 | | وول ستريت بحاجة لأموال الصناديق السيادية |
(CNN)--الزميل جون دفتريوس، معد ومقدم برنامج "أسواق الشرق الأوسط CNN" الجديد يقوم بتسجيل انطباعاته ومشاهداته اسبوعيا، ويطرح من خلالها، وبلغة مبسطة، رؤيته لاقتصاد المنطقة، انطلاقاً من خبرته الطويلة في عالم الصحافة الاقتصادية. وهذا الأسبوع يكتب جون زاويته حول بروز دور الصناديق السيادية وانشغال العالم بها، والجدل المثار حولها، فيقول: قد يصح وصف الأسبوع الجاري في كتب الاقتصاد بأنه "أسبوع البصمات التاريخية" الذي غيّر تعريف العالم لصناديق الاستثمار السيادية، كما أنه جزء من تحول جيو- اقتصادي كبير، يكرس نفسه بتعريف جديد هو "شرق -شرق" الذي بات يستخدم للإشارة إلى حزام الثروات الهائلة الممتد من الشرق الأوسط إلى الصين. فرغم أننا نتابع حركة تلك الصناديق التي تديرها الحكومات منذ فترة، ونرصد جهودها نحو تعزيز دورها كلاعب رئيسي على الساحة الاقتصادية الدولية، غير أن الأيام القليلة الماضية كانت بحق المسؤولة عن وضع اسم "الصناديق السيادية" على كل شفة ولسان. وتبدو مهمة معرفة الحجم الحقيقي للثروات التي تمتلكها هذه الصناديق مهمة معقدة، غير أن بعض المصارف والمؤسسات المالية الغربية تحاول جاهدة القيام بذلك، وفي مقدمتها مؤسسة "ستاندرد تشارترد،" التي تقول إن موجودات تلك الصناديق قد تتجاوز 2.2 ترليون دولار. لكني شخصياً أتحفظ على دقة هذه الأرقام، إذ من المعروف أن جهاز أبوظبي للاستثمار يمتلك منفرداً نصف هذا المبلغ. وتقول أرقام "ستاندرد تشارترد" إن تلك الصناديق تمتلك ما بين 2 إلى 3 ترليونات دولار، ومن المتوقع أن تصل حجم ثرواتها إلى ما بين 10 إلى 15 ترليون دولار عام 2015، أي بما يفوق موجودات محافظ الاستثمار الخاصة. فإذا، إذا استمرت أسعار النفط عند مستويات تتراوح ما بين 60 و 80 دولاراً للبرميل الواحد، فقد تصل موجودات تلك الصناديق إلى ما بين 10 و15 مليار دولار، بما يفوق موجودات المحافظ الخاصة التي كانت مسؤولة عن معظم الصفقات الكبرى خلال الأعوام الماضية. والجدير ذكره، أن ظاهرة الصناديق السيادية، وبخلاف ما يظنه البعض، ليست حديثة النشأة، فالهيئة العامة الكويتية للاستثمار تعود إلى العام 1953، أما جهاز أبوظبي للاستثمار فقد بدأ بمزاولة نشاطه في أواسط العقد السادس من القرن الماضي. إلا أن الفارق الأكبر يتمثل في تبدل دور تلك الصناديق، التي كان نشاطها يقتصر على ضخ الأصول في السندات والعملات الحكومية، وهو ما تغيير بصورة واضحة منذ خمس سنوات، وبشكل جذري منذ ستة أشهر. وفي هذا السياق، يشرح كريس ويلر، المحلل الاقتصادي في "بير ستيرنز،" أن النشاط المفرط لهذه الصناديق مؤخراً يعود إلى ضرورة إيجاد مواطن لاستثمار العوائد المالية الهائلة المتأتية من ارتفاع أسعار النفط. ويقول ويلر: "هناك فائض مالي هائل، وتحاول تلك الصناديق استثماره، ويقدم القطاع المصرفي العالمي فرصاً جذابة في هذا الإطار، خاصة في ظل التعثر العالمي حالياً،" كما يصر على أن الحديث المتزايد عن ركود مرتقب في الاقتصاد الأمريكي سيزيد شهية تلك الصناديق للاستثمار. ويبدو من المفيد استعادة تجربة الأمير السعودي، الوليد بن طلال، الذي اشترى عام 1991 أسهماً في مجموعة "سيتي غروب" بقيمة 2.75 دولاراً للسهم الواحد، وظل محتفظاً بها لسنوات حتى ارتفعت قيمتها، وهو أمر لا يقوم به التجار والمتداولون، بل المستثمرون الذين يبدون استعداداً للاحتفاظ بحصصهم لسنوات حتى ترتفع أثمانها. ومع استمرار هذه السوق المفتوحة، سيبرز لاعبون جدد طوال الوقت، ومن بين الأشهر في هذه المرحلة جهاز قطر للاستثمار، الذي سيعود إلى الواجهة بعد مشاركته في المنافسة لشراء سلسلة متاجر "سنزبيري" البريطانية، وصندوق "مبادلة" التابع لأبوظبي، والذي حاز مؤخراً حصة مهمة في مجموعة "كارليل" الأمريكية العملاقة. ولكن، وبموازاة هذا الحراك الاقتصادي لصناديق الاستثمار السيادية، تبدو دول الغرب، التي تعتبر مقصداً أساسياً لهذه الصناديق، وفي مقدمتها الدول الثمان الكبرى، وكأن لديها شروطاً خاصة، في مقدمتها ضرورة التنافس على أسس تجارية واعتماد الشفافية والتنافس الشريف. وتأتي هذه الشروط التي تطرحها الدول الثمان الكبرى ضمن محاولتها لتأسيس معايير استثمارية ثابتة تتحكم بعمل تلك الصناديق، فقد حثت وزارة الخزينة الأمريكية صندوق النقد الدولي وهيئة OECD البحثية، التي تتخذ من فرنسا مقراً لها، على وضع معايير مماثلة تحدد الممارسات الأمثل لتلك الصناديق وتضمن شفافية عملها. غير أن هذا الاندفاع الذي أبدته واشنطن عاد وتراجع خلال الفترة الأخيرة، بعدما اشتد ظمأ المصارف والمؤسسات المالية المتعثرة في وول ستريت للسيولة. وفي مطلق الأحوال، سيؤمن لنا المنتدى الاقتصادي العالمي الذي سيعقد في دافوس السويسرية الأسبوع المقبل فرصة ممتازة للتحدث مع كبار اللاعبين الاستثماريين في الشرق الأوسط وشرق آسيا من جهة، والجهات التي تدعو إلى وضع أطر قانوني لحركة أولئك اللاعبين من جهة أخرى. |