دبي، دولة الإمارات (CNN) -- الطريق لا يزال طويلا للوصول بالعراق إلى الأهداف المعلنة وهي إنشاء دولة عصرية ديمقراطية، تتمتع بسيادة القانون، وبحكومة مركزية قوية قادرة على فرض سيطرتها على كامل التراب الوطني. والحديث عن الانفلات الأمني الحالي باعتباره أكبر التحديات التي تواجه مستقبل العراق ليس إلا تبسيطا للحالة العراقية الخاصة وتغافلا عن حقائق مرتبطة بتاريخه وثقافته وتركيبته العرقية والدينية التي تضم أكرادا وعربا، وشيعة وسنة إلى جانب طوائف أخرى أقل عددا وأضعف تأثيرا. لا ينكر أحد أن الانفلات الأمني الحالي من أهم التحديات على طريق الوصول بالحياة اليومية في العراق لحالتها الطبيعية، وتحقيق الاستقرار والبدء في مشروعات التنمية الاقتصادية، ولكن انتهاء الوضع الحالي وعودة الأمن لربوع البلاد لا يعني أن كافة العوائق قد أزيلت وأن الطريق لتحقيق الأهداف المعلنة قد أصبح مفتوحا. العائق الأكبر على صعيد إقامة عراق حر ديمقراطي موحد سيكون مصالح الفئات المختلفة للشعب العراق التي تتعارض جزئيا مع الأهداف المعلنة. والمشكلة التي ستواجه المسؤولين عن إنشاء الدولة الجديدة ستكون التوفيق بين مطالب تلك الفئات دون المساس بالأهداف المعلنة. الشيعة يطالبون بدور محوري الشيعة يرون أنهم الأغلبية، ويشكلون ما يقرب من 60 بالمائة من الشعب العراقي، وبالتالي فمن حقهم، ووفقا لقواعد الديمقراطية، أن يكون لهم النصيب الأكبر في مؤسسات الحكم. ويدعم مطالب الشيعة حقيقة أنهم، وخلال عهد صدام، كانوا من الفئات المضطهدة التي ذاقت الهوان على يد النظام السابق، وأعوانه. بل وحاولوا مواجهة صدام أكثر من مرة وكانت النتيجة مخيبة لآمالهم. ويمكن التعرف على بعض ملامح موقف الشيعة من خلال التصريحات المنسوبة لآية الله العظمى عبي السيستاني والتي يعارض فيها بعض ما جاء في القانون الأساسي الذي تم إقراره، لأنه، وفقا لما يراه، يعطى فئات أقل عددا (الأكراد) حقوقا تتجاوز ما يراه واجبا. ويمكن التعرف على موقف الشيعة أيضا من مطالبة السيستاني بأن يتم تشكيل الحكومة الانتقالية عبر انتخابات حرة، قبل أن يتدخل المبعوث الخاص للأمم المتحدة ويقنعه بتأجيل ذلك. الأكراد وحلم الدولة المستقلة أما الأكراد، فلهم وضع خاص أيضا، فهم مسلمون سنة، ولكنهم ليسوا عربا، ولطالما طالبوا في عهد النظام السابق بالاعتراف بحقوقهم كأقلية عرقية، خاصة وأنهم يتركزون في منطقة جغرافية واحدة، شمال شرق البلاد، إلا أن مطالبهم لم تلق قبولا، مما دفعهم لتبني خيار المواجهة المسلحة، وكان الثمن غاليا من دماء أبنائهم. وقد حقق الأكراد خلال العقد الأخير مكاسب عديدة على طريق قضيتهم، خاصة بعد أن فرضت الأمم المتحدة حظرا على تحليق الطيران العراق العسكري فوق المناطق الكردية، وقيام قوات أمريكية وبريطانية في الأساس بالتواجد في تركيا لفرض ذلك الحظر بالقوة. وخلال تلك السنوات قام الأكراد، رغما عن النظام البعثي السابق، بتحقيق تقدم كبير على طريق الحكم الذاتي ومؤسساته مما يجعل الحديث حاليا عن عودتهم مرة أخرى لحظيرة الدولة بشكل كامل، أمر بالغ الصعوبة. ومن المعروف أن الأكراد المنتشرون في دول المنطقة، وهي تحديدا تركيا وإيران وسوريا والعراق، يحلمون بدولة كردية مستقلة. وتقف ظروف دولية وإقليمية معقدة عائقا أمام تحقيق الحلم الكردي المستمر منذ عقود عديدة. ولعل الحديث عن فيدرالية الدولة العراقية يأتي تلبية لرغبات الأكراد في المقام الأول، ولكن ما هي حدود تلك الفيدرالية؟ وهل سيقبل بها كافة طوائف الشعب العراقي؟ ولماذا غضب الأكراد عن الحديث عن ضم قوات البشمركة لقوات الجيش العراقي مستقبلا؟ وماذا سيكون دور تلك القوات في ظل الدولة العراقية الجديدة؟ كلها أسئلة ستشكل الإجابة عليها ملامح الدولة العراقية الجديدة. نهاية المطاف الانفلات الأمني الحالي يستند لمشاعر عدائية لدى بعض فئات الشعب العراقي تجاه الوجود الأجنبي في البلاد، وهي مشاعر جياشة، وتلقى مساندة من بعض أفراد الشعب العراقي إلا أن المقاتلين العراقيين يفتقدون لقيادة موحدة ورؤية سياسية لمستقبل العراق ومساندة خارجية مؤثرة. والحالات الدولية المعروفة، والتي انتصرت فيها جماعات مسلحة على قوى عظمى، وهي تحديدا فيتنام ضد الولايات المتحدة، وأفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي، كانت تتميز بالعناصر الثلاثة سالفة الذكر. وطالما افتقرت الجماعات العراقية المسلحة لتلك العناصر فإن أثرها على واقع الحياة في العراق لن يتعدى إثارة الرعب والفزع وقتل بعض جنود التحالف. أما الخلافات بين طوائف الشعب العراقي فهي الأكثر خطورة، وما لم يتم التعامل معها بحذر مستقبلا فإن الأمور قد تتطور لمستويات لا علاقة لها بالعراق الديمقراطي الموحد. ويزيد الأمر خطورة أنه لا توجد في الوقت الحالي قوة سياسية عراقية قوية ومهيمنة، قادرة على قيادة البلاد، وفرض رؤية لمستقبل الوطن، وتكون في الوقت نفسه قادرة على الدفاع عنها وإقناع المعارضين بها. وهنا، وفي غياب أي دور لقوى وطنية أو إقليمية فاعلة تبرز قوات التحالف، والأمم المتحدة باعتبارهما الجهتين الوحيدتين القادرتين على لعب دور توفيقي بين الجماعات العراقية المختلفة. وإذا كانت الأمم المتحدة تحظى بمساندة سياسية دولية، فإن قوات التحالف هي اللاعب الأساسي على الأرض. |