الفطر الأسود..أزمة ثانية تقتل الناجين من أسوأ موجة لفيروس كورونا في الهند

صحة
نشر
10 دقائق قراءة

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- يجلس سرينيفاس مستلقيًا على نقالة بإحدى غرف العمليات بمستشفى سانت جون في مدينة بنغالور الهندية، حيث يقوم الجراحون بإزالة أجزاء من الأنسجة السوداء والعظام المتعفنة من وجهه.

ويُعد السائق، الذي يبلغ من العمر 41 عامًا، واحدًا من بين أكثر من 45 ألف هندي أُصيبوا بالفطر الأسود، أو داء الغشاء المخاطي، منذ بداية موجة "كوفيد-19" الثانية في البلاد بأواخر مارس/ آذار الماضي.

وكانت الغالبية العظمى من المصابين، أي حوالي نسبة 85%، من مرضى "كوفيد-19" مثل سرينيفاس، وفقًا لوزارة الصحة الهندية.

وبحلول يوليو/ تموز الجاري، تُوفي أكثر من 4،300 شخص بسبب العدوى الفطرية.

وتجلس شيامالا، شقيقة سرينيفاس بجوار سريره وتفكر في شكل حياة زوجة شقيقها وولديه الصغيرين، وتتراوح أعمارهما بين شهرين وأربعة أشهر.

وتقول شيامالا: "أنا أخشى عليه، هو أب لطفلين صغيرين. من الذي سيعتني بهما؟"

الفطر الأسود..أزمة ثانية تقتل الناجين من أسوأ موجة لفيروس كورونا في الهند
يقوم الجراحون بفحص الأشعة السينية بحثًا عن علامات العدوى في دماغ سرينيفاس

ويُعد الفطر الأسود بمثابة أزمة "كوفيد-19" الثانية في الهند. وقبل هذا العام، كانت العدوى نادرة في الهند، على الرغم من أنها كانت أكثر شيوعًا هناك بحوالي 80 مرة مقارنة بالدول المتقدمة.

وتحدث العدوى بسبب الفطريات المخاطية، وهي نوع من الفطريات التي يتعرض لها الأشخاص كل يوم، ولكن عندما تتعرض أجهزتهم المناعية للضرر من قبل الفيروس المسبب لـ"كوفيد-19" يُصبحون أكثر عرضة للعدوى.

ويمكن للفطر الأسود أن يسبب ضررًا دائمًا للوجه وفقدان الرؤية والوفاة، ما لم يتم علاجه بسرعة، حيث يزيد معدل الوفيات عن 50%.

وارتفعت حالات الإصابة في الهند، واكُتشف القليل من الحالات في أماكن أخرى، مثل مصر، وسلطنة عُمان، ونيبال، وأفغانستان، وفقًا لوزارات الصحة في كل منها.

وأصبحت أعداد حالات الإصابة بالفطر الأسود في الهند أعلى بكثير الآن مما كانت عليه بعد الموجة الأولى لفيروس كورونا في البلاد في سبتمبر أيلول الماضي. وقد يكون ذلك بسبب الانتشار السريع لمتحور "دلتا" من فيروس كورونا، "B.1.617.2".

ويتسبب مرض السكري في ارتفاع مستويات السكر في الدم، وهي ظروف مثالية للفطر الذي يتغذى على السكر. وفي الهند، كان ما لا يقل عن 77 مليون شخص مصابًا بمرض السكري اعتبارًا من عام 2019، وتأتي في المرتبة الثانية بعد الصين التي كان لديها 116 مليونًا وفقًا للاتحاد الدولي للسكري، وهو ما يفسر جزئيًا سبب ارتفاع حالات الفطر الأسود في الهند نسبيًا.

وتقول منظمة الصحة العالمية إن انتشار مرض السكري يرتفع بسرعة أكبر في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل مقارنة بالبلدان ذات الدخل المرتفع. وإلى جانب ارتفاع حالات الإصابة بـ"كوفيد-19"، يتوقع الأطباء أن تُصبح عدوى الفطر الأسود أكثر شيوعًا في جميع أنحاء العالم.

ألم مبرح

واعتقد سرينيفاس، الذي يستخدم اسمه الأول فقط، أنه تجاوز أسوأ أعراض "كوفيد-19"، ولكن عينه اليسرى سرعان ما بدأت تتورم، لدرجة أنه بالكاد تمكن من أن يفتحها. وكان الألم موجعًا.

ولم يسمع سرينيفاس من قبل عن الفطر الأسود، ولكنه شعر بالقلق عندما بدأت عينه وأنفه بالنزيف في مايو/ أيار الماضي.

وقال سرينيفاس لـ CNN من سريره في المستشفى قبل إجراء العملية الثالثة لإزالة الأنسجة المصابة: "كنت أنزف الكثير من الدم، ولم أكن أعرف ما الذي يحدث".

وأوضح سرينيفاس أنه ذهب إلى أربعة مستشفيات قبل أن يشخص الأطباء إصابته بالفطر الأسود، وتم نقله إلى مستشفى خامس حيث تلقى العلاج أخيرًا.

وقبل ظهور الجائحة، كان لدى الهند نحو 3،000 إلى 4،000 حالة من داء الغشاء المخاطي كل عام، وفقًا للأرقام التي قدمها وزير الصحة مانسوخ ماندافيا إلى البرلمان الهندي.

وفي ذلك الوقت، لم يتم الإبلاغ عن المرض، مما يعني أن الولايات لم تكن ملزمة بإبلاغ الحكومة المركزية عن الحالات، وتغير ذلك في مايو/ أيار الماضي مع نمو أعداد الحالات.

وبحلول نهاية يونيو/ حزيران الماضي تم تسجيل أكثر من 40،845 حالة إصابة بالفطر الأسود على مستوى البلاد، وبعد أسبوعين، ارتفع هذا العدد بنحو 9% إلى 45،374. وقالت وزارة الصحة الهندية يوم الثلاثاء إن نصف هؤلاء المرضى ما زالوا يتلقون العلاج.

نقص الأدوية

الفطر الأسود..أزمة ثانية تقتل الناجين من أسوأ موجة لفيروس كورونا في الهند
يزيل الجراحون داء فطريات الغشاء المخاطي من مريض تعافى من "كوفيد-19 " في مستشفى سواروب راني في مدينة الله أباد بالهند في 5 يونيو.Credit: RITESH SHUKLA/GETTY IMAGES

ولا يوجد حل سريع لداء الغشاء المخاطي، ويخضع المرضى لعملية جراحية لإزالة الأنسجة المصابة في إجراء يُعرف باسم "الإنضار"، ثم يتم علاجهم بالأدوية المضادة للفطريات "أمفوتريسين ب" الشحمية لمنع العدوى من الظهور مرة أخرى.

ومع ارتفاع عدد الحالات في مايو/ أيار الماضي، أبلغت عدة ولايات عن نقص في الدواء، وتدخلت وزارة الكيماويات والأسمدة الهندية لتنظيم الإمدادات، وتمت الموافقة على خمس شركات إضافية لإنتاج الدواء في الهند، وتم تقديم طلبات استيراد جديدة.

وفي أوائل يونيو/ حزيران، قال الأطباء في مستشفى سانت جون إنهم ما زالوا مجبرين على تقنين الجرعات بسبب عدم انتظام الإمدادات.

وقال الدكتور سانجيف لوين، رئيس الخدمات الطبية بالمستشفى، "لقد أصبح تحديًا كبيرًا لأنني أقدم جرعة أقل لـ11 مريضًا بإعطاء جرعة واحدة لكل مريض عندما يفترض أن أعطي ثلاثة لكل مريض؟ هل علي أن أختار المرضى الذين يحصلون على الأمفوتريسين ب؟ لقد كان الأمر صعبًا للغاية".

وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، لفت لوين إلى أن إمدادات العقار تحسنت بشكل طفيف، لكنها ظلت غير متوقعة.

وفي ذلك الوقت، قالت شقيقة سرينيفاس إنه لم يتلق جرعته من دواء أمفوتيريسين ب الشحمي لمدة ثلاثة أيام: "لقد ذهبنا في جميع أنحاء بنغالور بحثًا عن الحقن، ولكن حتى المستشفيات الخاصة عليها أن تطلب الدواء من المستشفيات الحكومية، إنه ببساطة غير متوفر في أي مكان".

والدواء، الذي يُعد باهظ الثمن بحوالي 95 دولارًا للجرعة، غير متوفر خارج المستشفيات، وكانت عائلة سرينيفاس تعتمد على المساعدة من أصحاب العمل والقروض ذات الفائدة المنخفضة لدفع ثمن الدواء ورسوم المستشفى الخاصة.

ويقول الأطباء إن هناك حاجة إلى ثلاث جرعات يوميًا لمدة 28 يومًا على الأقل، مما يعني أن تكلفة العلاج قد تصل إلى 8،000 دولار، أي بعيدًا عن متناول العديد من الهنود الفقراء.

وصرح ماندافيا، وزير الصحة الهندي، أنه عندما ظهرت تقارير عن الإصابة بالفطار العفني في مايو/ أيار الماضي، أنتجت الهند حوالي 150 ألف قارورة من دواء "أمفوتيريسين ب".

وقال ماندافيا يوم الثلاثاء: "لقد ساعدنا العالم في ذلك الوقت ... في أي مكان في العالم يوجد فيه الأمفوتريسين، تم إرساله إلينا، واستوردنا 1،300،000 قارورة من الدواء"، مضيفًا: "أعترف بأنه من المحتمل أن بعض الناس لم يحصلوا على العقار بعد، ولكن الحكومة فعلت كل ما في وسعها".

ما الذي يسبب الفطر الأسود؟

وهناك عدة عوامل وراء ظهور الفطر الأسود لدى المرضى بعد موجة "كوفيد-19" الثانية في الهند، بما في ذلك الأدوية المستخدمة لعلاجها.

وقال مسؤولو صحة كبار من فرقة العمل المعنية بمكافحة "كوفيد-19" في الهند ومعهد عموم الهند للعلوم الطبية إن الإفراط في استخدام المنشطات لعلاج "كوفيد-19" أدى إلى تثبيط جهاز المناعة لدى المرضى وجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالفطر الأسود.

وبموجب بروتوكولات إدارة "كوفيد-19" في الهند، يمكن وصف المنشطات كعلاج في الحالات المتوسطة والشديدة من "كوفيد-19"، رغم من أن أحدث الإرشادات الصادرة في مايو/ أيار  الماضي تنصح "بالاستخدام الحكيم" للوقاية من حالات مثل فطار الغشاء المخاطي.

ويشتبه بعض الأطباء أيضًا بأن نقص الأكسجين الطبي قد يكون له دور، بحجة أن المستويات المنخفضة من الأكسجين لفترات طويلة يمكن أن تجعل المرضى أكثر عرضة للإصابة بالعدوى.

ويعتقد بعض الأطباء أنه قد يكون هناك صلة بين ارتفاع الإصابة بالفطر الأسود ومتحور "دلتا"، وهو سلالة من الفيروس المسبب لـ"كوفيد-19" وهو أكثر قابلية للانتقال، حيث اكتُشف لأول مرة بالهند في ديسمبر/ كانون الأول العام الماضي.

ومنذ ذلك الحين، انتشر متحور "دلتا" إلى 96 دولة، وتتوقع منظمة الصحة العالمية أن يصبح قريبًا السلالة الأكثر انتشارًا في العالم.

وبينما أكدت العديد من الدراسات أن مرضى "كوفيد-19" أكثر عرضة للإصابة بالفطر الأسود، لم يحدد الباحثون ما إذا كان متحور "دلتا" يخلق عوامل خطر أكبر من السلالات الأخرى.

انتشار في جميع أنحاء العالم

ومرّت موجة "كوفيد-19" الثانية في الهند، ولكن هناك مخاوف من حدوث موجة ثالثة، وما قد يعنيه تفشي الفطر الأسود في الهند. والعدوى ليست معدية بين الناس، ولكن من الواضح أن البيئة مناسبة لانتشارها.

وحتى الآن، لم يبلغ أي بلد آخر عن ارتفاع حاد في حالات الفطر الأسود، حتى مع انتشار متحور "دلتا" في جميع أنحاء العالم. وعلى سبيل المثال، بحلول منتصف يونيو /حزيران، كان متحور "دلتا" يمثل نسبة 99% من حالات الإصابة بـ"كوفيد-19" في المملكة المتحدة، ولكن لم يتم الإبلاغ عن أي حالات من الإصابة بداء الفطار العفني.

نشر