رأي.. السياحة في مصر.. ما لها وما عليها

نشر
8 دقائق قراءة
تقرير محمد محمود الإمام
سياح أثناء حصة تدريب على الرقص في منتجع على البحر الأحمر في شرم الشيخCredit: KHALED DESOUKI/AFP/Getty Images

هذا المقال بقلم محمد محمود الإمام، وهو ضمن مقالات ينشرها موقع CNN بالعربية بالتعاون مع صحيفة الشروق المصرية، كما أنه لا يعبر بالضرورة عن رأي شبكة CNN.

محتوى إعلاني

ترجع نشأة السياحة في مصر إلى ذيوع صيتها بأن لديها حوالي سدس مقتنيات العالم من الآثار التي خلفتها سلسلة من الحضارات، في مقدمتها إحدى أعرق الحضارات في العالم، تميزت ليس بغرابة عناصرها عما تشهده الإنسانية الآن، بل بكونها قامت على أسس علمية غاية في التقدم بالنسبة لعصرها، وبعضها ظل الفكر الإنساني عاجزا عن فك أسراره حتى الآن، فضلا عن أنه يتحدث عن قوم ربطوا بين الحياتين الدنيا والآخرة. وساهم في ترويجها ما تتمتع به مصر من جو متوسطي معتدل، وأن أهم مواقعها يشهد دفئا يجذب الرواد الذين يقطنون مناطق باردة، فجمع بين جاذبية المشاهد ومتعة الجو. وبحكم توطن الجزء الأكبر من تلك الآثار في مناطق تضعف فيها الأنشطة الاقتصادية حتى الأولية منها، فقد فتحت أبواب رزق لأهلها، وأكسبتهم معرفة بثقافات ولغات أقوام آخرين. وساعد تركز الجانب الأكبر في الجنوب من دولة تتركز غالبية الحياة فيها في وادٍ يمتد حول أحد أشهر أنهار العالم، على تعزيز سبل الانتقال بين الشمال الزاخر بالنشاط وبوفرة الآثار الإسلامية والجنوب الغني بالآثار الفرعونية، فضلا عن آثار قبطية، تثري السياحة التاريخية.

***

وكانت هناك حركة محدودة للسياحة الثقافية والعلمية لعب فيها الأزهر دورا هاما، وساهمت جامعة القاهرة بدور محدود فيها. كما جذبت السياحة العلاجية أعدادا محدودة من دول الجوار. ومع توالي استقلال الدول العربية وتوافر الأموال في مناطق تعاني من قسوة القيظ المصحوب بالرطوبة، بدأت السياحة الصيفية العربية التي تجمع بين الاستجمام والترفيه تجد في القاهرة مقصدا يرحب بها وتجد فيه ألفة تفوق ما تشعر بها في مزارات سياحية أجنبية. وشيئا فشيئا تحولت السياحة العربية إلى ما يمكن اعتباره "سياحة استيطانية" كان من أوائل ملامحها ثلاث عمارات بناها سعوديون في منطقة العجوزة، ويستأجرها سياح يدفعون إيجاراتها في الخارج، فحرمت الدولة المضيفة من مصدر هام للإيرادات بالعملة الأجنبية، فجرى تأميمها في الخمسينات. وحينما تعرضت مصر لضائقة مالية بعد 1967 ظهرت بجلاء الأبعاد السلبية للسياحة باعتبارها نوعا فريدا من الصادرات. ومع تنامي عناصر "ثورة التصحيح" أو بالأحرى ثورة الردة، أضيف أحد أخطر سلبيات السياحة المشوهة، وهو التردي الثقافي الذي كان أهم أسلحة الثورة المضادة لهدم أهم أركان ثورة يوليو.

ومن المعلوم أن أي اقتصاد مهما بلغت قدرته لا يستطيع أن يكتفي ذاتيا بامتلاك القدرة اللازمة ليس فقط لإنتاج كافة احتياجاته من متطلبات الاستهلاك النهائي، بل وأيضا من مستلزمات إنتاج تلك الاحتياجات، ومن السلع الرأسمالية اللازمة للاستثمار في توسيع طاقات الإنتاج. ولذلك يجري التوسع في إنتاج بعض هذه المنتجات عما يلزم لاستخدامه محليا، ويجري تصدير ما يفيض عن الاحتياج المحلي مقابل نقد أجنبي ينفق على استيراد ما لا يتم إنتاجه محليا. وقد حرص النظام الرأسمالي العالمي على دفع الدول النامية للتخصص في إنتاج الخامات الزراعية والمعدنية وتصدير ما يفيض عن احتياجاتها منها والحصول مقابل حصيلة التصدير على ما يلزمها من سلع مصنعة أو نصف مصنعة، سواء لأغراض الاستهلاك أو الإنتاج أو الاستثمار. وتعتبر السياحة خدمة تصديرية مشابهة للمنتجات الأولية، بحكم أنها تقوم على منشآت تاريخية أو طبيعية. إلا أن الفارق بين هذا النوع من الصادرات وتصدير السلع الأولية المنتجة محليا، هو أن من يستخدمها، لا يقيم في الخارج، بل يأتي ليقيم بصورة مؤقتة، ويشكل بذلك طلبا استهلاكيا إضافيا.

وهنا تكمن معضلة السياحة من الجانب الاقتصادي، بغض النظر عن الجانبين الثقافي والاجتماعي. فخلال فترة الإقامة يحتاج السائح إلى مسكن ومأكل وانتقال، فينافس بذلك المواطنين في احتياجاتهم المعيشية، فضلا عن أنه عادة يكون ميسورا فلا يتضرر إذا جرى التعامل معه بأسعار أعلى مما هو سائد، فيتضرر المواطنون من هذا الارتفاع. أذكر أنه بعد أيام من تسلمي حقيبة التخطيط في مارس 1976 أن شاركت في أعمال مؤتمر لجمعية الاقتصاد والإحصاء والتشريع بالتعقيب على دراسة قيمة للدكتورة محيا زيتون عن السياحة. وفي ذلك الوقت كنا نعاني من تبعات حربي الاستنزاف والعبور، ومن تداعيات انطلاق الانفتاح سداح مداح. وبينت أن ذلك الطلب الاستهلاكي الإضافي كان يمكن أن يكون مقبولا لو أن القطاعات المعرضة لزيادة الطلب على منتجاتها كانت بها طاقات إنتاجية معطلة، أو يسهل توسعها. ولكنها انصبت على أساسيات الحياة التي تحملها المصريون بصبر أملا في النصر، وتحملت الدولة أعباء متزايدة من الدعم، أدى المساس بها إلى انفجار انتفاضة 18 و19 يناير 1977. أذكر أن سائحا عربيا استوقفني سائلا عن إمكانية الحصول على بعض السكر بعد أن حفيت قدماه. وقام بعض الأفراد القاطنين في منازل صالحة لسكنى من ينشدون الراحة من السياح، بالتخلي عنها لتأجيرها شققا مفروشة.

***

وعندما انتعشت سياحة الشواطئ على البحر الأحمر توجهت الاستثمارات ومواد البناء إلى تشييد أبنية سياحية بينما ظلت قضية الإسكان وقوانين الإيجار المزعجة تؤرق المواطنين -- محمد محمود الإمام. واستغل سائقو التاكسي طلب السياح للانتقال فلاقى المواطنون عنتا في الحصول على خدماتهم، وإن حصلوا عليهم عوملوا خارج البنديرة. فضلا عن ذلك فإن الفنادق العالية المستوى كانت تستورد احتياجاتها من الأثاث والمأكولات المفضلة لدى السياح، وكل ذلك جعل حصيلة الإيرادات السياحية من النقد الأجنبي تتآكل، واتجاهات الاستثمار تنحرف عن أولويات الاقتصاد المحلي. وإذا كان السياح يدفعون رسوما لزيارة أماكن معينة ويستعينون بخدمات من نوع لا ينافس الطلب المحلي، ويشترون منتجات حرفية لا يهتم بها المواطن العادي، فإن سياحة الشواطئ، لاسيما المرجانية، لم تضف طلبا على أي من تلك الأشياء. وصحب ذلك اضطرار العاملين بهذه الأنواع من السياحة للابتعاد عن محال إقامتهم، وتعرضهم لاضطراب دخولهم بسبب موسمية السياحة.

***

دعاني مجلس أوروبا إلى مؤتمر في 1996 حول الشراكة الأورومتوسطية في بالما دي مايوركا وهي جزيرة شهيرة، فإذا مطارها به 84 بابا، ويزورها 12 مليون سائح تسعى لمضاعفتهم، يشكلون نسبة هامة من سياح إسبانيا الذين يبلغ عددهم سنويا ضعف سكانها الأصليين، وبها مدرسة للسياحة يدرس فيها طلاب من مختلف الجنسيات. وكنت أتابع أرقام البطالة في إسبانيا (عضو الاتحاد الأوروبي) فأجدها تفوق 20% بصورة مستمرة. وتعرضت لتراجع اقتصادي حاد مع دول أوروبية جنوبية أخرى. في سفري إلى الخارج إلى دول متقدمة في مهام رسمية أو علمية، كنت أختلس سويعات أمارس سياحة لأطلع على مزيج من التراث القديم والإبداع الحضاري الحديث، ونمط للحياة اليومية يفسر كيف أصبحت الديمقراطية تعبيرا عن واقع وليس لتقويم مجتمع مضطرب. إن السياحة ليست دافعا للنمو بل حصيلة لتنمية جديرة بالاعتبار -- محمد محمود الإمام.

ردوا الحصان إلى موقعه من العربة.

نشر
محتوى إعلاني