CNN.com Arabic
البحـث
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الشرق الأوسط
عام على حرب تموز: حين تفتح الانتصارات أبواب الهزيمة

1602 (GMT+04:00) - 17/08/07

حسن نصر الله، زعيم حزب الله اللبناني
حسن نصر الله، زعيم حزب الله اللبناني

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- تحل الذكرى السنوية الأولى لمعارك حزب الله والجيش الإسرائيلي في يوليو/تموز لتعيد فتح ملف لم يغلق أصلاً، فالمواجهات التي تعددت أسمائها ما بين "حرب لبنان الثانية" وفق التعبير الإسرائيلي، و "حرب تموز" وفق تعبير الحكومة اللبنانية و"الوعد الصادق" و"النصر الإلهي" و فق تعبير حزب الله تحمل من الدلالات المتفاوتة ما يفوق اختلاف أسمائها.

ففيما يصر حزب الله على أن المواجهة التي بدأها بخطف جنديين إسرائيليين لمبادلتهما بأسراه أسفرت عن "نصر استراتيجي،" أثبت قدرته على حماية لبنان من جهة، وكشف "تواطؤ" بعض الأنظمة العربية ضد "مشروع المقاومة" من جهة أخرى، يعتبر العديد من اللبنانيين أن ما قام به الحزب لا يتجاوز "الصمود" في وجه آلة الحرب الإسرائيلية الجبارة وعرقلة خططها.

ففي نهاية المطاف قتل ألف مواطن لبناني وعدد غير محدد من مقاتلي حزب الله، وتعرضت البنية التحتية لضربات ساحقة أتت على معظم الجسور وشبكات الطرق، وعدد من المصانع والمعامل الكبيرة.

وذلك إلى جانب أضرار غير مباشرة بمليارات الدولارات أصابت اقتصاد البد الصغير الذي يعتمد على السياحة إلى جانب دمار عشرات القرى، فيما قتل 119 جندياً إسرائيلياًَ و39 مدنياًَ، وعانى الاقتصاد من خسائر محدودة.

وبينما يعتبر حزب الله أن التوظيف الحقيقي لنتائج الحرب يأتي في سياق دعم "خط الممانعة" في المنطقة ودعم الموقف الفلسطيني المعارض للتسوية ودعوة الشعب العراقي إلى تبني مشروع وطني يبتعد عن الصراعات المذهبية.

يشير العديد من أطراف اللعبة السياسية اللبنانية بالمقابل، إلى أن النتائج الحقيقية تأتي في إطار تبادل الرسائل بين إيران والغرب ومحاولة جر لبنان إلى صراع المحاور المشتعل في المنطقة وتحويله من وطن إلى "ورقة ضغط."

وتستمر تداعيات الحرب بعد عام على انتهائها، سواء في لبنان أو إسرائيل أو المنطقة العربية التي انقسمت بعد يوليو/تموز وفق القراءة الأمريكية إلى معسكرين، يضم أحدهما الدول "المعتدلة،" وبينها الحكومة اللبنانية، فيما يضم الآخر الدول "المتطرفة" التي تمتد ضمناً لتشمل حزب الله.

حيث يظهر أن جميع أطراف الصراع، سواء في لبنان أو إسرائيل، باتوا اليوم أضعف مما كانوا عشية الحرب، كما أن عيونهم باتت جميعاً شاخصة نحو أكثر من 13 ألف جندي من قوات حفظ السلام الدولية التي أرسلتها الأمم المتحدة لترابط ضمن الشريط الحدودي الضيق الممتد بين الأعداء.

حزب الله ومأزق تثمير "الانتصار" داخلياً

خرج الحزب من مواجهات يوليو/تموز الماضي وقد أحاط نفسه بهالة من البطولة الممتزجة بالقداسة عسكرياً وسياسياً، وكيف يكون الأمر خلاف ذلك وقد خرجت التظاهرات الشعبية في مختلف العواصم العربية "من الخليج إلى المحيط" تحمل أعلام الحزب وراياته، و"زينت" صور أمينه العام حسن نصر الله شوارع القاهرة والخرطوم كما طهران.

وقال الحزب إن المعركة أسقطت أسطورة "الجيش الذي لا يقهر" وأقامت توازناً استراتيجيا مع إسرائيل من خلال استهداف عمقها بالصواريخ، وتهديد تل أبيب التي تأتي منها في منزلة القلب اقتصادياً وسكانياً.

وتوّج الحزب "انتصاره" بمهرجان كبير أطلق عليه اسم "مهرجان النصر الإلهي" في ضاحية بيروت المدمرة، حضره مئات الآلاف من أنصار الحزب.

غير أن جمراً كثيراً كان يشتعل تحت رماد لبنان، إذ سرعان ما قرر حزب الله خوض معركة سياسية داخلية ضد قوى الأكثرية النيابية التي اتهمته بخطف الجنديين لتخفيف وطأة الضغط في ملف إيران النووي ولجر لبنان إلى معسكرها.

وتطور الأمر حتى وصل بالحزب إلى سحب وزراءه الشيعة من الحكومة التي اعتبرها "غير شرعية،" مطالباً بمنحه وحلفاءه ثلث مقاعد مجلس الوزراء، متهماً قوى الأكثرية النيابية بـ"العمالة" للولايات المتهمة وبالتواطؤ مع جهات غربية خلال معارك تموز لتصفية الحزب.

وردت الحكومة التي يهيمن عليها تيار المستقبل السني الذي يتزعمه سعد الحريري باتهام الحزب بالسعي لإعادة الوصاية السورية على لبنان أو استبدالها بأخرى إيرانية، مما ولّد احتقاناً انعكس مواجهات مذهبية في شوارع بيروت بين السنة والشيعة في 23 و25 يونيو/كانون الثاني الماضي خلفت عدة قتلى.

وقام الحزب بتحويل قلب بيروت المعروف باسم "منطقة سوليدير" إلى مركز لاعتصام مفتوح يهدف إلى فرض شروطه على الحكومة، وقد ساهم الاعتصام المستمر منذ ثمانية أشهر في شل الحركة الاقتصادية للمنطقة التي تعتمد على السياحة مما أدى إلى إقفال عشرات المقاهي والمطاعم والمحال التجارية.

ومما لا شك فيه أن ظهور المواجهة السياسية اللبنانية الداخلية بمظهر الصراع السني الشيعي، وتورط الحزب فيه، أفقده الكثير من الهالة العربية التي أحاطت به، خاصة مع ازدياد الاستقطاب المذهبي في المنطقة، وهو أمر أقرّ به أمينه العام الذي قال في إحدى المقابلات إن الحزب في نهاية المطاف "يعمل لمرضاة الله" ولا تهمه الإحصاءات.

وشكل الأفق المسدود أمام الاعتصام الذي يطوق السراي الحكومية في بيروت نقطة سلبية أخرى في رصيد الحزب، خاصة وأنها تترجم سياسياً على أنها إخفاق في تحقيق نصر داخلي وعد أنصاره به.

وعلى المستوى الميداني، شكل وجود 13 ألف جندي دولي في جنوبي لبنان مدعومين بخمسة عشر ألف جندي لبناني انتشروا في المنطقة للمرة الأولى منذ ثلاث عقود بموجب القرار 1701 نقطة سلبية إضافية في ميزان الحزب.

حيث تم تقييد حركته نسبياً في منطقة جنوبي الليطاني، وعجز عن العودة إلى مراكزه السابقة عند خط الحدود، وهو أمر جر على الحزب انتقادات واسعة مفادها أن أخطاءه جرت البلاد إلى الوصاية الدولية.

وفيما يعتبر البعض أن ذلك يشكل ضربة لقدرات الحزب الذي فقد ورقة رئيسية تسمح لها بالتحكم بقرار الحرب والسلم، ترد أوساط مقربة من الحزب أن عناصره باتوا في وضع عسكري أفضل مما كانوا عليه قبل الحرب فيما تعتبر إسرائيل أن الحزب يتلقى أسلحة عبر الحدود السورية ويبنى تحصينات جديدة.

الحكومة اللبنانية ومواجهة التنّين بسيف خشبي

مما لا شك فيه أن الحكومة اللبنانية كانت الضحية الكبرى للحرب، التي ما إن انقشع غبار معاركها حتى اتضح حجمها الحقيقي، مع وجود قرابة مليون نازح وعشرات آلاف الوحدات السكنية المدمرة، ومع انهيار اقتصادي تام بسبب تراجع النمو إلى مستويات سالبة، إلى جانب عودة الاغتيالات التي طالت وزير الصناعة فيها بيار الجميل.

وسرعان ما تطورت الأمور مع تقديم الوزراء الشيعة لاستقالتهم وبدء حملة واسعة تستهدف إسقاطها والضغط عليها بجملة ملفات منها التعويضات للمتضررين، وجمع ما يكفي من الأموال لسداد مستحقات دين لبنان البالغ 40 مليار دولار، إلى جانب مواجهة التحدي الأمني المتزايد.

وتلقت الحكومة عوناً عربية ودولياً عاجلاً تمثل في مؤتمر "باريس 3" الذي خصص لدعم الاقتصاد اللبناني وإعادة الإعمار، غير أن هذا وصول كافة المبالغ المرصودة في المؤتمر، والتي فاقت سبعة مليارات دولار، دونها مصاعب أبرزها الشلل الحكومي الذي يعيق تنفيذ خطة الإصلاحات.

وساهم الانفلات الأمني التي يعاني منه لبنان في تسرب عناصر يعتقد أنها على صلة بتنظيم القاعدة إليه، وفي هذا السياق يخوض جيشه منذ مايو/أيار الماضي معارك دموية في مخيم نهر البارد الشمالي للاجئين الفلسطينيين ضد تنظيم فتح الإسلام المتشدد.

وهكذا انقلبت الأدوار على مقلبي الحدود بين لبنان وإسرائيل، ففيما كانت التوقعات تصب في خانة تثمير اللبنانيين لصمودها في إطاره السياسي مقابل تصدع الائتلاف الحاكم في إسرائيل، أصاب الشلل الوضع اللبناني، فيما تمكنت إسرائيل من التقاط أنفاسها.

غير أن الانتصار الوحيد الذي يمكن للحكومة اللبنانية الحديث عنه هو نشر الجيش في جنوب لبنان، فقبل أشهر قليلة سبقت المعارك، كان المطالبون بنشر الجيش عند الحدود يتهمون بأنهم يرغبون بحماية أمن إسرائيل مما ترك المنطقة خارج سلطة الدولة، غير أن القرار 1701 حقق للحكومة خلال أيام ما عجزت عن تحقيقه خلال عقود.

إسرائيل ومحو صورة النمر الهرم

شكلت نهاية معارك تموز فرصة للإسرائيليين لإعادة تنظيم نقد جدي للحرب، فتوالت عمليات الاستقالة داخل صفوف الجيش الإسرائيلي، وسط تبادل تهم بين المؤسستين السياسية والعسكرية، وتحميل مسؤولية الفشل للطرف الأخر، وانتهت هذه المرحلة باستقالة قائد أركان الجيش، دان حالوتس.

غير أن التطور الأبرز كان تشكيل لجنة فينوغراد للتحقيق في ظروف الحرب، وقد اتهمت اللجنة ، رئيس الوزراء إيهود أولمرت وقادة الجيش، بـ"الفشل" في إدارة العمليات القتالية، قائلة إن هذه "الحرب جرت دون إعداد ودون خطة واضحة."

وفيما تستمر الهزات الارتدادية لتقرير فينوغراد مسيطرة على الأجواء السياسية الإسرائيلية، تبدو الحكومة التي يرأسها أولمرت متماسكة حالياً رغم التراجع القياسي في شعبية رئيسها، وذلك بصرف النظر عما تتناقله بعض التحليلات من أن صمود الحكومة عائد إلى عدم رغبة سائر الأحزاب في البلاد بخوض انتخابات مبكرة.

وعلى الصعيد العسكري والميداني ساهمت الحرب في تغيير عدة معطيات بالنسبة لإسرائيل، منها ضرورة تأمين مظلة واقية من الصواريخ لحماية البلاد، إلى جانب تطوير قدراتها الرادعة خاصة على مستوى سلاح المدرعات مع الخسائر التي تعرضت لها دبابة "الميركافا" الأسطورية.

كما استخلص الجيش الإسرائيلي أن إنهاك قواته النظامية في الضفة الغربية وقطاع غزة وتعويله على جنود الاحتياط كاد عديم الجدوى في مواجهة وحدات حزب الله الحسنة التدريب والتجهيز، وهو ما أدى إلى إطلاق سلسة من المناورات العسكرية لرفع مهارات الجيش.

وفي ذكرى الحرب جال أولمرت على قرى شمال إسرائيل، وقال من هناك إن بلاده خرجت منتصرة من الحرب، وأن المسار النهائي للأحداث جعل إسرائيل أكثر أمنا.

وهكذا تطوي المنطقة صفحة عام كامل على حرب يدعي كل فريق النصر فيها، فيما تستمر الأزمة السياسية المخيمة دون حل في الأفق، إذ تبدو أفاق عملية السلام مسدودة حالياً، حيث لم تسفر عمليات إحياء "مبادرة السلام" العربية بعد الحرب في تحقيق أي تقدم.

بل أن الذكرى تأتي وسط اتهامات سورية إسرائيلية متبادلة بالاستعداد لحرب مقبلة قد يحل موعدها قبل الذكرى الثانية لحرب يوليو/تموز، فيما تلوّح تل أبيب بعمل ردعي منفرد ضد برنامج إيران النووي.




ملاحظة : تفتح الصفحات في نافذه جديدة. CNN غير مسؤوله عن مضمون المواقع الأخرى.
البحـث
     
© 2008 Cable News Network.
جميع الحقوق محفوظة .A Time Warner Company
التي بموجبها تقدم لك هذه الخدمة.