عاصرت الزميلة هيام حموي، المقيمة في باريس منذ نحو ثلاثة عقود، التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على الساحة الفرنسية، بما في ذلك الانتخابات الرئاسية المتعددة. ومع بداية العد التنازلي للانتخابات الرئاسية الفرنسية، التي ستجري في الثاني والعشرين من أبريل/ نيسان الجاري، سوف تشارك هيام حموي قراء موقع CNN بالعربية، بمشاهداتها لما يجري على الساحة الفرنسية، بشوارعها، وصالوناتها، وإعلامها، ومقاهيها الشهيرة مع اقتراب ساعة الصفر لاختيار الرئيس القادم لفرنسا.
حديث اليوم... كل يوم من هذه الأيام الانتخابية الفرنسية يأتي حاملا حديثه بمعنى جديد.. واستطلاعاته العديدة ذات النتائج شبه المكررة للآراء، صوَرَه التي تحاول عبر مختلف الزوايا كشف ما تضمره الوجوه خلف الابتسامات، جمله اللاذعة التي وردت عمدا أو سهوا على ألسنة المرشحين، وابتكاراته التي يتفتق عنها ذهن العاملين في الحقول الإعلامية متعددة الوسائط. حديث الساعة... ليس المقصود هنا الحديث عن أهمية الساعات وحساب الدقائق التي تحاول وسائل الإعلام تخصيصها بالتساوي والقسطاس لكل من المرشحين الاثني عشر عند إفساح المجال لعرض برامجهم الانتخابية، وإلا تتعرض المؤسسات والهيئات الإعلامية المخالفة لغضب "المجلس الأعلى للإعلام المسموع والمرئي" بعيونه الساهرة على هذا النظام.. وإنما المقصود هو الجدل الذي تفجر منذ يوم الثلاثاء حول تحدي الصحفي التلفزيوني المعروف، جان مارك مورانديني، للقانون الذي يمنع إعلان تقديرات نتائج التصويت قبل إغلاق جميع مراكز الاقتراع أبوابها عند الساعة الثامنة من مساء الأحد، في المدن الكبرى. فقد أعلن الصحفي بأنه سينشر على مدونته (البلوغ) نتائج التقديرات، التي تتسرب إليه بحكم عمله الصحفي، ابتداء من السادسة مساء، حتى وإن كلفه الأمر غرامة قانونية قد تصل إلى 75 ألف يورو. يا خبر بفلوس... وعبر منتديات النقاش التي فتحتها القنوات التلفزيونية، وما حذا حذوها، كان عدد المؤيدين للمبادرة المتحدية شبه متساوٍ مع عدد المعارضين. فقد اعتبر المؤيدون أنه لا يمكن الوقوف في وجه ما تسمح به هذه التقنيات الحديثة، وأن الأمر لن يغير شيئا في طبيعة النتائج النهائية، خصوصا في حال كان التقارب شديدا بين عدد الأصوات التي ينالها المرشحان الأوفر حظا. في حين لم يجد المعارضون فائدة من خرق القانون الانتخابي بهذا الشكل الفاضح، من أجل الحصول "بفلوس" على خبر غير مؤكد يمكن الحصول عليه "مؤكدا" و"ببلاش" بعد قرابة ساعتين... أجهزة الاقتراع الإلكترونية جدل آخر محتدم حول أجهزة اقتراع إلكترونية "متطورة" ستزود بها بعض المراكز الانتخابية التي سبق أن استُخدم فيها التصويت الإلكتروني، لكن بكمبيوترات خضعت لموافقة المختصين في وزارة الداخلية. الأجهزة الجديدة لم تحصل بعد على التراخيص اللازمة، وتثير قلقا شديدا في مختلف الأوساط، اليسارية بالذات، حتى أن العرائض تسري على الإنترنت بهدف جمع التواقيع لإلغائها، وحملة جمع التواقيع لا تزال مستمرة... ألعاب إلكترونية ولهواة التسالي، عشرات الألعاب الإلكترونية انتشرت على مختلف المواقع في شبكة الإنترنت، بالذات المواقع الإعلامية، من أطرفها تلك اللعبة التي تدعو للإجابة عن مجموعة أسئلة تتعلق برد فعل اللاعب في مواقف محددة تتعلق بالحياة العامة، وتأتي النتيجة لتطلعه على المرشح أو "خليط المرشحين" الأقرب لميوله... أما اللعبة الأكثر انتشارا، فهي تلك المستوحاة من "مونديال" كأس العالم لكرة القدم، وتبدو فيها صورة متحركة لشخصية سيغولين روايال وهي تسدد نطحات بالرأس لباقي المرشحين، ويجمع اللاعب نقاطه مع كل نطحة سيغولينية... التصويت الشبابي وفيما يستمر التناطح بالتصريحات المتنافرة بين المرشحين ومؤيديهم، جاء في دراسة نشرت نتائجها صحيفة "لوباريزيان"، الأربعاء، أن شريحة الشباب دون سن الثلاثين ممن يصوتون للمرة الأولى قد اختاروا في غالبيتهم الثلاثي ساركوزي، بايرو، روايال، وبهذا الترتيب لتصويتهم. لكن يشير استطلاع الرأي المذكور إلى أن 51 في المائة من هؤلاء المصوتين للمرة الأولى لم يتخذوا بعد قرارهم النهائي، وأن بإمكانهم بعد تبديل وجهة أصواتهم خلال الأيام القليلة المتبقية على موعد الدورة الأولى. تصويت المنحدرين من أصول عربية ومسلمة بتشجيع من بعض النجوم في عالم الرياضة أو الفن، كالفنان الساخر المغربي الأصل جمال دبوز، وعدد من رؤساء الجمعيات التي تعنى بشؤون المهاجرين، تحمس عدد كبير من أبناء مناطق الضواحي الفقيرة، والمنحدرين من أصول مهاجرة، لتسجيل أسمائهم في اللوائح الانتخابية في مناطقهم. كثيرون يريدون التذكير بوجودهم كمواطنين بكل معنى الكلمة، وليس فقط "درجة ثانية". وفي غياب ملفت لاستطلاعات الرأي التي يمكن أن تتناول أفضلياتهم بالنسبة للمرشحين، يتوقع البعض أن يشكل تصويت هؤلاء الناخبين الجدد عنصر المفاجأة في الدورة الأولى.. إذ لا تزال ذكرى عبارة "الحثالات" التي وصف بها ساركوزي فئة من شبان المهاجرين، إبان أحداث شغب الضواحي في شتاء 2005، ماثلة في الأذهان. كما أن خيبة أملهم في وعود الاشتراكيين بتحسين أوضاعهم، والتي لم تنفذ منذ بداية عهد ميتران، تجعل البعض يميل إلى الاعتقاد بأن خيارهم "الاستراتيجي" سيصب في مصلحة مرشح الوسط فرنسوا بايرو، وإن كانت قلوبهم تخفق لمرشحين من تيارات أقصى اليسار، مثل جوزيه بوفيه، المناهض للعولمة، والذي كان قد زار ياسر عرفات أثناء محاصرته في رام الله، أو المرشح بيزانسنوه الشاب البروليتاري المتحمس، والقريب من تطلعاتهم. سياسة فرنسا العربية بعد خط شيراك الديغولي غير أن التصويت العربي، أو الأصح تصويت المواطنين الفرنسيين المنحدرين من أصول عربية، يجب أن يُفصل عن السياسة الخارجية الفرنسية، التي كانت تتسم، حتى الآن، بالطابع الديغولي المؤيد لوجهات النظر العربية، حتى في عهد ميتران. وهنا لابد من التنبيه إلى أن الأوساط الدبلوماسية الفرنسية القريبة من السياسة العربية تتوقع تغييرا كبيرا في المنحى السياسي لفرنسا إزاء القضايا العربية، أيا كان الساكن الجديد في قصر الإليزيه، مشيرة بأسف إلى أن المواقف الفرنسية الإيجابية لم تكن تقابل دوما بمواقف عربية على مستوى التطلعات والمصالح الفرنسية، وهذا ما يجعل مواقف أنصار النهج السياسي السابق، والمؤيد للعرب، أضعف وسط مجموعة العمل الجديدة التي ستحيط بطاقم الرئاسة الجديد ... كل الدلائل تشير إلى أن هذه الدورة الانتخابية ستطوي صفحات كثيرة شاخت في تاريخ فرنسا، وتفتح صفحة جديدة لا زالت معالمها شديدة الغموض، وهذا ما يجعل المسلسل يزداد تشويقا يوما بعد يوم... (يتبع) |