عاصرت الزميلة هيام حموي، المقيمة في باريس منذ نحو ثلاثة عقود، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على الساحة الفرنسية، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية المتعددة. ومع بداية العد التنازلي للانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي ستجري في الثاني والعشرين من أبريل/ نيسان الجاري، سوف تشارك هيام حموي قراء موقع CNN بالعربية، بمشاهداتها لما يجري على الساحة الفرنسية، بشوارعها، وصالوناتها، وإعلامها، ومقاهيها الشهيرة مع اقتراب ساعة الصفر لاختيار الرئيس القادم لفرنسا.  | | مسرحية أم مسلسل؟ |
"منتهى التشويق" "التشويق..."، كلمة جاءت، بالأمس (الأربعاء)، في ختام النص السابق، ووجدتها صباح اليوم (الخميس) بالخط العريض وباللون الأحمر تتصدر الصفحة الأولى من الصحيفة الشعبية "لوباريزيان"، وقد لجأتْ الصحيفة إلى استخدامها في معرض تذكيرها بالعد العكسي للأيام القليلة المتبقية على الموعد المنتظر، قبل معرفة نتائج الدورة الأولى، مساء الأحد عند الساعة الثامنة، حيث يمكن تبيّن الخطوط العريضة بالأرقام التقريبية للنتائج، ومع تقدم السهرة، تتوضح تفاصيل هذه الأرقام. التشويق ينتظر مفاجأة سر كل هذا التشويق أن الكل ينتظر مفاجأة، بل ويتمناها، وكانت كلمة "مفاجأة" قد برزت "فجأة" في الآونة الأخيرة في الأجواء من حيث لا ندري، تلفظ بها صحفي أو سياسي ربما، وبدأ تداولها بمناسبة وحتى من دون مناسبة. وقد تكون "مفاجأة" سهرة الأحد المقبل عدم وجود أي شيء مفاجيء، كأن نجد مثلا ساركوزي وسيغولين في المركزين الأولين، وقد يكون الأول متقدما على الثانية بنسبة ضئيلة جدا، كما تنبأت أولى استطلاعات الرأي، حينها سيُحبَط المحللون دون شك، وسيهلل القائمون على مؤسسات استطلاع الرأي الذين وجدوا أنفسهم حتى الآن محط انتقاد من كل الجهات، دون أن يؤثر الأمر بالطبع في الإقبال الهائل على اللجوء إليهم ونشر نتائجهم. مرشح غير مستقر لناخبين مترددين لكن الأمل لا يزال يداعب مخيلة عشاق التشويق والإثارة، في وقوع المفاجأة، معتمدين على نسبة المترددين الذين لم يستقروا حتى الآن على رأي، وهو ما دفع أحد رسامي الكاريكاتير في صحيفة "ليبراسيون" إلى نشر رسم يظهر فيه شخص بملامح فرنسوا بايرو، مرشح تيار الوسط، وهو يقول لبعض الأشخاص الحائرين أمامه: "أنتم مترددون؟ حسنا، أنا مرشحكم، فأنا متردد أيضا!!" الهجوم والهجوم المضاد الهجوم الذي شنّه ساركوزي اليميني على بايرو أمس تمحور حول تردد المرشح الوسطي انطلاقا من رغبته في الجمع بين شركاء في الحكم ينتمون لتياري اليمين واليسار، وقد سخر ساركوزي من مرشحٍ لا يستقر على موقف. في هذه الأثناء كان زعيم الحركة القومية اليمينية المتطرفة "من أجل فرنسا" فيليب دو فيلييه، ذو التوجهات الارستقراطية، يسخر من ساركوزي وعبارته "لقد تغيرت" التي كررها هذا الأخير مرارا في خطاب ترشيحه، فرد عليها دوفيلييه مستشهدا بأغنية شائعة للمغني الاسباني الشهير خوليو إيغليزياس، عنوانها "أنا لم أتغير"، إذ راح يدندنها ضاحكا وبلهجة خوليو أمام المؤيدين الذي حضروا مؤتمره. أين زوجة ساركوزي؟ مرشح اليمين المتطرف الآخر جان ماري لوبن، زعيم حزب "الجبهة الوطنية"، فتح هو أيضا نيران كلامه، من جديد، على ساركوزي، مركزا في الأيام القليلة الماضية على أصوله غير الفرنسية، فعاب عليه أنه ابن عائلة مهاجرة من أصول هنغارية ويونانية، وأن واحدا فقط من جدوده الأربعة فرنسي الأصل، ثم اغتنم الفرصة ليتساءل عن سر صمت الصحافة بشأن عدم ظهور سيسيليا، زوجة ساركوزي، إلى جانبه، خلال هذه الحملة الانتخابية، وهي التي يحتمل أن تصبح السيدة الأولى، ملمّحا إلى شائعات عديدة تم تناقلها على شبكة الإنترنت مفادها أنها هجرته مجددا مثلما سبق أن فعلت قبل أشهر. "الدش البارد" لم يخطىء المعلقون الذين نبّهوا إلى أن الحملة طالت وأن معالم العصبية والتعب بدأت تظهر على تصرفات المرشحين والعاملين معهم، ما بين أسفار في جميع أنحاء فرنسا، من أقصاها إلى أقصاها، واجتماعات انتخابية وزيارات خاطفة لأماكن غير متوقعة. مساء الأربعاء، قامت سيغولين بزيارة مركز تجاري "سوبرماركت" في الدائرة الباريسية الثالثة عشرة، لتتحدث مع البائعات عن ظروف عملهن الشاقة، وشوهدت على شاشة التلفزيون وهي تساعد البائعات على الصندوق في خدمة الزبائن. في الوقت ذاته، وفي صالة "بيرسي" الكبرى بالدائرة الثانية عشرة، وقف مرشح الوسط بايرو الذي لا يتوقف عن الصعود، ليلقي خطابا حماسيا أمام جمهور قارب 17 ألف شخص، اقتطفت وسائل الإعلام بمجملها منه عبارته التي اقترح فيها تلقين سياسيي اليمين واليسار درسا لا يمكن نسيانه، فهم يتداولون الحكم منذ 25 عاما، وآن الأوان، على حد قوله، "لانتزاع السلطة منهم وإرسالهم إلى مقاعد الدراسة، لمدة خمس سنوات، وإهدائهم دشا باردا!" جيسكار ديستان يؤيد ساركوزي دعم جديد حصل عليه نيكولا ساركوزي، كان له على الأرجح مفعول "الدش البارد" بالنسبة للكثيرين من أفراد حزب الوسط، إنه التأييد الذي أعلنه، الأربعاء، الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان لمرشح اليمين، علما بأن جيسكار كان مؤسس حزب "التجمع الديمقراطي الفرنسي" الذي ترشح عنه الوسطي فرنسوا بايرو، لمنافسة ساركوزي!!!  | | البطاقة الانتخابية الجديدة |
... وميشيل روكار يدعم بايرو المفارقة الأخرى التي تزيد الأمور تعقيدا، والمترددين ترددا، تمثلت في الدعم الذي أعلنه رئيس الوزراء الاشتراكي الأسبق في عهد ميتران، ميشيل روكار، لمرشح الوسط بايرو، مستقطبا بذلك انتقادات السياسيين من كل حدب وصوب، لكنه علق بأنه يهيّئ النفوس لتحالف مقبل سيفرض ذاته عقب الدورة الأولى. ... والناخبون بدأوا يشعرون بالسأم عودة إلى صحيفة "لوباريزيان" التي استطلعت آراء الأناس العاديين حول متابعتهم للحملة، السيدة "ن"، ربة منزل، من مدينة آرل الجنوبية، قالت في جملة ما قالت: "المرشحون يطلقون الوعود، أنصت إليهم يتكلمون، لكني غير قادرة على تكوين رأي حول كفاءتهم. بكل الأحوال هم لا يهتمون بأحوالنا وأنا تعبت من الثرثرة!" أما السيد "د" من مدينة مونبيلييه، فيرى أن الحملة الانتخابية تستحق أن تتحول إلى مسرحية!!" مسرحية أم مسلسل؟ قد تبدو تسمية "مسلسل" أكثر ملاءمة، خصوصا في ناحية "التشويق"، بانتظار مساء الأحد... حتى ذلك الحين، أتأمل بطاقتي الانتخابية الجديدة التي وصلتني، بصفتي مواطنة فرنسية، من وزارة الداخلية، مع المغلف الذي يحتوي على البرامج الانتخابية للمرشحات والمرشحين الاثني عشر، رتبتها على الطاولة كما يفعل التلامذة قبيل دخولهم الامتحان... أو ليس ما يجري امتحانا على مستوى الدولة لممارسة المواطن لحق من أهم حقوقه، وأمتع ما في الأمر هو هذا التشويق المثير والناتج عن عدم إمكان معرفة النتيجة سلفا أو حتى توقعها؟ (يتبع) |