القصة الكاملة.. كيف تفاعل العرب شعبيا مع قضية جورج فلويد وما أسباب الصمت الرسمي؟

نشر
16 دقيقة قراءة
Credit: GettyImages

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- من نيوزيلندا وأستراليا مرورا بأوروبا ووصولا إلى كندا والبرازيل، شهدت العديد من دول العالم مظاهرات تضامن مع الاحتجاجات المشتعلة في الولايات المتحدة ضد العنصرية بعد موت جورج فلويد، لكن الشوارع العربية كانت هادئة، باستثناء الشارع التونسي ومواقع التواصل الاجتماعي.

صمت رسمي

محتوى إعلاني

في الوقت الذي ندد فيه زعماء دول غريبة حليفة للولايات المتحدة بالعنصرية وانتقدوا سياسات الرئيس دونالد ترامب في التعامل مع الاحتجاجات، مثل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ورئيس وزراء كندا جاستن ترودو، وحتى مع ظهور تعليقات وانتقادات أخرى من زعماء دول، متهمة بانتهاكات حقوق الإنسان، مثل الصين وإيران وتركيا ربما لأسباب مختلفة، كان الصمت هو السمة التي جمعت قادة الدول العربية تجاه الاحتجاجات التي تشهدها أمريكا وسياسات ترامب.

محتوى إعلاني

وقال أستاذ العلوم السياسية في الإمارات الدكتور عبدالخالق عبدالله، في تصريحات لـCNN بالعربية: "أعتقد في المقام الأول أنه شأن داخلي أمريكي، وبالتالي من الصعب أن تقوم الحكومات عربية كانت أو خارجية باتخاذ مواقف، حتى إن كانت مستاءة من هذا السلوك"، مضيفا: "لأن هذا شأن داخلي أمريكي، من الأفضل ألا تدلي الحكومات العربية والمسؤولون العرب بأي مواقف تجاه هذا الموضوع".

بينما رأى فواز جرجس، أستاذ سياسات الشرق الأوسط والعلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، أن "القيادات العربية تجنبت الدخول في هذا المعترك فيما يجري في الداخل الأمريكي، لأنها لا تريد إغضاب الرئيس الأمريكي، وخاصة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة إن كانت مصر أو قيادات الخليج أو حتى القيادات في الشمال الأفريقي".

وأضاف جرجس، في تصريحات لـCNN بالعربية، أن "عدم إدلاء القيادات العربية بدلوها في هذا الصدد هو في الحقيقة سبب سياسي، لتجنب الدخول في تحديات ومشاكل مع الرئيس الأمريكي، لأن هذه القيادات تعرف جيدا أن الرئيس الأمريكي لا يقبل بأي نقد حتى لو كان النقد ناعما".

لماذا علقت إيران وتركيا؟

وسط الصمت الرسمي من قادة الدول العربية، برزت تعليقات أخرى في منطقة الشرق الأوسط من الرئيس الإيراني حسن روحاني ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، تندد بعنف الشرطة الأمريكية واضطهاد الأمريكيين السود.

وقال فواز جرجس إن "القيادة الإيرانية تتخذ من المظاهرات الأمريكية ذريعة لنقد ومهاجمة سياسات دونالد ترامب". وعن التصريحات التركية التي جاءت أقل حدة من الإيرانية، قال جرجس إن "القيادة التركية تحاول السير على خط رفيع، ولا تريد اتخاذ موقف يؤدي إلى زعزعة العلاقات مع الولايات المتحدة"، مضيفا أن سياسات الرئيس التركي "لا تسمح له بأن يزايد على قضية الحريات لأن ما قام به في السنوات الأخيرة كانت سياسات سلطوية".

ووصف عبدالخالق عبدالله الرد الإيراني بأنه "مسخرة وغير جاد"، وقال إنه "استغلال سياسي مسيء ومهين، ولا يصدقه كائن من كان سوى قلة قليلة من المتعاطفين مع النظام الكهنوتي في إيران"، مضيفا أن النظام الإيراني "يمارس من العنف ضد شعبه ما لا يقارن بأمريكا أو أي مكان آخر على وجه الأرض".

ورأى عبدالله أن التعليق التركي "يأتي في نفس السياق من الاستغلال السياسي، ويأتي ربما للتغطية على جرائم أبشع في تركيا، خاصة أن تركيا هي أكبر سجن لأصحاب الرأي والصحفيين والسياسيين في العالم"، وقال: "من باب أولى أن من كان بيته من زجاج ألا يرمي بيت الآخرين، وقدر من التواضع مهم، لكن يبدو أن أردوغان وحكومته لا يتحلون بهذا التواضع".

غياب التحركات الميدانية العربية 

الصمت على المستوي الرسمي العربي تزامن أيضا مع غياب أي تحركات في شوارع الدول العربية، باستثناء وقفة احتجاجية نظمها تونسيون، السبت 6 يونيو/ حزيران، للتنديد بالعنصرية والتضامن مع احتجاجات جورج فلويد بالولايات المتحدة، بعد موجة من الاحتجاجات المماثلة التي شهدتها العديد من الدول حول العالم. ولكن أسباب الصمت الرسمي العربي قد تكون مختلفة عن أسباب غياب الاحتجاجات الشعبية الميدانية.

وحول تلك الأسباب، قال عبدالخالق عبدالله إن "العرب مشغولون بقضايا مهمة جدا ومصيرية، وكل الدول العربية بدءا من العراق ومرورا بمصر وانتقالا إلى ليبيا واليمن، لديها انشغالات ربما أكثر أهمية من أنها تفكر في التفاعل مع حدث مثل ما حدث لجورج فلويد".

وأضاف: "أعتقد أن هناك عذرا لهذه المنطقة أنها ربما لم تتفاعل كما تفاعلت عواصم ومدن أخرى"، وتابع بالقول إن مساحة الحرية المتاحة ربما في عواصم مثل مدريد أو لندن وباريس "غير متاحة للشعوب العربية لكي تعبر عن رأيها"، مؤكدا أن الكل متعاطف مع قضية جورج فلويد ومنتقد لكل هذه الممارسات العنصرية.

من جانبه، رأى فواز جرجس أن الشعوب العربية الآن "شعوب منهكة"، بالإضافة إلى تأثيرات جائحة فيروس كورونا المستجد. وقال إن "هناك تحديات وجودية تواجه المواطن العربي الآن، تحديات وجودية بالنسبة للحياة والمعيشة والتوظيف، وهذه التحديات تأخذ الحيز الأهم".

وأضاف جرجس أن "الأولوية الآن للمواطن العربي هي لقمة العيش ورغيف الخبز، والملايين من الشعوب العربية تتعاطف مع الشريحة السوداء في الولايات المتحدة ضد العنصرية، ولكن الأولوية لهذه الجموع الآن هي أولوية محلية داخلية للقمة العيش".

وتوقع جرجس أنه "عندما ينقشع غبار كورونا، فإن المظاهرات الأمريكية قد تلعب دورا في إعطاء زخم جديد للحراك الشعبي في المناطق العربية". وقال: "لا أستبعد أبدا أن نشهد جولة جديدة من المظاهرات والحراك الشعبي في العالم العربي، وأن تلهم المظاهرات الأمريكية الشباب العربي، خاصة أنها مظاهرات عن المساواة والعدالة والأمل والحرية، وكل هذه القضايا تعاني منها شرائح كبيرة في العالم العربي".

الاستثناء... تونس

وحول المظاهرة التي شهدت تونس تضامنا مع قضية جورج فلويد، قال جرجس إن تونس هي الدولة العربية الوحيدة التي شهدت تعاطفا شعبيا في الشوارع، لأن تونس "حالة متقدمة في النظام الإقليمي العربي من حيث الحالة الديمقراطية، وهذا لا يبدو غريبا أبدا، تونس حصل فيها تغيير جوهري نوعي وخاصة الانفتاح السياسي".

وأكد عبدالخالق عبدالله أن تونس "في هذا السياق التحولي نحو الديمقراطية متقدمة، ولا شك أن نقاباتها ومؤسسات المجتمع المدني لها حضورها، وليس من المستغرب أن نرى مظاهرة تعاطفا مع جورج فلويد". وقال إن "تونس معروفة أنها تأتي في الترتيب الأول عربيا على صعيد الديمقراطية والحرية، وهي متقدمة على بقية الدول العربية في السماح بالتظاهرات والتجمعات والاحتجاجات السلمية وحرية الصحافة".

جدير بالذكر أن لبنان شهد وقفة احتجاجية، السبت الماضي أيضا، رُفعت خلالها شعارات إدانة للعنصرية وتضامن مع جورج فلويد، لكن الوقفة الاحتجاجية كان دافعها الأساسي التظاهر ضد نظام الكفالة وسط أزمة عاملات المنازل الأجنبيات في لبنان.

السوشيال ميديا.. ميدان التعبير

فضاء مواقع التواصل الاجتماعي كان الأكثر حراكا للعالم العربي في قضية جورج فلويد والمتنفس المتاح للكثيرين للتعبير عن آرائهم، وكان هناك الكثير من التعليقات التي تندد بالعنصرية وتعبر عن التضامن مع قضية جورج فلويد، لكن اللافت كان "تطويع" البعض واستغلالهم قضية جورج فلويد لربطها بمواقف سياسية يهتمون بها، بالإضافة إلى تباين ردود الفعل على سياسات ترامب تجاه الاحتجاجات وتشبيهها بأحداث "الربيع العربي".

ومن المملكة العربية السعودية، قارن الباحث السعودي عبدالله العودة، نجل رجل الدين المعتقل سلمان العودة، بين رد الفعل على مقتل جورج فلويد والإعلامي السعودي جمال خاشقجي، مشيرا إلى تشابه آخر كلماتهما وهي "لا أستطيع التنفس". واعتبر العودة أن "الفارق كبير بين شعب ينتفض... وشعب آخر هو نفسه يختنق أيضاً ولا يستطيع أن يتنفس".

بينما انتقد الأمير السعودي عبدالرحمن بن مساعد "ازدواجية المعايير"، قائلا إن "الفوضى والعنف والتخريب يتم مجابهتها بمنتهى القسوة، حدث هذا في أوروبا ويحدث الآن في أمريكا لكنه إن حدث في ما يسمى بالعالم الثالث فستجد العالم الأول يطالب بضبط النفس مع المحتجين وإدانة استخدام العنف معهم حتى لو لجأوا للعنف!"، مضيفا: "عشنا وسمعنا العالم الأول يستخدم عبارة: عناصر مندسة!".

ورأت الإعلامية السعودية أن ما يحدث في الولايات المتحدة "ليس احتجاجات غضب بل تخريب وقطع طرق"، وقالت إن "عصرنا المتخلف عالميا ليس عصر ثورات الحرية والكرامة ومناهضة التطرّف والعنصرية بل عصر الحرامية واللصوص والناقمين على النظام والقانون والحضارة"، على حد تعبيرها.

ومن مصر، علق علاء مبارك نجل الرئيس المصري الراحل حسني مبارك، على مقطع فيديو حول احتجاجات فلويد بعنوان" أمريكا تثأر للرئيس مبارك"، قائلا: "سبحان الله قالوا من السجن إلى القبر فقدر الله وما شاء فعل، قالوا سحب النياشين قدر الله وما شاء فعل، جنازة وعزاء ضخم قبل انتشار كورونا والغلق بأيام قليلة قدر الله وما شاء فعل... مظاهرات وحرائق وقتل وإطفاء أنوار البيت الأبيض قدر الله وما شاء فعل، سبحان الله ولا شماتة".

بينما رأى نائب الرئيس المصري السابق الدكتور محمد البرادعي أنه "في الأنظمة الديمقراطية عادة ما تسفر التظاهرات السلمية، بالرغم من أي تجاوزات، إلى إصلاحات هيكلية واستجابة للمطالب الشعبية. في الأنظمة السلطوية عادة ما تسفر التظاهرات إلى صدام ينتهي بانهيار النظام برمته. الفارق هو بين نظام مرن ومتين يسمح بالتغيير ونظام هش وضعيف لا يسمح بالإصلاح".

واعتبر النائب البرلماني والإعلامي مصطفى بكري أن "أمريكا تدخل عصر الفوضى"، وقال: "يبدو أن مخطط الشرق الأوسط الجديد انتقل إلى أمريكا، حتى الآن لم أسمع لمنظمات حقوق الإنسان صوتا"، مضيفا: "ما رأي إخوان أمريكا في الأحداث الجارية، لا أسكت لكم صوتا، ولا خايفين ماما أمريكا تزعل منكم؟!"، وتابع بالقول: "لماذا لم نسمع صوتا لمنظمات حقوق الإنسان تدين ما جرى وما يجرى في أمريكا، أين البرادعي وأين الذين صدعوا رؤوسنا بأحاديثهم عن الانتهاكات والمطالبة بالمحاسبة، صمتوا وأصيبوا بالخرسان المبين، أليست تلك هي الازدواجية؟!".

ونشر رئيس تحرير صحيفة "المصريون" جمال سلطان مقطع فيديو للإعلامي المصري عمرو أديب، وصفه بـ"اعتراف نادر"، إذ ظهر أديب في الفيديو وهو يقول إن "الإعلام الأمريكي يفعل في ترامب ما كنا نفعله في مرسي: تريقة، تقليل من شأنه، هز صورته، البحث عن الثغرات في حياته".

ومن قطر، قال الإعلامي جابر الحرمي إن "بعض العرب يظهر في تويتر انصدامه من ترديد جورج فلويد قبل موته: لا أستطيع التنفس، وكأنه لأول مرة يسمعها بينما في الواقع الكثير من هؤلاء لا يستطيعون التنفس في أوطانهم، والبعض قطّعوا وهم يصرخون: لا أستطيع التنفس إني أختنق. شعوب بكاملها لا تتنفس الحرية".

وذكر في تغريدة أخرى أنه "عندما قُتِل جورج فلويد من قبل شرطي أمريكي لم تُشكّل الحكومة الأمريكية جيوشا من الذباب ولم يخرج المطبلجية للدفاع عن الحكومة وتبرير القتل وتلفيق أكاذيب عن تاريخ المقتول"، مضيفا: "لا أقصد بالطبع المقارنة مع ما يحدث في بعض الدول العربية التي تقتل شعوبها".

ومن اليمن، وجهت الناشطة توكل كرمان، الحائزة على جائزة نوبل للسلام تحية إلى المتظاهرين الأمريكيين، قائلة: "إلى الشعب الأمريكي العظيم وهو يكافح ويؤكد نضاله التاريخي الممتد ضد التمييز ويجعل العالم أكثر حرية وأماناً.. أنتم أحباب الله وطوبى لكم". وأضافت في تغريدة أخرى: "أنا مع الثورات، أمس واليوم وغدا، ليس في اليمن فقط وليس في الوطن العربي فحسب، أنا مع الربيع العالمي القادم لا محالة".

ومن سوريا، قارن الكاتب قتيبة ياسين بين موقف زوجة الشرطي الأمريكي المتهم بقتل جورج فلويد وموقف أسماء الأسد زوجة الرئيس بشار الأسد مما يحدث في سوريا، قائلا إن "الأولى طلبت منه الطلاق بعد فعلته، والثانية زوجة الدكتاتور السوري بشار الأسد الذي قتل (مليون فلويد سوري) وقد أعلنت دعمها له بعد فعلته".

إياد الحلاق.. "جورج فلويد الفلسطيني"

موجة أخرى من الجدل انطلقت إثر الإعلان عن مقتل فلسطيني أعزل مصاب بالتوحد برصاص الشرطة الإسرائيلية، وقارن العديد من المغردين بين اهتمام الإعلام الغربي والعربي بقضية جورج فلويد مقابل مقتل الفلسطيني إياد الحلاق، الذي وصفه معلقون بأنه "جورج فلويد الفلسطيني".

وتساءل الدكتور محمد البرادعي: "لماذا لا نرى تعاطفا مع الفلسطينيين كما نرى مع السود في أمريكا برغم أن التمييز ضدهم أشد قسوة: تخاذلنا كعرب في خدمة قضايانا خارج الشعارات؟ انفصالنا عن قضايا العالم أو تعاطفنا معها من منطلق ديني فقط؟ رؤية مغلوطة تربطنا بالإرهاب؟ ضعف الاهتمام الاعلامي العالمي؟ نفوذ اللوبي الإسرائيلي؟".

وقالت الإعلامية اللبنانية ديانا مقلد: "فتى فلسطيني مصاب بالتوحد قتله الأمن الاسرائيلي تماماً كما قتل شرطي أمريكي جورج فلويد الأسود. الضحايا يتشابهون تماماً كما يتماثل الجلادون والقتلة".

واعتبر الإعلامي الكويتي عماد العلي أن "جريمة قتل الشاب إياد الحلاق من قبل جنود الاحتلال لا تقل شناعة وبشاعة عن جريمة قتل جورج فلويد.. بل أبشع منها"، مضيفا: "الفرق للأسف في تعاطي الاعلام العربي والمغردين أصحاب الاحساس المرهف مع أي حدث في الغرب".

نشر
محتوى إعلاني