رأي.. بارعة الأحمر تكتب: بيروت مدمرة والسلطة تبحث عن كبش محرقة بين الركام

نشر
5 دقائق قراءة
Credit: AFP via Getty Images

هذا المقال بقلم بارعة الأحمر، صحافية وكاتبة سياسية لبنانية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأيها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

محتوى إعلاني

يتركّز جهد السلطات اللبنانية على تحديد المسؤولين عن التفجير المروع الذي دمر مرفأ بيروت مساء الثلاثاء الماضي، الرابع من آب/أغسطس، واجتاح المدينة متسببا بمئات القتلى وآلاف الجرحى وبخراب مخيف. مجلسُ الوزراء شكل لجنة للتحقيق وأعطاها مهلة أيام، لإنجاز تقرير يوضح الغموض الذي يلف الانفجار الضخم. وبسرعة، بدأ تصويب أصابع الاتهام نحو المتهمين.

محتوى إعلاني

الملفت كان سرعة الاتهامات، علما أن قسمًا كبيرًا من التحقيقات يجري بشكل افتراضي، إذ لا إعلان عن انتشار لفرق المحققين ولا لخبراء المتفجرات في ساحة الجريمة، مع أن الجيش اللبناني كان ضرب طوقًا أمنيًّا منذ اللّحظات الأولى، ومنعَ الناس من الدخول على نطاق واسع، وحتى أنّه منع بعض المسعفين وأهالي المفقودين.

أوّل الداخلين إلى "غراوند زيرو"، كانوا عناصر حزب الله، مستخدمين سيارات الإسعاف. رأيتهم بأمّ العين بعدما تمكّنتُ من تجاوز حواجز الجيش بفضل بطاقتي الصحفية واقتربتُ من الحريق قدر الامكان، إلّا أنني فشلتُ في تجاوز الحاجز الأخير المغلق في وجه الجميع.

وتتركز التحقيقات، حتى الساعة، على تقصي المعاملات الإدارية والمراسلات الرسمية، باعتبار أن التراخي والإهمال الوظيفي كانا السبب في تخزين مادة شديدة الانفجار في ميناء بيروت، ما أدّى إلى الانفجار المريع.

لكنّ لجنة التحقيق لم تأت على ذكر "أدلّة حسّية" جنائية استخرجها خبراء التحقيق الجنائي من محيط الانفجار، ولم تتحدث أي وسيلة إعلامية عن فريق من خبراء التحقيقات الجنائية أو خبراء المتفجرات يتحرّك على الأرض، لا في الساعات الأولى بعد التفجير أو في اليوم التالي وليس هناك أي إعلان أو إشارة واحدة من المصادر الرسمية، إلى أنّها تعمل على جمع هذه الأدلة الجنائية.

يؤكد الخبراء أنه لا يمكن لمادة "نترات الأمونيوم" أن تنفجر من دون صاعق أو من دون درجة حرارة مرتفعة جدًّا، مما يُلغي فرضية عمّال الصيانة الذين استعملوا النار لتلحيم بعض المواد قبل ساعة من الانفجار. لذا، يطرح المراقبون أسئلة كثيرة حول أسباب تغاضي التحقيق عن البحث عن "الصاعق" والتركيز على اتهام موظفين إداريين خالفوا القانون.

الشعب اللبناني المنكوب منذ أعوام والذي يعاني من انهيار اقتصادي غير مسبوق سببه الفساد السياسي، وجد في نظرية الإهمال ضالته، فاندفع وراءها، ومعه الإعلام، متفائلا بأن تؤدي إلى محاسبة المتنفّذين في الإدارة العامة، المعروفين بتورطهم في ملفات الفساد والرشوة، الذين يعجز القضاء عن محاسبتهم.

 إلّا أنّ هذا الانجراف نحو إيجاد "المجرم"، قد يتحول فخًّا، يتيح للسلطة فرصة تقديم كبش محرقة، عبر إنزال القصاص بمجموعة من الموظفين بعد التثبت من إهمالهم لمسؤولياتهم. فتتخلص السلطة من عبء البحث عن الحقيقة وكشف الجهة التي تقف فعليا وراء الكارثة. ويفلت من العقاب المجرم الحقيقي، الذي حول بيروت إلى هيروشيما ثانية.

يبدو التحقيق الجنائي افتراضيا، يدار من وراء المكاتب والشاشات، وتُوهم السلطة اللبنانيين من خلاله بحرصها على المحاسبة، عبر توقيف هذا الموظف أو ذاك. فهل يصبّ هذا التضليل في خانة عزم السلطة على تحييد المسؤوليّة عن حزب الله؟

السلطات تبحث عن كبش للمحرقة أما الضحية الفعلية فهي شعب على حافة اليأس وأمهات تدفنَ فلذات أكبادهن دونما ذنب أو سبب.

بيروت مدمرة، من جديد. وجهها المشوه وقلبها النازف يدمي قلوب العالم بأسره. أما حكام لبنان فلديهم حسابات أخرى، ولا تدخل حياة اللبنانيين ضمن مشروعهم السياسي، بالأمس سطوا على أموال الناس واليوم يقتلونهم.

إلا أن هذه الكارثة الإنسانية، يمكن أن تشكّل بداية النهاية لمسلسل الكوارث والجرائم في لبنان، إذا تمّ الكشف، بضغط دولي، عن السبب الحقيقي لانفجار بيروت الهيروشيمي، أو إذا استعادت الانتفاضة أنفاسها من تحت الركام وفرضت تغيير المنظومة الحاكمة والنظام.

وإلا، فهذه حلقة من مسلسل مستمرّ،  تزهق فيه أرواح اللبنانيين وتدمّر ممتلكاتهم ويدفعون إلى الهجرة، ثم تجد لجان التحقيق كبش محرقة "مناسب" ينتمي إلى الحلقة الأضعف، فتحمله الجريمة، ويبقى المجرمون الحقيقيون طليقون لتحقيق طموحاتهم السياسية.

 

 

نشر
محتوى إعلاني