرم في مشاركتها للسنة الثانية على التوالي بأنه "نجاح فاق كل التوقعات." وردا على النقد الذي استهدف ليلة "السوبر دي جي" التي بدت وكأنها مخصصة لفئة محدودة جدا من الشباب، قال إن "هذا الفن الجديد موجود اليوم على الساحة، والتجربة تستحق الاكتشاف، لأن مهرجان جرش يعتز بانفتاحه على مختلف التيارات المعاصرة." من الإيجابيات الأخرى التي أشاد بها الإعلام ، لا بد من ذكر الملتقى الخاص بآلة القانون، إلى جانب تكريس الاحتفال بآلة العود، ضمن إطار المهرجان. كما تجدر الإشارة إلى انفتاح المهرجان على الفعاليات السينمائية، آملا بحضور أوسع للفن السابع في الدورات المقبلة ، ربما من خلال بانوراما لسينما أردنية معاصرة... هذا وقد أشارت بعض الأقلام الصحفية إلى أن إدارة مهرجان جرش بحاجة لأن تواجه بصدر رحب كل الملاحظات ، لاسيما السلبية، التي تثار حول أدائه في الوقت الذي يسير فيه بخطى حثيثة نحو دورته اليوبيلية الخامسة والعشرين، بعد أقل من عامين. وهذا ما وافق عليه المدير سماوي، الذي أكد على تميّز جرش وسط ازدياد عدد المهرجانات الأخرى، أردنيا وعربيا. ويقول سماوي: "جرش يمتلك صفة المهرجان الوطني بدليل الرعاية الملكية الممنوحة له، والدعم المادي والمعنوي المقدم من قبل العديد من الهيئات الرسمية الأردنية. لكنه مهرجان مستقل في الوقت ذاته، إذ لا يهدف إلى تحقيق الربح المادي على حساب قناعاته، مما يحميه من ضرورة الرضوخ لشروط قد يحاول بعض الرعاة فرضها عليه، وهذا أيضا ما يخوله لأن يكون أحد الجوانب المشرقة في صورة الأردن، ثقافيا وسياحيا." وهكذا تقلب الصفحة الأخير من كتاب مهرجان جرش عام 2004، ليفتح الجديد بأمل وطموح نحو الأفضل في العام القادم. |