على خط النار مع كورونا.. تفاصيل موجعة ترويها محررة في CNN عن يومها الأول في مواجهة الفيروس

صحة
نشر
7 دقائق قراءة
تقرير دارين العمري
دارين العمري وزوجها عمر حرقوص

ملاحظة المحرر: هذا المقال بقلم دارين العمري، محررة في CNN، تروي فيه معاناتها مع فيروس كورونا، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأيها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- "ماما".. أبكي في قسم الطوارئ عالياً كطفلة صغيرة تبحث عمن ينقذها، أو امرأة خذلتها كل قوتها مرة واحدة. حرارة عالية، أشعر بحماها تخرج من كل ما يتنفس في جسمي، من عيني، وأذني، وجلدي، ولهاثي. أتعرق بشدة، أبرد كطفلة صغيرة لا تعرف كيف تدفئ نفسها، تصطك أسناني ببعضها البعض فتُصدر صوتاً مرعباً، لحناً سوريالياً على وقع عزف آلتي البرد والحرارة.

أحكي أشياء غير مفهومة، أرى طيف الطبيب والممرضة فوق رأسي، يبدو الكلام صعباً، عندما يطلبانه مني.

 ماذا تشعرين؟ أتمتم بكلمات غير معروفة، "وجع" أقول وأكرر الكلمة وكأنها تصبح كل ما أعرفه في اللغة، أشعر بـ "لعيان" قوي، أستفرغ، أرمي كل ما في معدتي، لم يعد هناك شيئاً أصلاً فيها، كل ما أدخله إليها حتى لو نقطة ماء تبلل ريقي، تلفظه بعنف خارجها.

في غرفة الطوارئ، الكثير من الأدوية المسكنة تدخل إلى دمي، رغم أني وعدت نفسي منذ أن أنجبت يسمى ابنتي بأن لا أخاف من الإبرة، ولكن في تلك الليلة خذلت وعدي. كل إبرة تدخل في جلدي، تشعرني بأن سكينا يدخل إليها.

يبدأ المسكن بمفعوله، أرتاح قليلاً كاستراحة المحاربة. أعود إلى ما قبل بيوم، يوم الأربعاء 7 أكتوبر.

عمر سيخرج من المستشفى إلى المنزل بعد قليل، بعد ثلاثة أيام في "عنبر كورونا" كما تروقه التسمية.

أنظف المنزل نبتسم أنا ويسمى ابتسامة صغيرة تريحنا بأن عمر على طريق "الانتصار" على العدو "كورونا"، نفتح باب الشرفة حتى تدخل الشمس إلى المنزل، وكأننا نحتفل بيوم ولادة جديد.

كنا أنا ويسمى نريد لعمر أن يبقى أكثر في المستشفى حتى نتأكد من شفائه بالكامل، ولكن قرار الأطباء كان أن حالته في تحسن ولا تستوجب البقاء أطول في "عنبر كورونا".

يدق الجرس، يقفز قلبنا أنا ويسمى، نفتح الباب، لا يسعنا أن نغمر عمر، نريد أن نأخذه في حضننا، أو ربما نريد منه هو أن يحضننا، حتى نشعر بالأمان، هذا الأمان الذي لطالما يشعرنا به. ولكن نشعر في هذه اللحظة بأن قوة ما تحملنا نحن ثلاثتنا وترقص بنا فوق باب المنزل، نضع أيدينا بأيدي بعض بلا خوف، نضحك عالياً ونرقص بفرح.. هكذا نتخيل.

عمر ما زال تعباً، لا يقوى على الكلام معنا كثيراً، مرهق كعائد من معركة. يجلس على الشرفة، نضع الأقنعة أنا ويسمى ونجلس قبالته، على بعد 6 أقدام.. نضحك للفكرة. إنه قانون التباعد الاجتماعي يجد حيزا لسريانه في مساحتنا الخاصة، في بيتنا الصغير.

أحكي مع عمر عن فرحتي بعودته إلى المنزل، ألهث، تتسارع أنفاسي، أحاول التقاطها كامرأة عجوز. يسألني عمر "أنت متعبة"؟

لا.. أضحك، لن ندع "كورونا" يجد طريقه لي ولك معاً.  

تمر ساعات قليلة، أشعر بارتفاع في حرارتي، أذهب للنوم باكراً. أرتجف، برد شديد يدخل إلى عظامي، أغطي نفسي بلحاف شتوي، يأتي عمر ليطمئن علي ليلاً، أتمتم بكلمات غير معروفة، وأشد اللحاف عليّ أكثر من جديد كلي من رأسي حتى أخمص قدمي.

تدخل الممرضة من جديد إلى غرفتي، تسألني ماذا أشعر. أبكي تنهمر دموعي كما لم تفعل منذ وقت كبير. أشعر بأني بكيت في تلك الليلة كما لم أبك منذ سنوات طويلة جداً. عندما جئت إلى دبي، هناك من قال لي إن البكاء "ضعف" ويجب أن أجعله "سري" الخاص.

لكن في هذه الليلة وما قبلها، قررت التخلي عن تمثال القوة الوهمي الذي صنعته لنفسي "رباً" أعبده، كسرت هذا التمثال حطمته بكل ما بقي لدي من قوة في جسمي، وبكيت عليه، كأنني أرثيه. في غرفة الطوارئ أنا وحدي، أصرخ عالياً "ماما". أريد أمي، أطلب أن يأتوا إلي بأمي، هي تعرف كيف تخفف عني الوجع، كيف تضع يدها على رأسي وتمسدني، كيف تطمئنني بأن هذا كله سينتهي بعد حين.

تسألني الممرضة "هل أمك هنا.. هل تريدين أن نتصل بها".. أمي في بيروت حبيبتي، "يا الله" من يأتي بها إلي.. أسمع دوي انفجار المرفأ من جديد كأنه يحصل الآن، أرى كيف يبتلع الهواء كل شيء، مدينتي الجميلة، تصبح أطلالا، شبه مدينة ممزقة. أنا أقف في البعيد وأصدر أنيناً. أستفيق أجد نفسي على سرير المستشفى.

في المنزل يأتي الصباح، عمر يحمل بعض الأوجاع، لم ينم جيداً، وأنا أيضاَ.

هو قطع نصف الطريق في معركته مع "كورونا"، وها أنا أبدأ يومي الأول، نتيجة الفحص لم تؤكد ذلك بعد، ولكن شعور خفي يقول لي ذلك.

ألبس ثيابي الشتوية، بنطلون من الصوف، معطف شتوي لأيام المطر والعواصف. الحرارة في دبي خارجاً 37 درجة، ولكن أشعر بها تحت الصفر.

أنام على الشرفة على كرسي وأغطي نفسي بلحاف سميك. أرى طيفا عمر ويسمى يدوران حولي، لا أقوى على الابتسام لهما.

أنام للحظات، تعود إليّ الكوابيس فأستفيق مذعورة وأرشح ماءً.

في المستشفى، تضع الممرضة اللطيفة من الفلبين يدها على رأسي، تحاول أن تمتم بعض الكلمات بالعربية المكسرة "حبيبتي.. خلص".

تمر الساعات يأتي الطبيب، إنها عدوى فيروسية، كريات الدم البيضاء مرتفعة، ولكن لا نعرف ما إذا كانت إنفلونزا أو كورونا. سيرسلني إلى المنزل، يأتي عمر ليلاً، ويأخذني.

غريبان وليل أنا وعمر على الطرقات، الليل حالك، السماء لا قمر فيها، والنجوم كأنها اختفت، والسيارة كأنها تحملنا مع أوجاعنا تسير بنا إلى المنزل. في هذه الليلة أنام، مع "شحنة" المسكنات التي أدخلت في جسمي، أنام كطفلة صغيرة. بانتظار المواجهة اليومية مع كورونا.

 

 

نشر