السعودية.. إعادة بناء "مسورة العوامية" مادة للجدل سياسياً وطائفياً

السعودية..جدل حول إعادة بناء "مسورة العوامية"

الشرق الأوسط
آخر تحديث الأحد, 11 يونيو/حزيران 2017; 05:29 (GMT +0400).
0:50

مشروع ضخم لتأهيل حي المسورة في بلدة العوامية شرق السعودية

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- ما يزال التوتر يلف بلدة العوامية في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، والسبب يعود لمشروع ضخم في حي تاريخي بالبلدة هو "المسورة". المشروع الذي تقول السلطات إنه يهدف إلى تنمية الحي وأبنيته المتهالكة لم يمر دون اعتراض أصوات محلية وخارجية عليه، قائلة إن له طابعا سياسيا وأمنيا خاصة بعد الاضطرابات التي شهدتها البلدة ذات الغالبية الشيعية، والحديث عن "استغلال المسلحين لشبكة أزقة معقدة" داخله.

نبيه البراهيم هو أحد أبناء العوامية وعضو سابق في بلديتها، وهو أيضا المهندس الاستشاري المعني بالمشروع، وقد تحدث إلى CNN بالعربية حول المشروع وما يدور حوله قائلا: "لست الجهة المعنية المخولة بالرد، إذ أنا لا أعدو كوني المهندس الاستشاري،" ولكنه استطرد بأنه مستعد "من منطلق الموقف الوطني" لتوضيح الحقائق للجمهور وإزالة اللبس والشبهات المثارة التي قال إنها "تهدف للنيل من سمعة المملكة وهز مكانتها محليا وإقليميا وعالميا."

البراهيم يرفض الحديث عن "طابع طائفي الخاص بالمنطقة،" ويصف انتقاد المشروع على هذا الأساس بأنه "منطق يقلب الحقائق ويشوه المفاهيم لتحقيق أغراض سياسية مكشوفة لإحراج الدولة،" مضيفاً: "مثل هذا المشروع حدث ويحدث كل يوم حتى في أكثر البقاع قداسة في المناطق المحيطة بالحرمين الشريفين والمناطق الأكثر أهمية كمنطقة قصر الحكم في الرياض".

خلفية متوترة

العوامية كانت قد شهدت احتجاجات في مطلع أحداث ما عرف بـ"الربيع العربي" وبالتزامن مع تطورات مماثلة في البحرين، وتابعت وسائل الإعلام التطورات في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط في السعودية، والتي يتركز فيها سكن أتباع المذهب الشيعي في المملكة، وتخلل المظاهرات في فترات لاحقة أعمال عنف وصدامات مع قوات الأمن أسفرت عن سقوط قتلى، واعتقلت قوات الأمن السعودية رجل الدين الشيعي نمر النمر لتنفذ فيه حكما بالإعدام في وقت لاحق عاد وأثار احتجاجات في المنطقة.

المنطقة كانت تشهد بين الفينة والأخرى خلال السنوات الماضية عمليات إطلاق نار على رجال الأمن ومواجهات مسلحة. وعمليات الهدم في الحي بدأت في مطلع مايو/أيار، وشهدت وقوع إطلاق نار ومواجهات أدت في منتصف الشهر نفسه لمقتل رجل أمن سعودي بقذيفة صاروخية استهدفت عربته.

البراهيم، الذي كان عضوا في المجلس البلدي للعوامية بين عامي 2006 و2012، يرفض تلك الانتقادات جملة وتفصيلا، ويشرح خلفيات المشروع بالقول: "فكرة تطوير المناطق القديمة طرحت للدراسة قبل عشر سنوات تقريبا.. لم تكن الفكرة آنذاك إزالة هذه المناطق بالكامل وإنما خلخلة نسيجها العمراني المتلاصق بشوارع ومواقف للسيارات وبعض المرافق الخدمية لمعالجة الاكتظاظ واتاحة المجال للحركة الآلية ومد الخدمات التي تفتقر إليها الأحياء وصيانة ودعم البنى التحتية المتهالكة."

ويقول البراهيم إن الهدف من المشروع أساسا كان إعادة الحياة الاجتماعية والحركة الاقتصادية في هذه المناطق بشكل "يجمع بين أصالة المكان ومواكبة التحديث والمعاصرة." مضيفاً أن الخطط آنذاك لم تقتصر على المسورة فقط بل "معظم الأحياء القديمة كتاروت وصفوى والآوجام والتوبي والجارودية والخويلدية والحلة وأم الحمام" قبل أن تتبدل الاعتبارات لأسباب أمنية.

ويشرح البراهيم ما جرى خلال السنوات القليلة الماضية بالقول: "حدث استغلال سيّء لحي مسورة العوامية من قبل عصابات خارجة على النظام في أكثر من اتجاه واستولوا على كثير من العقارات القائمة التي هجرها أهلها للأحياء الجديدة وباتت المنطقة مأوى لتجمع عصابات استفادت من النسيج العمراني المعقد للحي الذي أصبح بأزقته الضيقة وأبنيته المتهالكة  أشبه ما تكون بمتاهة لا يعرفها إلا أهل الحي."

ولفت المهندس السعودي إلى أن هذه التطورات دفعت السلطات إلى "إزالة المنطقة بالكامل بعد نزع ملكيات العقارات فيها للصالح العام وتعويض أصحابها تعويضا مجزيا يساهم في تحسين واقعهم المعيشي والسكني وإقامة مشروع حضاري خدمي في الموقع يساهم في تطوير البلدة ويحقق أهداف خدمية واقتصادية واجتماعية وثقافية يستفيد منها المجتمع العوامي بالدرجة الأولى وجميع المواطنين في المنطقة على وجه العموم."

انتقادات من الداخل.. والخارج أيضا

الانتقادات الموجهة للمشروع لم تقتصر على الأصوات الداخلية أو على معارضين من المنطقة بل شملت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان التي أصدرت في 24 مايو/أيار بيانا عن لسان خبرائها طالبت فيه بـ"الوقف الفوري" لأعمال الهدم الجارية في الحي الذي يعود تاريخه إلى 400 سنة. وتحدث البيان عن مشاركة قوات عسكرية في عمليات الهدم وعن سقوط إصابات في صفوف المدنيين.

وبحسب المفوضية، فقد شهد الحي "إجلاء جبريا" للسكان، مشيرة إلى وضع "أشبه بالحصار" في الموقع، مع قطع للكهرباء عن المنازل لإرغام السكان على المغادرة رغم عدم وجود بدائل سكنية مناسبة" وفق تعبيرها.

لكن بحسب المعلومات التي وفرها البراهيم فإن كلفة التعويضات فاقت 200 مليون دولار، وقد دفع القسم الأكبر منها، أما كلفة تطوير المشروع فتصل إلى 133 مليون دولار، وتتولى التنفيذ أمانة المنطقة الشرقية ممثلة في بلدية محافظة القطيف. وعن ردة فعل الأهالي على المشروع قال البراهيم إن سكان المنطقة استقبلوا الأمر بشكل إيجابي وكانت الخطوة موضع ترحيب قبل أن تتحرك من قال إنها "القوى المستفيدة من الفوضى".

وأوضح البراهيم وجهة نظره بالقول: "حين بدأنا مشروع الرفع المساحي والعمراني للحي قبل ثلاث سنوات لم نلمس أي معارضة من قبل سكان الحي، بل على العكس تماما، كان المشروع موقع ترحيب منهم ما ساعد على إنجاز المهمة بستة أشهر فقط. الاعتراض جاء من الجهات المستفيدة من الوضع الفوضوي القائم التي لم تكتف بشن الحملات الإعلامية بل أرسلت تهديداتها ومارست أعمالا عدوانية ضدنا وصلت للهجوم على منزلي وتخريب الأملاك وحرق المكاتب والسيارات والاعتداء الجسدي على العاملين في المشروع ومع ذلك لم ينل من صبرنا وإصرارنا على الاستمرار ساعدنا في ذلك سكان الحي أنفسهم الذين تولوا حماية الفرق العاملة في الميدان حتى إكمال المشروع بنجاح.

محاولات مسلحة بمواجهة المشروع

وتحدث البراهيم عن سير المشروع على الأرض والاضطرابات الأمنية التي رافقته قائلا: "بدأت المرحلة الأولى للإزالة في الجزء الشمالي من الحي، والذي تم تعويض عقاراته بالكامل، إلا عملية الإزالة لم تتم بشكل كامل بسبب تعرض الآليات لهجوم مسلح قامت به العصابات المسلحة التي احتلت الجزء الداخلي من المسورة. طبعا جرى إجلاء جميع سكان المسورة حفاظا على سلامتهم تحسبًا من أي أعمال عدوانية كانت متوقع أن تحدث من منطلق تقليل الأضرار الجانبية في أوساط المواطنين حين تحدث المواجهات بين رجال الأمن والعصابات المسلحة.

ونفى البراهيم - الذي تعرض هو نفسه لمحاولة اختطاف تحولت لمحاولة اغتيال بإطلاق النار عليه في سيارته، ما أدى لإصابته بظهره وفخذه، إلى جانب تهديدات واعتداءات على منزل والديه المسنّين  - أن يكون لسكان الحي موقف مناهض للمشروع عند بدء تنفيذه قائلاً: "كان المفترض لعملية الإزالة أن تتم بسلاسة وهدوء لولا تدخل العصابات المسلحة التي بدأت بالهجوم المسلح على معدات الإزالة التي سبب سقوط بعض الضحايا أحدهما طفل وآخر من احد الجنسيات الآسيوية  وكذلك بعض والمصابين ولولا تدخل قوات الأمن لسقط عدد أكثر من الضحايا بطبيعة الحال."

ورفض البراهيم حديث معارضين للمشروع عن أهداف غير معلنة له ومرتبطة بالسياسة وليس بالتنمية وبأحداث أمنية شهدتها العوامية سابقا قائلا إن التنمية والأمن هما المحركان الأساسيان للاقتصاد ولا يستقيم النظام الاجتماعي والسياسي لأي بلد إلا بهما مضيفا: "الخلاصة أنه لا وطن بلا أمن، إذا كان هذا المقصود من عبارة الهدف السياسي للمشروع هو الهدف الأمني بمعناه الشامل الذي يستوعب تكامل العناصر التنموية والاقتصادية والاجتماعية الذي ذكرناها آنفا فهو كذلك بامتياز."

ونفى البراهيم وجود قبول لهذا المنطق بين سكان المنطقة قائلا إنه قد سبق أن شهدت المنطقة الشرقية من المملكة عموما وبلدة العوامية خاصة مشاريع نزع ملكية للصالح العام في السابق بينها مشروعان قائمان حاليا وتتابعهما وزارة النقل هما توسعة وتطوير شارع "القطيف العوامية صفوى" وشارع "عنك الجش" وسيلتزمان نزع مئات العقارات التي تحتاجها عملية التوسعة متسائلا: "لماذا لم يشر أحد إلى هذه المشاريع؟" وختم بالقول: "إذا فكرنا في ماهية التحالف بين ما تسمى المعارضة والعصابات الإرهابية المسلحة في مسورة العوامية تتضح كل الملابسات ونكشف كل الأمور" على حد تعبيره.