عاصرت الزميلة هيام حموي، المقيمة في باريس منذ نحو ثلاثة عقود، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على الساحة الفرنسية، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية المتعددة. ومع بداية العد التنازلي للانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي ستجري في الثاني والعشرين من أبريل/ نيسان الجاري، سوف تشارك هيام حموي قراء موقع CNN بالعربية، بمشاهداتها لما يجري على الساحة الفرنسية، بشوارعها، وصالوناتها، وإعلامها، ومقاهيها الشهيرة مع اقتراب ساعة الصفر لاختيار الرئيس القادم لفرنسا. وتمر الدقائق الأخيرة... بطيئة، بطيئة، وفجأة تتسارع... على وقع "الريموت كونترول"، المتنقل عبر القنوات الفرنسية الكثيرة... الثواني الأخيرة قبل تمام الثامنة من مساء الأحد... الإعلاميون على مختلف القنوات الإخبارية، مع مراسليهم في مختلف مقار الأحزاب المشاركة، يحاولون التحكم بتعابير وجههم وبنبرات صوتهم، دون أن يغيب عن المشاهد الحاذق أو المشاهدة المدققة بهجة ابتسامة المذيعة التي تحاور مراسل قناتها الواقف وسط المتجمعين المتحمسين أمام مقر الحزب الاشتراكي في باريس، أو ذلك المذيع المعروف بميوله اليمينية وهو يطرح أسئلة ذات مغزى للموفد إلى صالة مسرح "غافو" الباريسي العريق، بجوار مقر حزب "التجمع من أجل حركة شعبية" الحاكم، حيث ينُتظر وصول ساركوزي ليعلق على النتائج. تمام الثامنة... "رجل وامرأة" كثر تنفسوا الصعداء، صخب الموسيقى الحماسية يعلو بموازاة ظهور الصورتين المرتقبتين، رجل وامرأة... "رجل وامرأة"، وكأنه عنوان لفيلم سينمائي شهير من إخراج كلود لولوش، رجل إسمه نيكولا ساركوزي، سعيد بأن تمنحه التقديرات الأولية نسبة 30 % تقريبا من الأصوات، وامرأة حققت إنجاز الوصول إلى هذا الموقع، بنسبة 26%، بالرغم من كل العقبات الطبيعية التي يفرضها العمل السياسي إجمالا، والعقبات الإضافية التي تثقل كاهلها لكونها امرأة، بشكل خاص. أين المفاجأة؟ المفاجأة الحقيقية هي التراجع الكبير في نسبة التصويت لمرشح "الجبهة الوطنية"، جان ماري لوبن، بعبارة أخرى مرشح اليمين المتطرف الذي تتأرجح أرقام نتائجه الأولية ما بين 10 و11%، بينما راوحت نسبة الأصوات لمرشح الوسط فرنسوا بايرو، في التقديرات الأولية، ما بين 18 و 19%، مما يجعل منه "الرجل الثالث" الذي سيلعب دور الفصل بين المرشحين الأولين. ويبرز السؤال الذي لا غنى عنه: في أي اتجاه سيحول رجل الوسط، بايرو، مجموع الأصوات التي جمعها حول برنامجه وشخصه؟ وفي أي كفة سيحلو له أن يضع ثقلها في كفة ميزان الدورة الثانية؟ وما هي خلفيات التحالفات الجديدة بين اللاعبين؟ "الرجل الثالث": بطولة بايرو تساؤلات كثيرة تدور في الأذهان، بعد كل التصريحات السلبية التي أطلقها اليمين واليسار ضد مرشح الوسط، ما الذي سيفعلونه، ابتداء من الآن، لخطب ودّ ناخبي "الرجل الثالث" من أجل تجييرها لصالحهم؟ على فكرة "الرجل الثالث" هو أيضا عنوان فيلم سينمائي بريطاني شهير نال السعفة الذهبية في مهرجان "كان" السينمائي عام 1949، ومهرجان "كان" الذي يحتفل بعيده الستين هذا العام، سيفتتح أنشطته الفنية، يوم 16 مايو أيار المقبل، أي بعد 10 أيام من الدورة الانتخابية الثانية، تحت أنظار رئيس فرنسي جديد أو ربما رئيسة!!! الرجل "البرتقالي" و"المرأة الخضراء" "عندي خبر سار لكم، ابتداء من مساء اليوم، السياسة الفرنسية لن تعود أبدا مثلما كانت..." هكذا بدأ بايرو كلمته التي توجه بها إلى ناخبيه، وكان يقف أمام خلفية برتقالية اللون، اللون الذي اتخذه شعارا لحملته، وربما للحزب الجديد الذي صرّح مؤخرا أنه يعتزم تأسيسه. أما مرشحة "حزب الخضر" دومينيك فوانيه (1.5% من الأصوات)، والتي دفعت، ثمن "مبدأ الاقتراع المجدي"، مثل غيرها من مرشحي اليسار وأقصاه، بفعل هلع الكثيرين من تكرار سيناريو "21 أبريل 2002"، لم تتردد في دعوة المصوّتين لحزبها إلى الالتفاف حول روايال في الدورة الثانية، وهكذا فعلت مرشحة الحزب الشيوعي، ماري جورج بوفيه (1.9%)، ومرشحة حركة "النضال العمالي" أرليت لاغييه (1.5%)، التي كانت تخوض حملتها الرئاسية السادسة والأخيرة. امرأة حرّة في انتخابات حرّة أصغر المرشحين، أوليفييه بزانسنوه (4.5% من الأصوات)، هو أيضا دعا للالتفاف حول روايال التي وعدت في كلمة ألقتها بعد ساعة و37 دقيقة من إعلان النتائج شبه النهائية، بأن تكون مسؤولة "غير منحازة"، مؤكدة على أنها امرأة حرة، مثلما بلدها فرنسا حر.. جميلة...هذه الحرية!!! وكل التيارات السياسية أصرّت على تحية نسمات الحرية ونفحات الحماس الهادئ التي داعبت المواطنين طيلة هذا الأحد الانتخابي الطويل...على الأقل بالنسبة لـ 84.8 % من الناخبين الذين صوّتوا فعليا، وهذا أيضا رقم قياسي في التوق إلى المحافظة عليها ... (يتبع)
|