الأزمة العراقية.. صراع في موطن الإسلام قد يغيّر الحدود

نشر
9 دقائق قراءة
Credit: MOHAMMED SAWAF/AFP/Getty Images)

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)- في يناير/ كانون الثاني 2004، أي بعد أقل من عام من إطاحة الرئيس العراقي الراحل، صدام حسين، كان مرقد "الإمام العسكري" مزاراً لمئات الآلاف من الشيعة الإيرانيين، الذين يفدون عليه فرادى وجماعات راجلين وعلى متن حافلات وسيارات وقوافل، حتى أنهم غيّروا من مشهد مدينة "سامراء"، التي لا تبعد عن العاصمة بغداد سوى 80 ميلاً.

محتوى إعلاني

كان ذلك رمزاً قوياً على النظام الجديد في العراق، وعلى انبثاق هلال شيعي كانت طلائعه قد بدأت في الظهور مع الثورة الإيرانية عام 1979، وظهور حزب الله اللبناني بداية ثمانينيات القرن الماضي.

محتوى إعلاني

وبهذا الشأن، كتب الخبير الإيراني الأمريكي في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، فالي نصر، إنّ "مئات الآلاف من الزوار الشيعة القادمين من دول تمتد من لبنان حتى باكستان، دخلوا النجف ومدناً عراقية مقدسة، مما أدى إلى شبكة واسعة متعددة الجنسيات من الندوات والمؤتمرات والمساجد والأئمة تربط العراق بكل التجمعات الشيعية وأبرزها إيران."

وحذّر نصر وقتها من تداعيات ذلك، لاسيما إذا تم التركيز فقط على تلبية مطالب الشيعة، دون الأخذ بعين الاعتبار الغضب السني، ليس في العراق وحده، وإنما في جميع أرجاء المنطقة.

لكن ما حدث هو العكس، حيث شكل المشهد الجديد تربة خصبة لولادة تنظيم "داعش"، ويقول رئيس مجموعة "أوراسيا" يان بيرمر: "على الأرجح، ستتغير الحدود مع تزايد سفك الدماء.. ربما ستستمر الحدود الحالية، لكن من المحتمل أيضاً أن تسبب في حرب دولية في المنطقة، وهذا هو الجزء الأخير من المحصلة التي تجعل من العراق أمراً مهماً جداً يان بيرمر."

ونجح تنظيم "داعش"، عبر حملة دعائية وحشية، وصفت مئات من قوات الأمن العراقية بكونهم "عبيد المالكي"، فيما "نحن جند الله" - وفق شريط فيديو - في إثارة الغضب، وبات من الواضح أنّ التنظيم مصمم على جلب حرب دينية إلى المنطقة، لاسيما بإعلانه سامراء هدفاً، وهي أيضاً مسقط رأس زعيم "داعش"، أبوبكر البغدادي.

وتأكيداً على أهميتها، زار رئيس الوزراء، نوري المالكي - وهو شيعي - المدينة الأسبوع الماضي، كما دعا أحد أكبر المرجعيات الشيعية، علي السيستاني، إلى ضرورة الدفاع عن المراقد والمزارات والرموز الشيعية، حيث "يتعين على المواطنين القادرين على حمل السلاح وقتال الإرهابيين، أن يتطوعوا وينضموا لقوات الأمن، لتحقيق هذا الهدف المقدس."

ويدل ذلك على أنّه كل يوم يمر على العراق، فإنّ الصوت الطائفي يعلو أكثر فأكثر.

وقال معهد "دراسة الحرب"، المهتم بالشأن العراقي منذ سنوات، إنّ "الشيعة أظهروا حتى الساعة عدم رغبتهم في الثأر، ولكن تهديد داعش لمزار العسكري، قد يوقف ضبط النفس، ويؤدي إلى هجمات انتقامية ضد السنة.. وتدمير أي ضريح ورمز شيعي سيؤدي إلى حرب أهلية طائفية بين السنة والشيعة، وعلى نطاق واسع قد يفوق مستويات عام 2006."

ومنذ قدم التاريخ وأحداث الفتنة الكبرى قبل قرون طويلة، رأى الشيعة في أنفسهم إما غالبية، أو أقلية مقموعة في عدة دول من ضمنها لبنان والبحرين والمملكة العربية السعودية وأجزاء من باكستان وأفغانستان والعراق.

وفي أعقاب حرب الخليج الأولى عام 1991، انتفض شيعة العراق في جنوب البلاد على نظام صدام حسين، الذي ردّ بقوة ونفّذ عبر حرسه الجمهوري عمليات إعدام جماعية وعمليات قمع واسعة.

وإثر ذلك باثنتي عشرة سنة، دقت ساعة الشيعة عندما رأوا في الغزو الأمريكي للعراق الذي حمل اسم "عملية حرية العراق"، نوعاً من التحرير، لهم لكنّ لاحقا تم تشكيل مؤسسات النظام الجديد عبر اتباع "خطوط طائفية"، مما أدى إلى شعور السنة بالتهديد.

وطيلة سنوات، ولاسيما في السنوات الثلاث الأخيرة، عمّقت سياسة نوري المالكي الهوة بين الشيعة والسنة، خاصةً مع انتفاض رجال العشائر السنية.

وقال عضو لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأمريكي، آدم شيف: "لقد شكّل المالكي حكومة من الشيعة للشيعة، ومن طرف الشيعة آدم شيف."

وشكّل اعتقال سياسي سني بارز أواخر العام الماضي في الرمادي، نقطة تحول فارقة في الأحداث، مما أدى لعمليات أمنية انتهت بسيطرة "داعش" على أجزاء واسعة من المحافظة، ولاسيما في الفلوجة، ورغم أنها أعلنت "الشريعة" أساساً لإدارة المنطقة، إلا أنّ "داعش" مازالت لا تركزّ في وحشيتها إلا على الشيعة.

عدو مشترك يقرب سوريا للعراق

وفي حركة ذكية استراتيجية، بدأت "داعش" في التسلل لشمال سوريا منذ بداية 2013، ضاربة بذلك بحجر واحد أكثر من عصفور، فقد كسبت عمقاً استراتيجياً سمح لها بإيجاد موطئ قدم لها في مناطق مثل الرقة، في الوقت الذي كان فيه تركيز بشار الأسد وقواته في مناطق أخرى بعيدة.

كما أنها نجحت في "تجذير صبغة طائفية" على النزاع في سوريا، باستقطابها مقاتلين أجانب قادرين على عبور الحدود مع تركيا بالمئات.

وشكّلت سيطرة التنظيم على أنحاء متحاذية في العراق وسوريا إنذاراً بمحو الحدود، التي تم تسطيرها للمنطقة أثناء الاستعمار، وكذلك برسم خطوط طائفية للأراضي.

لمواجهة هذا التهديد الخطير، يمكن ملاحظة علامات جديدة على تعاون جديد بين المالكي والأسد، لاسيما أنّ العمود الأساسي لنظام الأخير يستند إلى الأقلية العلوية الشيعية.

وفي وقت سابق الأحد، قال المرصد السوري لحقوق الإنسان إنّ سلاح الجو السوري بدأ في تنفيذ غارات على قواعد "داعش" في عدة أنحاء، من ضمنها الحسكة والرقة.

ولاشكّ أن النظام السوري تصرّف أيضاً لمصلحته الخاصة، لاسيما مع التقارير التي تؤكد أن "داعش" أدخل إلى سوريا معدات حربية وأسلحة ثقيلة، استولى عليها من القوات العراقية.

جعل إيران أقوى

كما أنّ المالكي يبدو معتمداً أكثر من أي وقت مضى على إيران، وقال مسؤولون أمريكيون إنّ قائد "فيلق القدس" الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، كان يوجد في العراق الأسبوع الماضي، وسط أنباء عن مشاركة الفيلق في القتال إلى جانب الجيش العراقي.

كما قال مسؤول رفيع المستوى لـCNN إن إيران أرسلت نحو 500 ألف من قوات الحرش الثوري إلى محافظة ديالى. ويقول معهد "دراسة الحرب" إن "الأمر الأكثر ترجيحاً الآن... أن تنشأ حكومة وحدة شيعية مرتبطة أكثر فأكثر بإيران، إذا تم إحباط الأزمة التي أحدثتها داعش."

كما وجدت إدارة أوباما نفسها وفجأة في نفس الجانب مع إيران، وهو ما عبّر عنه بوضوح تصريح من وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري، الذي قال إن بلاده لم تغلق الباب للتعاون مع طهران.

.. وخطر توريط دول الخليج

وبينما حذر وزير الخارجية السعودي، الأمير سعود الفيصل، من حرب أهلية في العراق، لا يمكن التكهن بانعكاساتها على المنطقة، مجدداً اتهام الحكومة العراقية ضمناً باعتماد "أسلوب طائفي"، وممارسة "الإقصاء"، فقد استدعت الخارجية الإماراتية سفيرها في بغداد للتشاور.

وكان مجلس الوزراء السعودي قد أعرب الاثنين، عن قلق المملكة البالغ لتطورات الأحداث في العراق، التي ما كانت لتقوم لولا السياسات الطائفية والإقصائية التي مورست في العراق خلال الأعوام الماضية، والتي هددت أمنه واستقراره وسيادته.

لكن المالكي ردّ قائلاً إن "العنف الذي يمسك بخناق البلاد، لن ينتهي عند حدود العراق، بل سيمتد إلى مناطق أخرى نوري المالكي."

وأضاف، في حديث تلفزيوني: "الذي حصل هو مؤامرة ومخطط إقليمي مشؤوم، عقدت له جلسات، وصرفت عليه أموال، ووضعت له مخططات، وصممت له حرب إعلامية هائلة، كما ترونها الآن.. تسمعون الإعلام السعودي والقطري وإعلام بعض الدول يتحدثون أن هؤلاء ثوار، وأن هذا الجيش طائفي، متناسين أنهم في بلد يعيش على أشد أنواع الطائفية والتهميش والإلغاء."

ومع تنامي العلامات على مزيد من الفوضى، هناك على ما يبدو أمر واحد ربما تتفق عليه جميع الأطراف، من بشار الأسد في سوريا، إلى أبوبكر البغدادي، وآية الله السيستاني.. وهو أنهم الآن جزء من معركة وجود في موطن الإسلام.

نشر
محتوى إعلاني