 | | الحرب مستمرة بعد 40 عاما |
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- حل في الخامس من حزيران/ يونيو الذكرى الأربعون لحرب الأيام الستة. ورغم أن إسرائيل استطاعت أن تحسم نتيجة الحرب لمصلحتها، لكنها لم تتمكن من حسم عاقبة النزاع طوال هذه الفترة. ففي تلك الأيام الستة احتلت القوات الإسرائيلية القدس الشرقية، والضفة الغربية (التي كانت تحت الحكم الأردني)، وقطاع غزة (الذي كان تحت الحكم المصري)، ومرتفعات الجولان السورية، وشبه جزيرة سيناء المصرية. الزميل بن ويدمان، يحاول أن يسترجع حرب الأيام الستة في ذاكرة بعض من عايشوا أحداثها. يستعيد أبراهام رابينوفتش، الصحفي الأمريكي الذي غطى تلك الحرب، الأحداث من ذاكرته، إذ وصل القدس قبل الحرب بأيام قليلة.
ويتذكر رابينوفتش ذلك اليوم، قائلاً: كنت عند طبيب أسنان في وسط مدينة القدس لأخلع ضرسي، وبينما كنت أهم بالمغادرة، أطلقت صفارت الإنذار. ولم يكن واضحاً ما الذي تعنيه، فلم نسمع صوت مدفعية. وبعد 20 دقيقة سمعت أحدهم يقول في الإذاعة: "الجيش المصري، يتحرك باتجاه الحدود، وتندلع هناك معارك ضارية." شمشون كاهنر، الذي كان ضابطاً برتبة رائد في سلاح المظليين الإسرائيلي، وُضع بجانب الحدود، استعداداً للإنزال في سيناء. إلا أن الخطط تغيرت.. فصفوف القوات الإسرائيلية عبرت سيناء بسرعة فائقة. وهكذا نقل إلى القدس، حيث كان القصف المدفعي المتبادل بين القوات الأردنية والإسرائيلية قد أنذر بفتح جبهة جديدة. وكان كاهنر ضمن القوات التي وصلت إلى الطرف الشرقي من البلدة القديمة.. ها هو يستذكر ذلك اليوم، وكأنه حدث بالأمس، إذ يقول: "الأمر المهم كان حينما عبرت البلدة القديمة. لقد ركضت إلى الداخل حاملاً معي سلاحي، ولمست الجدار، وحجارة حائط القدس، وشعرت بشيء لا أستطيع وصفه." أما عبدالله البديري، الذي يبلغ من العمر حالياً 85 عاماً، فقد كان يخدم ضمن الجيش الأردني. وهو يتذكر كيف كان الجيش الأردني غير مستعد للحرب كلياً، ويتساءل مستنكراً: "لماذا دخلنا الحرب؟" وقد أجاب عن سؤاله بنفسه، قائلاً: "إذا كنت هذا ما تسعى له، فإنك تحتاج إلى خطة، إلا أنه لم تكن هناك خطة. لم يكن لديهم أي شيء، لقد كانت حرباً من طرف واحد." ويروي البديري كيف وقع في أسر القوات الإسرائيلية، وكيف كانت ردة فعله، عندما أخبره، ورفاقه الأسرى، أحد الضباط الإسرائيليين أن "أريحا سقطت." ويقول البديري: "هل تعلم أنني بكيت؟ نعم، لقد بكيت." قالها وهو يهز رأسه بأسى، وكأن الأمر حدث أمس، وليس منذ أربعين عاماً. وبينما كان أبراهام رابينوفتش يتحدث إلى بعض الجنود الإسرائيليين، بعد المعركة، سمع وقتها الجدال نفسه الذي أخذ يتردد في المجتمع الإسرائيلي لعقود قادمة بخصوص طريقة التعاطي والأراضي المحتلة. "فبعض الجنود قالوا :" يجب أن نعيد إليهم كل شيء عدا مدينتنا المقدسة." بينما قال البعض الآخر "لا ينبغي أن نعيد إليهم أي شيء." ويعلق رابينوفتش: "لقد كان هناك اختلاف كبير في الرأي بين الجنود." سري نسيبة، الذي يرأس جامعة القدس المفتوحة، التي تقع في بلدة بيت حنينا، شمالي القدس، والتي تعد أبرز معهد تعليمي في المدينة، كان عمره 16 سنة حينما اندلعت الحرب. وبينما وصف عبدالله البديري اليوم الذي سقطت فيه القدس بأنه "أكثر الأيام سواداً في حياتي،" يرى نسيبة في النصر الباهت الذي حققته إسرائيل "بذور هزيمتها." ويقول نسيبة: "في حزيران/ يونيو 1967 وجدت إسرائيل نفسها "أنها تجمع قطع وأجزاء الشعب الفلسطيني، الذي كان قد تشتت لعشرين سنة ماضية: فلسطينيون من إسرائيل، وفلسطينيون من غزة، وفلسطينيون من الأردن." ويضيف نسيبة: "فجأة أصبح متاحاً لفلسطيني غزة، مثلاً، أن يصلوا في المسجد الأقصى. لقد كان هذا التفافاً عجيباً على نصر إسرائيل في عام 1967." فمن وجهة نظره ( نسيبة)، إسرائيل في عام 1967 كسبت معركة، ولكن الحرب - وليس فقط حرب الأيام الستة، بل الحرب التي استمرت عقوداً بين الإسرائيليين والفلسطينيين في هذه الأرض الصغيرة المقسمة - أصبحت تفقد معناها. ويقول: "لابد من أن يكون محبطاً (لإسرائيل) أنها لا تستطيع أن تفعل ما تريده بشعب مثلنا: غير مؤهل، وغير متعلم، ولا شيء لديه، لا شيء." وأضاف: "أنا حقاً أشعر بشيء من الشفقة تجاه من يمارس عليَّ الظلم." ورغم أن إسرائيل تطلق على القدس عاصمتها الموحدة وغير المجزأة، ومع أن الأسلاك الشائكة وحقول ألغام التي قسمت المدينة منذ عام 1948 وحتى حزيران 1967 قد أزيلت، إلا أن العوائق غير المرئية مازالت موجودة. فإذا أردت أن تستقل سيارة أجرة من القدس الغربية في إسرائيل إلى أحد الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية، اسأل السائق أولاً، فغالباً - إن لم يكن في كل الحالات - يرفض سائقو سيارات الأجرة الإسرائيليون أخذك إلى هناك.. فمن غير المحتمل أن تجد إسرائيلياً يتجول في حي التسوق الرئيسي للفلسطينيين، شارع صلاح الدين، مثلا. وبالمثل، لا يوجد هناك "ديمومة" حيال سيطرة إسرائيل على القدس.. فلا يوجد فصيل فلسطيني يقبل بالتنازل عن المطالبة الفلسطينية بالقدس الشرقية. وعلى أي حال، فإن نمو السكان الفلسطينيين في مدينة القدس يفوق نظيره لدى الإسرائيليين. وحتى مع ادعاء إسرائيل أن القدس عاصمتها، فإن معظم الدول في العالم لا تقر لها بذلك. فمعظم السفارات، بما فيها سفارة الولايات المتحدة، تتخذ من تل أبيب مقرا لها، وليس في القدس. وفي الآونة الأخيرة أثيرت ضجة هائلة عندما تراجع السفير الأمريكي (مثل معظم السفراء الآخرين) عن حضور احتفالات ذكرى إعادة توحيد المدينة عام 1967. لقد كانت معركة القدس، وحرب الأيام الستة، هزيمة حاسمة لمصر وسوريا والأردن.. ولكن لا يوجد هناك شيء حاسم فيما يخص ما آل إليه النزاع؛ فمازالت الضفة الغربية والجولان تحت الاحتلال الإسرائيلي، ومازال الفلسطينيون يرفضون السيطرة الإسرائيلية على القدس الشرقية، ومازالت إسرائيل تتحكم بكل المنافذ إلى قطاع غزة، ومازال العنف حقيقة من حقائق الحياة اليومية.
|