رأي.. بشار جرار يكتب لـ CNN عن تعامل الرئيس الأمريكي مع ملف خاشقجي

نشر
7 دقائق قراءة
Credit: NICHOLAS KAMM/AFP/Getty Images

هذا المقال بقلم بشار جرار، متحدث ومدرب غير متفرغ مع برنامج الدبلوماسية العامة - الخارجية الأميركية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

محتوى إعلاني

يتعامل مقاولو العقارات ضمن مشاريع إعادة الإعمار لدواع استثمارية بحتة مع آلات ثقيلة قديمة تعود لقرون خلت من ضمنها (بيندولوم باللاتينية) البندول - المطرقة أو الخطّار (بفتح الخاء) أو الرقّاص. قوام هذا الرقّاص – الذي اخترعه المصريّ "أبو الحسن الصدفي" قبل أكثر من ألف عام - هو نقطة التحكم المركزية التي يريدها البنّاء بحيث يحدد مسار ومدى حركة مطرقته. فيزيائيا كلما ثقلت المطرقة وابتعدت – يمينا ويسارا - عن الهدف اكتسبت مزيدا من القوة للطمها حتى يتصدّع سطح الارتطام، فيتشقق إلى أن يزداد الشرخ إلى حد تهاوي الجدار فانهيار الجزء المستهدف من المبنى القائم أو تسويته بالأرض كليا.

محتوى إعلاني

تجارب كثيرة مرت بها العلاقات بين الدول وحتى الأفراد، يسيء فيها طرف قراءة تراجع أو ابتعاد الطرف الآخر عن ردة الفعل، لا بل إن السكوت لا يعني في كثير من الأحيان السكون، فكثير من رسم السياسات وتصويبها لا يتم سوى بتلك الطريقة، البندول المطرقة.

إن إقرار الرياض بعد ثمانية عشر يوما من روايات الإنكار واتهام الآخر بإثارة الشائعات والتآمر، إقرارها بـ"موت" إثر شجار"، وأسفها لمصير "مواطن" سعودي بحجم الصحافي و"المعارض" جمال "بن" أحمد خاشقجي كما جاء في البيان السعودي في الساعات الأولى من نهار السبت، كل ما تقدّم زاد في نظر كثيرين – وعلى مختلف اتجاهاتهم الحزبية والسياسية المتباينة إلى حد النقيض – زاد من تعقيد المشكلة التي تواجه واشنطن، رئيسا وإدارة، ومؤسسات دولة لا إدارة فحسب.

فمنذ بداية الأزمة التي أدارتها أنقرة عبر التسريب المبرمج لوسائل الإعلام بالتزامن مع اتصالات مباشرة مع الدوائر الاستخبارية الأميركية، وجدت واشنطن نفسها في موقف أقل ما يقال فيه إنه يفرض المفاضلة بين أقل خيارات الرد سوء.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تصادفت الأزمة مع خطابات انتخابية جماهيرية تباهى فيها بما حققه من نجاح في السعودية، وجد نفسه أمام رأي عام ضاغط عالميا وأميركيا يدفع لما هو أبعد من الإدانة وأكثر إيلاما من العقوبات حيث ذهب البعض كعضوي مجلس الشيوخ الجمهوريين البارزين والمرشحين السابقين للرئاسة السناتور ماركو روبيو وليندزي غراهام، ذهبا إلى حد الدعوة إلى المطالبة بإعادة النظر في دور السعودية كحليف في الشرق الأوسط واستبدال ولي العهد الحالي كون "جميع الأدلة الظرفية" والقرائن تشير إلى "تورطه" وهو ما ذهبت إليه الدوائر الاستخبارية الأميركية أيضا.

ترامب كان قد وعد في مقابلة مع شبكة سي بي إس الأميركية التي كانت أولى المحطات الأميركية العالمية التي بشّرت بولي العهد محمد بن سلمان كرجل المرحلة الذي سينقل بلاده إلى الإصلاح والانفتاح، وعد بـ"إنزال أشد العقوبات" في حال ثبت قتل خاشقجي. لكنه وبعد إرسال وزير خارجيته مايك بومبيو مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق على عجل للقاء العاهل السعودي وولي عهده، قال إنه سيدرس كيفية تعامل الرياض مع الملف والإجراءات التي ستتخذها لمعاقبة "القتلة المارقين". ترامب وقبل الاستماع إلى تقرير مفصل من بومبيو اتخذ قرارين: التعهد بالتعاون مع الكونغرس في حال قراره فرض عقوبات وأمر ستيفين مانوتشين وزير الخزانة (المالية) بمقاطعة مؤتمر دافوس الصحراوي الذي يقوده محمد بن سلمان ضمن رؤية ٢٠٣٠ التي روج لها خلال زيارته الأخيرة قبل أشهر إلى أميركا.

إعادة هيكلة الاستخبارات برئاسة المشتبه به الرئيسي، سيناريو يحمل رسالة واحدة مفادها أن أكباشا قد تم تقديمها للمحرقة في عالم له قواعد اشتباك وإن كان مغلفا بطبقات من السرية والغموض. فالعمل الاستخباري يبقى في جوهره عملا عسكريا في انضباطه. الأوامر الشفوية لا تعفي من المسؤولية حتى لو كانت أوامر ملكية! لكن المعروف وليس فقط في السعودية، أن في المسائل بالغة الحساسية والخطورة، يعمد الصف الثاني من المسؤولين إلى حماية الصف الأول بإخفاء - مجاز مسبقا- وعلى نحو مفتوح بالقيام بما يتطلّبه العمل الاستخباري من مهام. فهل يستطيع ترامب وحتى الكونغرس قبول هذا المخرج؟ ماذا لو قرر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تسريب التعذيب والتقطيع بالصوت والصورة؟ أين جثمان الفقيد؟ هل تمت إذابته بالأسيد في غياهب الغابة التركية؟ هل سيقام عزاء للشهيد (كونه مات غيلة وتعذيبا لا كونه شهيد قلم ولسان فقط)؟ وإن كان جمال قد "مات خطأ" هل تجوز الجنازة بعد تجميع الجثمان دون دفع الدية؟ هل سيقدم الجناة إلى العدالة وفقا للشريعة كما تطبقها السعودية؟

الجواب الساطع الصادم أن كل هذا لن يتم السماح بتأثيره على صفقة سلاح قيمتها 110 مليارات دولار. ترامب أكد مقدما وصراحة أنه لن يسمح لأي اعتبارات بالمس بالصفقة أو العلاقة "الممتازة" التي تربط بلاده بالسعودية. اليمين المسيحي ممثلا بأيقونة الإعلام المسيحي اليميني المحافظ في أميركا القس بات روبرتسون أعلن تأييده لترامب في هذا القرار "الصعب". بهذا مرة أخرى، ستكون الكرة في ملعب كونغرس ما بعد السادس من الشهر المقبل. فإن تمكن ترامب من تعزيز أو الإبقاء على الأغلبية الجمهورية في مجلسي الشيوخ والنواب، سيتم تجاوز الأزمة كون خاشقجي لم يكن أول صحافي أو معارض عربي يتم إخفاؤه. فكلنا نذكر بألم مصير الكاتب اللبناني سليم اللوزي صاحب مجلة الحوادث ورسام الكاريكاتور السوري الكردي علي فرزات. النقطة المركزية في "بندول مطرقة ترامب" هي المصالح لا القيم. هذا هو عالم المقاولات - يا سادة يا كرام..

نشر
محتوى إعلاني