وائل عباس يكتب لـCNN بالعربية: الدنيا من منظار قناص

نشر
5 دقائق قراءة
تقرير وائل عباس
Credit: MOHAMED EL-SHAHED/AFP/Getty Images

أكاد أعترف أنني مغرم بمنظار بندقيتي للقنص، ربما أكثر من زوجتي، بل ربما أكثر من ابني وابنتي، رغم أنني دائما أحمل صورهم في محفظتي. لا شيء في الدنيا أكثر إمتاعا من وضوح هدف بعيد في منظاري. كل شيء في الدنيا يكون أكثر وضوحا إذا كان في مرمى هدف عدستي. أحيانا أتمنى لو كان العالم كله عبارة عن ثقب مستدير مضيء يحتوي خطين متقاطعين أستطيع بسهولة أن أسلطهما على سن نملة الدبانة، أو على نقطة ليزر حمراء.

محتوى إعلاني

هذا الثقب المضيء هو كل ما أراه بعين واحدة من طرف منظاري المواجه لي، هو الحياد التام، وعدم التحيز المطلق، الراحة من عناء التفكير والفلسفة وحساب الأمور وعذاب الضمير، لا شيء على اليمين، لا شيء على اليسار، لا شيء بالأعلى لكن ربما هناك شيء بالأسفل يجب أن أحسب حسابه، فكل قناص يعرف أن المقذوف يتجه إلى الأسفل كلما بعد الهدف. السياسة؟ ما بالها السياسة؟ ليست مهنتي، فكما قلت أنا بحكم عملي لا أميل لليمين أو اليسار. الأخلاق؟ الدين؟ المثل العليا؟ الحق؟ العدل؟ الإله؟ لا شيء بالأعلى كما قلت سابقا، فقط أسفل منتصف الهدف. أسفل قليلا. أسفل أكثر. أسفل ما يمكن.

محتوى إعلاني

لم يرعبني شيء في حياتي من قبل أكثر من الكاميرا الجديدة التي اشترتها زوجتي -- وائل عباس العزيزة، فبها ثقب أضع عيني عليه يشبه ثقب منظاري، وعلى الطرف الآخر في بؤرة العدسة دائما ما أجد زوجتي وأطفالي هدفا، أفتح عليهم مصراع الكاميرا فتلتقط صورة تخلد الذكرى، لكن ليس للكاميرا رد الفعل اللذيذ الذي يدفع كتفي للخلف كالبندقية، ولا رائحة البارود، كم أتمنى لو اخترعوا عطرا برائحة البارود، ولا تقذف بالطلقة الفارغة إلى يساري لأسمع صوتها المحبب يرن في أذني عندما ترتطم بالأسفلت . كم أمقت هذا الجهاز البائس عديم الفائدة، الكاميرا، تركتها لزوجتي لتقوم هي بالتصوير، ففكرة أن أرى فلذات أكبادي في بؤرة عدستي ليست بالفكرة المريحة لمن يمتهن مهنتي. إذا كنتم تعرفون ما أقصد.

أتذكر تلك الصحفية الحمقاء التي أرادت أن تلتقط صورتي، لست بالشخص المشهور ولا محب الأضواء، بل إن صورتي في الصحف أو على الإنترنت قد تهدد مهنتي، قد أنال غضب رؤسائي وربما جزاء أو خصم أو تأخير لترقيتي، وأنا لا أستطيع أن أجازف بمستقبل أطفالي، فما ذنبهم، ليس لهم أحد في الدنيا سواي. والآن عزيزتي الصحفية إما أنا وإما أنت، لنر أي منا عدسته هي الأقوى، بانج!

أنا لست أنانيا، ليس كل ما أفكر فيه هو الترقيات والمكافآت ومصاريف مدارس أبنائي وأقساط السيارة والشاليه وهدايا عشيقتي المحبوبة، فأنا إنسان وطني يهمه مصلحة الوطن، وحريص على حمايته من الأعداء، إسرائيليون، فلسطينيون، إيرانيون، قطريون، أمريكان أو حتى من السودان، فمصر مطمع لمؤامرات كل هؤلاء، كم أتمنى أن أضعهم في بؤرة عدستي، لكن فلأصبر حتى تتاح لي الفرصة، ولأكتسب خبرة فيما هو متاح لي من أهداف، فهذا مصري بذقن، وهذا مصري بكوفية فلسطينية، وهذا مصري يحمل علماً أحمر به نجمة ومطرقة ومنجل، وهذا يرتدي "تيشرت" الأهلي أو الزمالك وقناع فانديتا، إنهم حتما يضمرون الشر للبلاد، كلهم خونة ذوو أجندات غير وطنية كما يقول رؤسائي، كلهم أهداف مشروعة لمنظاري -- وائل عباس

كم أفخر بنفسي عندما أصيب الهدف، في الجبهة بين الحاجبين هو مكاني المفضل، أحيانا أستاء حين ينفجر الرأس بشكل فوضوي، فلا أستطيع تحديد ثقب دخول الطلقة لأتباهى على زملائي وجنودي، فكم تطربني عبارة : جدع يا باشا ! حين أسمعها من أحد الجنود. لكن لا أخفيكم سرا، لانفجار الرأس طعم آخر، يذكرني بأيام التدريب، فالرؤوس تماما مثل البطيخ، إما حمراء وإما قرعة، فهناك بطيخة تنفجر وهناك بطيخة يحدث بها ثقب يتصاعد منه الدخان وينسكب منه العصير الأحمر، أما الرؤوس فدائما حمراء.

تعلمت في التدريب منذ زمن بعيد أن أي هدف هو مجرد بطيخة لا شيء آخر، فالبطيخة لا أب لها ليصاب بأزمة قلبية حزنا ولا أم لها لتولول عليها -- وائل عباس لا أصدقاء ليبحثوا عنها في المشرحة ويهتفون متوعدين بالانتقام والثورة، لا حبيبة لينفطر قلبها وهي ممسكة بيد حبيب لن يعود، ولا أبناء يتيتمون من بعدها وتفترسهم الدنيا. كم أحب البطيخ.

المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه، ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر CNN.

نشر
محتوى إعلاني