عاصرت الزميلة هيام حموي، المقيمة في باريس منذ نحو ثلاثة عقود، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على الساحة الفرنسية، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية المتعددة.
ومع بداية العد التنازلي للانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي سيعاد تنظيمها في السادس مايو/ أيار الجاري، سوف تشارك هيام حموي قراء موقع CNN بالعربية، بمشاهداتها لما يجري على الساحة الفرنسية، بشوارعها، وصالوناتها، وإعلامها، ومقاهيها الشهيرة مع اقتراب ساعة الصفر لاختيار الرئيس القادم لفرنسا. يوميات انتخابية (4) السبت 5 مايو/أيار 2007  | | الأحد يوم حاسم في تاريخ فرنسا |
"مقابلة صحفية خارجة عن القانون" ... بهذا العنوان طالعت صحيفة لوباريزيان قراءها، على الصفحة الأولى، صباح السبت، قبل أن تشرح في التفاصيل بأنها من باب الالتزام بالتوازن المفروض بشأن حيز المساحات الإعلامية المخصصة لكل مرشح، كانت تعتزم نشر مقابلة مع المرشح نيكولا ساركوزي، في هذا العدد، بعد نشر مقابلة للمرشحة المنافسة سيغولين روايال في عددها السابق. إلا أن المسؤولين عن حملة روايال يسارا، احتجوا لدى المجلس الأعلى للإعلام، متسلحين بالقانون الذي يمنع كل دعاية انتخابية في اليوم السابق للاقتراع. فقرتان في القانون تضاربتا: تعادل المساحات والهدنة الدعائية الإلزامية، مما أدى إلى امتناع الصحيفة عن نشر المقابلة الثانية، مكتفية بوضع نصها على موقعها في شبكة الانترنت، الأمر الذي حدا برسام الكاريكاتير في الصحيفة إلى ابتداع هذا الحوار بين شخصين ضمن رسم لاذع: "هل تصدق هذا؟ اليوم من الممكن منع ساركوزي من التعبير في وسائل الإعلام!" ويجيب المحاور: "فلنستفد من الفرصة، لأن الأمر لن يدوم ..." ما فات القراء معرفته... ما هو أهم ما فات قراء النسخة الورقية من الحوار غير المنشور على صفحاتها؟ أولا: استياء المرشح الشديد على تلويح روايال في تصريحاتها الأخيرة باحتمال تجدد العنف في الضواحي إذا ما تم انتخابه هو، معتبرا هذه التصريحات إهانة للتعبير الديمقراطي والجمهوري. ثانيا: قراره بالدخول في "خلوة" لمدة عشرة أيام، حتى يحين يوم تنصيبه في 17 مايو /أيار، يعمل خلالها على "إلقاء نفسه" كليا في أجواء المسؤوليات الجلل الملقاة على عاتقه، والاستفادة من بعض الهدوء بعد صخب الحملة الانتخابية". بانتظار الدقائق الأولى من ولايته... في المقابلة غير المنشورة أيضا، قول ساركوزي إنه، في حال انتخابه، "سيباشر العمل من الدقيقة الأولى في الساعة الأولى من اليوم الأول من رئاسته ولن يتوقف قبل الدقيقة الأخيرة من الساعة الأخيرة في اليوم الأخير، من ولايته". الدقيقة الأولى من ولاية الرئيس الجديد، أو ربما الرئيسة الجديدة، ستلي الدقيقة الأخيرة من ولاية جاك شيراك، الذي امتد حكمه كرئيس للبلاد فترة 12 عاما، منذ 1995، وفي ولايتين رئاسيتين، الأولى لسبع سنوات، قبل التعديل الدستوري الذي خفض الثانية إلى خمس سنوات. والدقيقة الأخيرة من ولاية شيراك سيحين موعدها عند منتصف ليل 17 مايو /أيار. ويكون حينها قد شد الرحال لينتقل إلى مقر إقامته الجديد الفخم والمُهدى إليه، أو "المُعار" (كما يفضل القول) من قبل عائلة صديقه الراحل رئيس الحكومة اللبنانية السابق، رفيق الحريري، وهذا أيضا أمر يثير الكثير من التعليقات التي لا يمكن وصفها دوما بالإيجابية. حالة صباح الاثنين 7 مايو/أيار لصحيفة ليبراسيون رؤية أخرى عن كيفية تعامل ساركوزي مع فكرة انتخابه. فقد كتبت ما معناه أن هذا الرجل يُحرق المراحل، ويستبق الزمن... نيكولا ساركوزي، يتصرف وكأنه اختصر الزمن، وتجاوز ساعات يوم الأحد الانتخابي، وشكر بحرارة ناخبيه على حسن اختيارهم... وكأنه نقر بفأرة الكمبيوتر على زر الرئاسة الموصل فورا إلى الإليزيه، دون التلكؤ في عبور كل المراحل الموصلة إلى فتح الملف المنشود.. نيكولا ساركوزي كان يتكلم يوم الجمعة وكأنه يعيش حالة المرشح الفائز صبيحة الاثنين... هذا هو فحوى المقال الطريف الذي نشرته الصحيفة، السبت، بقلم موفديها إلى منطقة "السافوا" في أعالي جبال الألب، المحطة الأخيرة التي اختار المرشح أن يختتم بها، الجمعة، حملته الانتخابية، حملة استمرت رسميا خمسة شهور، والواقع أنها كانت قد بدأت فعليا وبشكل تمهيدي قبل خمسة أعوام. وما استدعى التعليق الطريف للصحيفة هو اختيار ساركوزي منطقة نائية من مرتفعات الألب تتميز بأن 400 من المقاومين الفرنسيين، إبان الحرب العالمية الثانية، تصدوا إلى 12 ألف جندي ألماني من جيش الاحتلال النازي، وقرر أن يجعل منها محجة سنوية له، على غرار ما كان يفعله الرئيس الاشتراكي الراحل فرنسوا ميتران... شهادة أزنار بجدارة ساركوزي أما صحيفة لوفيغارو، فوسط المقالات العديدة التي يشرح كتابها من سياسيي تيار اليمين ومفكريه سبب اختيارهم التصويت لساركوزي، وفي ما يبدو مقابلا لتأييد رئيس الحكومة الإسبانية الحالي خوسيه لويس ثباتيرو لسيغولين روايال قبل الجولة الأولى، يلفت الانتباه مقال بقلم رئيس الحكومة الاسبانية السابق، اليميني خوسيه ماريا أزنار، وقد حمل عنوان: "نيكولا ساركوزي أهل للثقة، أعرف هذا عن خبرة." أما ما قاله المرشحان في الختام... وفيما تعنون الصحيفة ذاتها على الصفحة الأولى بكلمة واحدة تسأل: "من؟" نجدها تنشر آخر تصريحين لكل من المرشحين، قبل إقفال أبواب الحملة. ساركوزي قال:" أنا في غاية التركيز، لأن الأمور لم تحسم بعد. فرنسا بلد مليء بالطاقات، يجب أن نعرف كيف نديره، كيف نمثله، كيف نجسده بطريقة تسامحية، منفتحة وتلتزم بالاحترام." واختارت الصحيفة من الأقوال الأخيرة لروايال: "بقي يومان لنبقى صامدين، ولنمسك بورقتنا الانتخابية. اصمدوا في وجه كل الأنظمة، اصمدوا من أجل فرنسا قوية، اصمدوا من أجل النور!" السيدة "العذراء" أم السيد "الدلو"! وفي محاولات جس نبض التحركات لدى التيارين، اليميني واليساري، وفي السعي لاستكشاف قناعة كل منهما بالنسبة للنتائج، يرى البعض أن كلا من الطرفين يستعد للاحتفال بالانتصار على طريقته. لكن الملاحظ أن أحد الطرفين أكثر جدية في تفاصيل الاستعدادات، ومن المرجح أن تكون الاحتفالات، في حال فوز اليمين، جهة حي الشانزيليزيه أو ساحة الكونكورد، أو قد تكون بالقرب من حي سان جرمان، حيث مقر الحزب الاشتراكي، في حال فوز اليسار. حتى مختصي الأبراج الفلكية لم يتفقوا بعد حول تنبؤاتهم بشأن من سيفوز، ولا زالو مترددين هل هي المرشحة "العذراء" أم المرشح "الدلو"؟ القلق الاشتراكي أصوات ناخبيي المرشح "الجوزاء" فرنسوا بايرو، الذي خرج من سباق الدورة الأولى بدرجة "ثالث"، سيكون لها الدور الحكم والفصل، ولا تزال هذه الأصوات تشكل علامة استفهام كبيرة، لكنها علامة استفهام تثير قلقا أكبر في صفوف الاشتراكيين الذين بدأوا يتحدثون عن إعادة صياغة حزبهم وتحديث أسسه. وميشيل روكار، السياسي الاشتراكي المخضرم، الذي ترأس إحدى الحكومات في عهد ميتران، والذي حاول، قبل الجولة الأولى بأيام، أن يوفق بين اليسار والوسط، وبالتالي تسهيل مهمة المرشحة روايال بين الجولتين، عاد ونشر رأيا حرا في عدد السبت من صحيفة لوموند، يؤكد خلاصة الدرس الذي بدأ الاشتراكيون التقليديون استيعابه، والذي قد يكلفهم فرصة الفوز هذه المرة لأنهم لم يتقبلوه في وقت مبكر. درس روكار في الحكمة السياسية خلاصة هذا الدرس أن الحياة تغيرت وأجيال الناخبين كذلك، في اليسار والوسط، أجيال جديدة "تريد الإصلاحات مهما كانت صغيرة" ولا تستطيع انتظار تحقيق التصورات الكبيرة للمنظرين، فقد أيقنوا أنها تصورات غدت، في عالم اليوم، أبعد من المنال الممكن. لكنه، قبل أن يختم مقاله بعبارة تشجيع ودية لسيغولين، لم يتردد في الاعتراف بأنه لم يكن مدركا، في البداية، مدى ما تتمتع به هذه المرأة من عزم وحيوية وإصرار، وهي أكثر الصفات التي شدت إليها الأجيال الشابة، بالرغم من كل عراقيل الاشتراكيين المنتمين إلى صفها مبدئيا، من جيل "الفيلة"، كما يسمون قدماء الحزب، والذين حاولوا الوقوف بدربها، دون نتيجة، فهل تتفوق سيغولين في التحدي الجديد على مستوى الوطن؟ غدا، الأحد يوم حاسم في تاريخ فرنسا... |