CNN.com Arabic
البحـث
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الشرق الأوسط
الرئاسة اللبنانية: أزمة دستورية أم سياسية بامتياز؟

2000 (GMT+04:00) - 22/11/07
تقرير: بارعة أحمر

 
أزمات متواصلة في لبنان
أزمات متواصلة في لبنان

بيروت، لبنان(CNN)-- لم يشكل قرار تأجيل جلسة انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية مفاجأة لأحد، بل جاء ليؤكد عدم توصل الأطراف المتنازعة لأية تسوية، وذلك إذا ما نظرنا إلى الأمر من زاوية غير متفائلة بل واقعية، أو أنه جاء، بأفضل الأحوال، في سياق توقعات متفائلة لنضوج نتائج اللقاءات الأخيرة بين الأطراف على نحو ايجابي، وتحتاج ربما لمزيد من الوقت.

إلا أن العارفين بالرمال المتحركة للسياسة اللبنانية وارتباطها الوثيق بأزمات المنطقة كلها قد لا يتجهون نحو أي من هذه التحليلات، خصوصا أن الازمة السياسية المفتوحة منذ أكثر من عام أثبتت أنه من الممكن في أي وقت أن ينسف اللاعبون الدوليون الكبار أي تقارب داخلي، مهما بدا وكأن اللبنانيين مقدرون لخطورة ما يقدمون عليه ويسعون لنزع الفتيل.

ويجهد الساسة اللبنانيون، وقد نجحوا حتى الآن، في تصوير مسألة انتخاب رئيس للجمهورية على أنها شأن قانوني دستوري.

حيث يسود الأوساط السياسية منذ أشهر طويلة جدل، بات  شبه بيزنطي، حول دستورية انتخاب الرئيس بأكثرية ثلثي مجلس النواب، أم بغالبية نصف عدد النواب زائد واحد (من أصل 127 نائب بدل 128 بعد اغتيال النائب أنطوان غانم)، من دون أن تنجح أية جهة قانونية في حسم هذا الجدل.

 فما حقيقة وسبب هذا الجدل؟

الأزمة الحقيقة برأي المحامي زياد بارود، الخبير في القانون العام، وعضو الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب، هي غياب مرجعية دستورية تفصل بين الرأيين.

ويقول: "فالمجلس الدستوري لا يملك صلاحية تفسير الدستور، بعدما اتنزعها منه نواب الأمة، حين إنشائه، واحتفظوا بها لأنفسهم بحجة أن تفسير الدستور يعود لمجلس النواب وحده. وهو ما يصطدم به هذا المجلس اليوم حول من، وكيف، يتم تفسير الدستور من دون أن يأتي (هذا التفسير) ليتناسب مع مصالح الكتل النيابية، ودون عرقلة العملية الديمقراطية، والتسبب بأزمة حكم أو بفراغ."

وفي التفسيرات الحالية المتعلقة بانتخاب رئيس للجمهورية تعتبر الأكثرية النيابية أن النصاب المطلوب لانعقاد جلسة انتخاب الرئيس هو نصف عدد النواب زائدا واحدا، وأن الأكثرية المطلوبة للتصويت هي الثلثين في الدورة الأولى، من ثم النصف زائدا واحدا في الدورة الثانية.

فيما ترى المعارضة أن أكثرية الثلثين المطلوبة للاقتراع في الدورة الأولى تستوجب أن يكون النصاب القانوني للجلسة يوازي ثلثي عدد أعضاء كامل مجلس النواب أيضا.

وكان رئيس مجلس النواب نبيه بري، صرح بأنه لن يترأس جلسة لا تضم ثلثي المجلس، مما يعني تقنيا عدم انعقاد جلسة لا يترأسها رئيس المجلس.

في حين تعتبر الأكثرية أن هذه حجة لعرقلة الانتخاب، وإنه لا يمكن الاستمرار على هذا النحو في الدعوة ثم التأجيل، بل يجب انتخاب رئيس.

الجلسة الأولى التي كان دعا اليها بري في 25 سبتمبر/ أيلول الماضي لم يتم عقدها، ولم يدخل بري إلى القاعة العامة بسبب عدم وجود الثلثين، وأعلن في حينه إرجائها إلى الثلاثاء 23 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، ثم عاد ليعلن تأجيلها ثانية حتى 12 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، من دون أي حديث جديد أو تفسير مختلف لمسألة تأمين النصاب لانعقاد الجلسة أو النصاب للانتخاب.

ويطرح هذا التأجيل أسئلة كثيرة حول ما يتوقع حصوله حتى الثاني عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني في ضو المساعي الأوروبية (تفاصيل زيارة وزراء خارجية اوروبيين إلى بيروت)، والمبادرات الداخلية للتوصل إلى توافق حول رئيس جديد.

وتعتبر الجلسة المرتقبة الفرصة الأخيرة لانتخاب رئيس للجمهورية، ضمن المهلة الدستورية.

فبحسب المادة 73 من الدستور اللبناني، يلتئم المجلس النيابي بناء على دعوة من رئيسه لانتخاب الرئيس الجديد قبل موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية بمدة شهر على الأقل أو شهرين على الأكثر، "وإذا لم يدع المجلس لهذا الغرض فانه (المجلس) يجتمع حكما في اليوم العاشر الذي يسبق اجل انتهاء ولاية الرئيس،" أي في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

ويرى بارود أن الأمر لم يعد قانونيا أودستوريا، بل سياسيا بامتياز، ويجب الكف عن اعتباره كذلك.

ويضيف:" حتى لو ذهبت الأمور نحو حسم دستوري، يبقى أن تطبيقه سيؤدي عمليا إلى مواجهة سياسية واسعة، لأن مجموعة كبيرة من اللبنانيين تعتبر أن الرئيس المنتخب بالنصف زائدا واحدا هو رئيس التحدي. وأن الوقوع في فراغ دستوري أو انتخاب رئيس بالنصف زائدا واحدا، أمران بذات درجة الخطورة، ولا يمكن التمييز بينهما."

وبين الخيارات الصعبة، يبقى الواقع السياسي اللبناني بين نارين، يطرح كل منها إشكالات معقدة.

فبحسب الدستور أيضا، إذا ما لم يتم انتخاب رئيس جديد، وفي حال خلت سدة الرئاسة لأي من الأسباب، يمارس مجلس الوزراء صلاحيات الرئاسة لحين ملء الفراغ الرئاسي.

وفي الوقت الراهن، إذا ما فشلت كل المحاولات، وتعذر انتخاب رئيس، فإن صلاحيات الرئاسة ستؤول إلى حكومة يعتبرها جزء من الشعب اللبناني غير شرعية، وما سيكون أيضا بمثابة فراغ.

فهل تنوي قوى الأكثرية النيابية فعلا انتخاب رئيس مواجهة في حال فشلت المساعي الحالية؟ وما الذي سيتريب على ذلك؟ كيف ستواجه المعارضة هذا التحدي؟ وهل سترد عليه في الشارع عبر التظاهر، وصولا حتى القصر الحكومي؟ وماذا بالنسبة لموقف المؤسسة العسكرية في حال حصول ذلك؟

وفي هذا المجال، هناك سيناريوهات عدة يتم تداولها، منها نية الرئيس الحالي اميل لحود تشكيل حكومة ثانية قبل انتهاء ولايته، وهو أمر تقول اجتهادات بأنه أيضا غير دستوري، ويطرح مشكلة وجود حكومتين، وما يحمله هذا من فوضى في الإدارة.

والآخر، هو عودة دورة العنف ومسلسل الاغتيالات السياسية لفرض رئيس الأمر الواقع قبل جلسة 12 نوفمبر/ تشرين الثاني، وقبل انتهاء المهلة الدستورية.

إلا أن الورقة الأخيرة، التي تقول الأكثرية النيابية إنها ستلجأ اليها في حال عدم تأمين النصاب النيابي للجلسة القادمة، أو في حال انعقادها وعدم إجراء الانتخاب، هي انعقاد المجلس برئاسة نائب الرئيس النائب فريد مكاري، والتي يمكن أن تتم في أي مكان خارج مبنى مجلس النواب في حال تعذر وصول النواب اليه، أو إن منعوا من دخوله، وربما يكون هذا المكان فندق فينيسيا، حيث يسكن عدد كبير من نواب الأكثرية، بعدما تحول الفندق ومحيطه إلى "محمية"، ووضع حوله حزام أمني متشدد.

ويرى مراقبون في لبنان أن هذا السيناريو هو بمثابة "الرصاصة الأخيرة"، لأنه سينتخب رئيسا بنصف عدد النواب زائدا واحدا، أي بغالبية 65 نائبا من دون أية مشكلة عددية في هذا المجال، حيث إن الأكثرية تضم 68 نائبا، ومن دون مشكلة ايضا مع الشرعية الدولية، في ظل تأكيدات دولية وعربية بالاعتراف برئيس ينتخب على هذا النحو.

وفي مقابل هذا السيناريو، هناك كلام غير واضح ومحدد تردد لفترات في وسائل الاعلام اللبنانية عن إمكان تدخل مجلس الأمن للإشراف على هذه الانتخابات، في حال اصطدام كل الوسائل الدستورية بعقبات. إلا أن لا حديثا جديا في هذا المجال الآن من قبل أي من الأطراف اللبنانية أو الأمم المتحدة.

أزمة نظام لم تعد تتلائم مع التركيبة اللبنانية

وفي ظل الجدل الدستوري والسياسي الدائر، تتخفى أزمة نظام في لبنان، إذ برزت من خلال مطالبات المعارضة وحزب الله بالاقتراع المباشر من الشعب لانتخاب رئيس للجمهورية.

وتأتي هذه المطالبات نتيجة تغييرات ديموغرافية، تحولت من قوة عددية إلى قوة مسلحة، يشاع أنها مرتبطة بدول كبرى في المنطقة، تسعى الى الامساك بزمام السلطة في لبنان.

وهذا ما يثير مخاوف كبيرة لدى طوائف عدة من مسيحيين ومسلمين، على حد سواء، يقينا منها بأن قوى كبرى مماثلة في المنطقة لن تسمح بذلك.

ويرى مراقبون أن في لبنان اليوم خلاف حقيقي قد لا يجاهر به الكثير من اللبنانيين، حول طبيعة النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ولربما يؤدي هذا الحال إلى التوصل الى نظام مركب يتراوح بين الانفصال التام والحكم الذاتي، بالنظر لقوة الانتماءات المذهبية.

فهل تأجيل جلسة الانتخاب تعتبر فرصة للبحث عن تسويات تتيح المجال أمام نظام مركب جديد يحتوي هذه التغيرات الديمغرافية والعضوية والسياسية الحاصلة داخل الكيان اللبناني؟ أم إنه وقت ضائع يؤجل الأزمة لا أكثر؟ 




ملاحظة : تفتح الصفحات في نافذه جديدة. CNN غير مسؤوله عن مضمون المواقع الأخرى.
البحـث
     
© 2008 Cable News Network.
جميع الحقوق محفوظة .A Time Warner Company
التي بموجبها تقدم لك هذه الخدمة.