 | | عبدالعزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق |
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- على الرغم من أن المجتمع العراقي يتألف من طوائف متعددة، فإن العراق منذ نشوئه دولة حديثة عام 1921، لم يشهد انقساماً طائفياً كالذي يشهده منذ الغزو الإنجلوأمريكي عام 2003، بل إن الاقتتال والتهجير على أسس طائفية يدمي أنحاء البلد كلها، ما حدا بمحللين وسياسيين إلى وصف ما يحصل في العراق اليوم بأنه "حرب أهلية". لقد شكلت إطاحة نظام صدام حسين نقطة تحول في وضع شيعة العراق، فإن كان قطاع واسع من الشيعة تعرض في ظل النظام السابق للإقصاء والاضطهاد، فإن الحال في عراق ما بعد صدام اختلفت كلياً، ففرض الشيعة سيطرتهم على السلطة، وعلى مفاصل الحكم الرئيسية، واتهمت قيادات وقوى شيعية رئيسية باتباع سياسة التمييز الطائفي والإقصاء لطائفة السنة. الوضع الديمغرافي/الديني يتسم الوضع السكاني في العراق بتنوع في التركيب الإثني والتركيب الطائفي، فالتركيب الأول يضم العرب والأكراد والتركمان والأشوريين والفرس ، وآخرين؛ أما التركيب الثاني فيضم المسلمين (شيعة وسنة) والمسيحيين والصابئة واليزيديين والزرادشتيين، وغيرهم؛ إلا أن في العراق خصوصية وهي أن هذين التركيبين يتداخلان في الغالب؛ فالعرب يضمون سنة وشيعة ومسيحيين، والأكراد سنة وشيعة ويزيديين وزرادشتيين، وهكذا.
لا توجد إحصاءات رسمية ودقيقة للتركيبة الديمغرافية في العراق، وثمة اختلاف واسع بين المصادر في هذا الخصوص، فبينما يشير تقرير "الحرية الدينية في العالم" إلى أن الشيعة يمثلون أغلبية السكان، وتتراوح نسبتهم ما بين 60 و65 في المئة من تعداد السكان (الذي يقدر بنحو 26 مليون نسمة)، يذكر السوسيولوجي العراقي المعروف الدكتور فالح عبدالجبار بأن الشيعة يؤلفون 53.5 في المئة من إجمالي السكان لعام 2000، أما السنة فيشكلون 42.3 في المئة. ويتسم العراق بميزة عن مجتمعات المنطقة الأخرى، وهي المصاهرة والتزاوج بين الطائفتين الشيعية والسنية، وانقسام الكثير من القبيلة الواحدة إلى سنة وشيعة، فقبيلة الجبور مثلاً تنقسم إلى سنة وشيعة، وكذلك قبيلة شمَّر، فالعشيرة التي تسكن شمال الموصل يدين أفرادها بالمذهب السني الشافعي، أما العشيرة التي تستوطن شرق العمارة والكوت جنوباً فيدين أفرادها بالمذهب الشيعي، وكذا حال الكثير من العشائر العراقية. ويغلب على الشيعة العرب، ومنهم التركمان والكرد الفيلية، ويوجد قسم من الشيعة الذين يرتدّون إلى أصول فارسية، وذكرت مصادر سنية عراقية أن عشرات الآلاف من الإيرانيين الشيعة دخلوا البلاد بعد سقوط نظام صدام حسين وتم منحهم الجنسية العراقية. ويتركز الشيعة في محافظات جنوب البلاد، وفي المناطق الفقيرة في العاصمة بغداد، وخصوصاً مدينة الصدر (التي تقع شرق بغداد، والتي يقارب عدد سكانها مليوني نسمة).
المذهب الإمامي (الجعفري) هو المذهب السائد بين شيعة العراق، الذين ينقسمون حسب الالتزام بتعاليم المذهب إلى متدنيين وعلمانيين، والأخيرون أقل عدداً ونفوذاً، باعتبار أن المرجعيات الدينية تهيمن على المجتمع الشيعي والقوى السياسية التي تمثله، وهو ما يعبر عنه رمزياً شعار "الحوزة مرجعنا" الذي يتردد على ألسنة جماهير الشيعة في السنوات الأخيرة.
والعراق هو موطن التشيع الأول ومهده، وتاريخياً كانت النجف المركز العلمي الرئيسي للشيعة حتى عشرينيات القرن الماضي، فحوزة النجف هي أول مدرسة حقيقية أو مركز فقهي للشيعة تم تأسيسه في القرن الحادي عشر الميلادي. ويضم العراق المدن الشيعية المقدسة، إذ يرقد الإمام علي والحسين وأربعة من الأئمة الإثنى عشر في كل من النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء؛ مما جعل أرض العراق محجاً للشيعة من كل أنحاء الأرض، ولاسيما من إيران ودول الخليج.
 | | وتاريخياً، برز في العراق الكثير من المرجعيات الدينية الكبرى للشيعة، ومن أبرز علماء الحوزة في النجف والذين يمثلون المرجعية هم أربعة، على رأسهم آية الله العظمى السيد علي السيستاني، وآية الله العظمى محمد إسحاق فياض، وآية الله العظمى بشير النجفي، وآية الله العظمى محمد سعيد الطبطبائي الحكيم (وهو عم عبدالعزيز الحكيم، رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية فير العراق). وعدا الحكيم فالثلاثة الآخرين من أصول غير عراقية؛ فالسيستاني من إيران، وفياض من أفغانستان، والنجفي من باكستان. وبعد عام 2003 ظهر إلى السطح مرة أخرى الخلاف التاريخي في المجتمع الشيعي بين الحوزة العلمية (والتي يطلق عليها "الحوزة الصامتة")، التي تمثلها حالياً المرجعيات الدينية في النجف بزعامة السيستاني، والتي لا تحبذ الدخول إلى معترك السياسة، و"الحوزة الناطقة" التي تدعو إلى الانخراط المباشر في القضايا الاجتماعية والسياسية، والتي يمثلها حالياً الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر، والذي يتبع نهج والده المرجع الراحل محمد صادق الصدر. وكان لهذا الخلاف تأثيرات على الشارع الشيعي؛ منها حادثة اغتيال الزعيم الشيعي عبدالمجيد الخوئي في إبريل 2003 على أيدي عناصر تدين بولائها إلى التيار الصدري، والمصادمات التي وقعت بين بين أنصار السيستاني وعناصر جيش المهدي التابعة لمقتدى الصدر عندما حاول الأخير الاستيلاء على ضريحي الإمامين الحسين والعباس في كربلاء في أكتوبر 2003 سعياً لفرض السيطرة على العتبات المقدسة لدى شيعة العراق، والاشتباكات التي وقعت بين عناصر جيش المهدي ومنظمة بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في جنوب البلاد في أغسطس 2005.
لم يكن النظام العراقي المخلوع يتيح للشيعة ممارسة شعائرهم الدينية كلها بحرية تامة، وعقب سقوطه أخذ الشيعة يؤكدون هويتهم المذهبية ويستغلون فضاء الحرية الجديد لممارسة كل شعائرهم الدينية، وتجلى هذا الأمر في مسيرة العزاء الحسيني إلى مدينة كربلاء والتي شارك فيها نحو ثلاثة ملايين شيعي في نهاية إبريل 2003. الوقع السياسي/الاجتماعي
منذ أن تولى البعثيون السلطة في العراق عام 1968، شكلت القوى الشيعية أساس المعارضة، وقد تعرض رموزهم الدينية للقتل، مثل العلامة محمد باقر الصدر والمرجع محمد صادق الصدر ومهدي محسن الحكيم، كما أن قياداتهم السياسية تعرضت للتنكيل والبطش، لذلك كانت معظم القوى الشيعية السياسية تتخذ من المنفى مقراً لها، وخصوصاً في إيران وسوريا ودول أوروبا، وأهمها حزب الدعوة الذي يعد أول تنظيم سياسي لشيعة العراق، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. كما أن الآلاف من المواطنين الشيعة تعرضوا للقتل على أيدي النظام السابق، ولاسيما خلال الانتفاضة الشيعية التي جرت في الجنوب إبان حرب الخليج عام 1991. إلا أن كثيراً من المحللين يحاجج بأن تنكيل النظام السابق بالقوى الشيعية لم ينطلق من أساس طائفي أو مذهبي، فالنظام البعثي كان يبطش بكل من يعارضه، أياً كان دينه ومذهبه وقوميته، وكان هذا التنكيل يزداد إذا ارتبطت المعارضة بتحالفات إقليمية، وهذا ما ينطبق على الشيعة والأكراد على حد سواء. ولمّا سقط نظام صدام حسين، سعى الشيعة إلى أن يستغلوا هذه اللحظة التاريخية، بأن يحصلوا على نصيب من السلطة يعكس وزنهم الديمغرافي، وقد ساندهم في ذلك الأمريكيون الذين اعتبروا في بادئ الأمر أن الشيعة حرموا من حكم البلاد عقود طويلة مع أنهم يشكلون الأغلبية.
وقد دعم الأمريكيون أيضاً تشكيل النظام السياسي الجديد وفق مبدأ "المحاصصة الطائفية"؛ بدءاً بتشكيل مجلس الحكم الانتقالي، مروراً بوضع الدستور المؤقت (قانون إدارة الدولة العراقية في الفترة الانتقالية)، وصولاً إلى وضع الدستور الدائم الذي وصفته المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات في أحد تقاريرها بأنه "وثيقة طائفية"، وانتهاءً بتقسيم رئاسات السلطة وتوزيع الحقائب الوزارية في الحكومات المتعاقبة، وآخرها حكومة نوري المالكي (فحصل الشيعة مثلاً على منصب رئيس الوزراء، وأحد نائبي رئيس الجمهورية، وأحد نائبي رئيس مجلس النواب، وأهم الحقائب الوزارية)، وتم أيضاً إعادة بناء أجهزة الأمن والحرس الوطني على أساس طائفي.
برزت الطائفية بقوة إلى سطح المشهد السياسي العراقي، بل إن الأحزاب والمنظمات السياسية كانت في حقيقتها منصات مذهبية أو إثنية، وكما لاحظ محللون عديدون، فلأول مرة في تاريخ العراق أصبحت الهوية الطائفية والإثنية مبدأً منظماً للسياسة العراقية. وكان التصويت في الانتخابات التشريعية التي جرت في يناير وديسمبر من العام 2005 يتم استناداً إلى الانتماءات الطائفية والإثنية. وكانت الطائفة الشيعية أكثر الطوائف ظهوراً على الساحة من خلال الأحزاب والقوى السياسية، والتيارات والمرجعيات الدينية أيضاً، وحصلت قائمة "الائتلاف العراقي الموحد" (الشيعية) على النصيب الأكبر من مقاعد الجمعية الوطنية المؤقتة في انتخابات يناير 2005، وسيطرت القائمة أيضاً على نحو نصف مقاعد مجلس النواب في الانتخابات التي جرت في ديسمبر من العام نفسه (128 مقعداً من أصل 275). يشهد العراق حالة احتراب بين السنة والشيعة، والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الجانبين، وتتهم القوى السنية الميليشيات الشيعية و"فرق الموت" باستهداف أفراد الطائفة السنية، مثل جيش المهدي ومنظمة بدر (فيلق بدر سابقاً) التي تهيمن على قوات وزارة الداخلية، مثل ألوية الذئب والصقر والبركان، وقوات الجيش مثل لواء العقرب؛ بينما تتهم القوى الشيعية التنظيمات السنية المسلحة باستهداف الشيعة، وعلى رأسها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وجيش أنصار السنة، وممن قضى في هذا الاستهداف المتبادل آية الله محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذي قتل مع شيعة آخرين في الانفجار الذي استهدف مسجد الإمام علي بالنجف في 29 أغسطس 2003.
وقد ازداد الاحتراب بعد تفجير ضريح الإمام الهادي، الذي يعد أحد أهم المراقد المقدسة لدى الشيعة، في مدينة سامراء (شمال بغداد) في 22 فبراير 2006، وما تبعه من حالة غضب لدى الشيعة أدت إلى هجمات مضادة في الأيام التالية على عدد من المساجد السنية بلغت 120 مسجداً في جميع أنحاء العراق. وكان من تداعيات هذا الحادث أن تفاقمت ظاهرة "التهجير القسري" أو "الفرز الطائفي" التي قد تهدد وحدة البلاد.
الحال الاقتصادي
يتوزع الشيعة على طبقات المجتمع المختلفة؛ فمنهم طبقة كبار الرأسماليين والملاكين، والطبقة البرجوازية، وطبقة العمال الكادحين والفلاحين المعدمين. وأفراد الطبقة الأخيرة يتركزون في الجنوب وفي مدينة الصدر ببغداد. يحاجج الشيعة بأنهم كانوا مستهدفين في ظل نظام صدام حسين، وأن مناطقهم أكثر مناطق البلاد حرماناً من الرفاه الاجتماعي والاقتصادي، وأنهم يمثلون طبقة المحرومين في العراق. إلا أن كثيراً من الشيعة يشيرون إلى أن واقعهم الاقتصادي والاجتماعي في ظل الحكم الجديد، الذي يهيمن عليه الشيعة، لم يتحسن كثيراً، فعلى الرغم من أن النخبة السياسية الشيعية قدمت نفسها على أساس أنها جاءت لمعالجة أوضاع الشيعة فإن ما أنجزته هذه النخبة على مستوى إعادة الإعمار وتوفير الخدمات وإنعاش الاقتصاد كان ضئيلاً جداً.
أبرز الشخصيات الشيعية العامة
آية الله علي السيستاني، أكبر مرجعية شيعية بالعراق، ويقلده معظم شيعة العراق، وقسم كبير من شيعة الدول العربية، وخصوصاً الدول الخليجية؛ وعبدالعزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق؛ ومقتدى الصدر زعيم تيار "الحوزة الناطقة" الذي يطلق عليه أيضاً "التيار الصدري"، وتتبع له ميليشيات جيش المهدي؛ وآية الله الشيخ محمد اليعقوبي الذي يعد المرجع الأعلى لحزب الفضيلة، ونوري المالكي رئيس الوزراء العراقي الحالي وأحد قيادات حزب الدعوة؛ وإبراهيم الجعفري رئيس الوزراء العراقي السابق وزعيم حزب الدعوة؛ وإياد علاوي رئيس الوزراء العراقي السابق ورئيس حركة الوفاق الوطني العراقي؛ وأحمد الجلبي زعيم المؤتمر الوطني العراقي، والأخيران محسوبان على التيار الشيعي العلماني.
|