تونس وطيف "مستبد مستنير" من جبته طلع "دكتاتور صغير"

نشر
9 دقائق قراءة
getty images
getty images
getty images
getty images
getty images
getty images
getty images
7/114 سنة على رحيله.. طيف بورقيبة " المستبد المستنير" مازال يخيم على تونس

الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة أثناء اجتماعات إحدى القمم العربية وإلى جانبه الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر. وتراوحت العلاقات بينهما بين العداء والصداقة وشابها الكثير من الأخذ والرد بسبب اختلاف مقاربتيهما للتنمية والصراع العربي الإسرائيلي. لكن طيفيهما يخيمان حاليا على بلديهما الذين يعيشان تحت وطأة الربيع العربي

ملاحظة المحرر (أحيت شريحة واسعة من التونسيين الأحد، الذكرى الرابعة عشرة لرحيل باني تونس الحديثة الحبيب بورقيبة الذي أطاحه زين العابدين بن علي عام 1987. وتعيش تونس، وهي تشق عامها الرابع بعد ثورتها التي أطاحت بن علي، عللاى وقع عودة قوية لمثال "البورقيبية" ويجدون فيها "تونسيتهم" غير المستوردة. لكن آخرين ومن ضمنهم أوساط من حكّام اليوم مستبدا يتحمل أيضا مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع. لكن منتقديهم يردون عليهم بالقول إنّ حكام اليوم هم من أضاعوا ما أفنى بورقيبة حياته من أجله: بناء دولة وطنية حديثة ذات سيادة. والباحث الأكاديمي التونسي مختار الخلفاوي أرسل لنا بمقالة الرأي هذه التي كان قد كتبها منذ سنتين ويسلط فيها الضوء على ظاهرة عودة الافتتان ببورقيبة. والمقال يعبّر فقط عن وجهة نظره كاتبه ولا يعكس وجهة نظر CNN)

محتوى إعلاني

بقلم: مختار الخلفاوي- أكاديمي تونسي

محتوى إعلاني

تونس-- كان بورقيبة يردّد، في خطاباته شبه اليوميّة، أنّه سليل عائلة فقيرة، وأنّه، بسبب ذلك، تعوّد الأحذية المثقوبة التي لا تقي الأقدام من مياه الطريق وأتربتها وأوحالها. وعلى ما شهد به معاصروه، كان يحرص، حيثما وجد في تونس أو خارجها، على السير على الأقدام نحو ثلاثة أو أربعة كيلومترات يوميّا، تارة في الصباح وطورا في المساء. وكان يتعمّد السير على الطرق الترابيّة كثيرة الحصى. وأضحى، من الطبيعيّ، أن يُبْلي «سي الحبيب»، بهذه العادة الغريبة، حذاءه، باستمرار، ليذكّره بأيّام الطفولة والحرمان.

من بين الشهادات التي توقّفت عندها شهادة أزعم أنّها تعكس جانبا لا بأس به من جوانب تقييم الرجل والمرحلة: شهادة إسكافي الرئيس الذي يدعى منصور دقدوق ضمّها ملفّ عن بورقيبة والبورقيبيّة أعدّته مجلّة «جون أفريك» في الذكرى العاشرة لغيابه.

كان محلّ الإسكافي منصور دقدوق يقع في ممرّ يفتح على حومة الطرابلسيّة في مدينة المنستير، مقابل منزل عائلة بورقيبة. يتحدّث دقدوق عن تعلّق شديد يبديه الرئيس بحذائه. كان بورقيبة، حسب ما يرويه، يألف أحذيته ويرفض أن يستبدلها بغيرها، أو أن يصلحها إذا ما اهترأت. وفي أحيان، كان المرافق الشخصيّ لبورقيبة يطلب من «دقدوق» أن لا يغادر محلّه أثناء قيلولة الرئيس. لقد دأب على أن يأخذ حذاء الرئيس، أثناء نوم صاحبه ودون علمه، إلى الإسكافيّ ليقوم عليه بتصليحات وتحسينات ضروريّة. حين يستلم «دقدوق» الحذاء، يعجّل في عمله قبل أن يفيق الرئيس ليجد حذاءه مطمئنّا حيث وضعه.

ويَذْكُر دقدوق أنّ الرئيس لم يكن لتنطلي عليه تحسينات إسكافيّه، فيلتفت إلى مرافقيه قائلا، وهو يشير إلى قدميْه: فعلتموها مرّة أخرى؟

بالرغم ممّا قد يشوب مثل هذه المرويّات المتأخّرة من تضخيم أو تحويل، وبقطع النظر عن «تجريحها وتعديلها»، فإنّها قد تشتمل على عناصر أوّليّة لفهم ما يمكن أنْ يُسَمّى حالة الولع ببورقيبة (*)، وهي حالة مرصودة بين كثير من التونسيّين بمختلف أعمارهم، من عاصر منهم زمن بورقيبة ومن جاء في زمن خلفه. بلْ إنّ مناقشات بعض السياسيّين، بُعيد الثورة أيضا، كانت تتحدّث عن مرجعيّات لم تخرج عن زمن بورقيبة ( السادة أحمد المستيري، أحمد بن صالح، مصطفى الفيلالي ). وحين ألجأت الحاجة لرجل دولة يقود الحكومة الانتقاليّة، بعد فشل الحكومة المؤقّتة الأولى، كان زمن بورقيبة، في شخص السيّد الباجي قايد السبسي، مزيجا أُريد له أن يكون مركّبا من الولع والحاجة --مختار الخلفاوي-أكاديمي تونسي .

بعد أكثر من ربع قرن عن تنحية الزعيم بورقيبة عن السلطة، وبعد سنوات طويلة على تركه الحياة ما يزال هذا الرجل يثير من الجدل والمعارك والتباين في الآراء والتقييمات ما يثير، بين من يرقى به عبر التقريظ والمديح إلى درجات التقديس وبين من يحمّله مسؤوليّة غياب حياة ديمقراطيّة متطوّرة تليق بالإرث الحضاريّ والإصلاحيّ والتنويري في تونس الحديثة--مختار الخلفاوي-أكاديمي تونسي .

الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس الحبيب بورقيبة «باني تونس ومحرّر المرأة» – كما كُتب على ضريحه في روضة آل بورقيبة بمدينة المنستير مسقط رأسه – كان يجابه الدعوات التي تصله عن ضرورة التطوير في نظام الحكم والانفتاح على التعدّدية الفكريّة والسياسيّة – كان يجابهها بالإهمال وبقليل من الاكتراث. لم يكن يتصوّر أنّ تونس التي اقترنت باسمه قد تبقى من دونه، وأنّ شمس يوم جديد قد تطلع عليها في غيابه، لذلك لم يضع فرضيّة الغياب في الحسبان، ولم يكن يتعامل مع الدولة إلاّ كصنيعة يديْه، ومع الشعب إلاّ كشتيت من الأنفار وحّدهم هو، ولم يكن ينظر إلى السلطة إلاّ نظرة ألوف، يريد أن تبقى كما هي وكما يريدها هو تذكّره بسنوات المقاومة والنضال والمفاوضات قبل الاستقلال، وبسنوات بناء الدولة والتنمية أو ما يسمّيه بالجهاد الأكبر، بعده.

لقد آثر بورقيبة أن يستمرّ رئيسا مريضا مدى الحياة منذ 1974، ولم يفكّر في آليّة لانتقال السلطة تكفل استمراريّة لمشروعه التحديثيّ والتنويريّ الفريد في العالم العربيّ. وكانت السلطة التي مالت إلى البِلى والاهتراء بحاجة إلى إصلاحات وتحسينات، غير أنّ الزعيم العربيّ الوحيد الذي مارس الإصلاح الدينيّ تطبيقيّا، والوحيد الذي نقل أفكار المصلحين الكبار إلى أرض الواقع، ولعلّه، أيضا، الوحيد الذي كان يرقّع حذاءه وهو في سدّة الرئاسة – أدار ظهره لمثل هذه الحاجة واثقا أنّ التمكين لن يعوز أبا التونسيّين جميعا في الوصول بهم وببلادهم إلى «ركب الدول المتقدّمة»، كما كان يردّد، وأبدى، من أجل ذلك، تشبّثا بالسلطة للإيفاء بتلك الرسالة لا يدانيه إلاّ تشبّثه بأحذيته العتيقة الأليفة !

"المجاهد الأكبر" الذي ضاقت بأفكاره الجغرافيا والتاريخ، وشعر في مناسبات كثيرة أنّ مشروعه يفيض على حدود بلده - وإلاّ ما كان ليتداعى له، بالتكفير والردّة، أبو الحسن الندويّ من الهند، وابن باز من السعوديّة، والقرضاويّ والأزهر من مصر - تحوّل، مع الأيّام، إلى نموذج يمكن أن يسمّى، بكلّ اطمئنان، النموذج البورقيبيّ: ريادةً في بناء الدولة الحديثة على أسس مدنيّة لا دينيّة ولا عسكريّة ولا عشائريّة أو عائليّة، وجراءةً في الإصلاح الدينيّ والاجتماعيّ (حلّ الأحباس، إصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة، توحيد التعليم المدنيّ ومجّانيته، سياسة النسل، تعميم الصحّة...)

ومع ذلك، أو بالرغم منه، فليس من الممكن أن ننكر أنّ من جبّة هذا «المستبدّ المستنير» خرج، بالأمس، ذلك «الديكتاتور الصغير» بن عليّ، ويخرج، اليوم، رموز النظام السابق جاعلين من بورقيبة حصان طروادة يتسرّبون منه إلى المشهد السياسيّ من جديد. هذا يعني، أيضا، أنّ «النموذج» قد حمل في ذاته بذور فنائه، الأمر الذي يجعل من مشاريع استنساخه الحرفيّ ممتنعة، لا محالة، إلاّ إذا كانت على سبيل الاجتراح المعرفيّ والتاريخيّ للّحظة البورقيبيّة في رهاناتها وفي حدودها، أيضا.

مات بورقيبة، وخلّف أثرا وميراثا يُقرَآن على ضوء زمانه ومكانه. هذه حقيقة ينبغي أن يتذكّرها، دوما، من يستبطن- واعيا أو غير واع - نموذج بورقيبة، فيتزيّي بجلبابه، أو ينتعل حذاءه، أو يتقنّع بقناعه، ويريد أن يجعل من المشهد السياسيّ ما بعد الثورة مجرّد حفل تنكّريّ. قد تتفهّم تونس الحديثة الحاجة لمرحلة انتقاليّة يقودها الربابنة المحنّكون، ولكن على هؤلاء الربابنة، أيضا، أن لا ينسوا لحظة أنّ أحرار تونس لم يخوضوا معارك الكرامة والحرّية من أجل النفخ في رماد المواقد المطفأة، والنبش فيها عن أقباس نار خابية.

أجيالنا الجديدة نعت إلينا «اللّغة القديمة، والكتب القديمة، وكلامنا المثقوب كالأحذية القديمة». أجيالنا لم تعد ترضى بالصنميّة ولا بالأبويّة، ولا بالكاريزمات المنتهية الصلاحيّة. وهي، الآن، قانعة بأنّ زمن الزعامات الملهمة قد ولّى وأدبر، واعية بأنّ مستقبلها، لا يكمن في استحضار الأرواح، ولكنْ في السعي إلى مَأْسَسَة مشاريع راسخة ثابتة للدّمَقْرَطَة والتحديث والتقدّم--مختار الخلفاوي-أكاديمي تونسي .

نشر
محتوى إعلاني