الحرب على داعش ومخاوف دمشق

نشر
6 دقائق قراءة
Credit: GETTY IMAGES

بفلم شحاتة غريب

محتوى إعلاني

(كاتب مقالة الرأي أستاذ مشارك في كلية الحقوق بجامعة البحرين وما يرد في المقال يعبّر حصرا عن وجهة نظره ولا يعكس رأي CNN)

محتوى إعلاني

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية جولة قوية في الأيام القليلة الماضية لشحن الطاقات الدولية المختلفة، وحشد الدول وراء تحالف دولي واحد للقضاء على داعش وبقية التنظيمات الإرهابية. وبالفعل عُقد في جدة في الأيام الماضية الاجتماع الموسع حول مكافحة الإرهاب بحضور الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا ومصر والعراق والأردن ولبنان وكافة دول الخليج العربية.

وقد قام وزير الخارجية الأمريكي جون كيري بجولة مكوكية في مختلف عواصم المنطقة ليتناقش مع القادة والزعماء حول أهداف التحالف الدولي لوضع استراتيجية للقضاء على الإرهاب بصفة عامة، والقضاء على تنظيم داعش بصفة خاصة، وقد نجح كيري في كسب تأييد العديد من الدول للمشاركة في التحالف الدولي للحرب على داعش، وبقية الحركات الإرهابية، ولم يخفق سوى في إقناع الإدارة التركية في المشاركة في التحالف، وهذا لا يرجع إلى عدم قدرة كيري على الإقناع، بل يرجع إلى غموض الموقف التركي، وأن قرار الإدارة التركية بعدم المشاركة في العمليات العسكرية ضد داعش قد تم اتخاذه مسبقا، وذلك ربما للحفاظ على مصالح أو مكاسب قد حققتها تركيا من استمرار وجود تنظيم داعش في المنطقة.

هذا وقد بدأت مخاوف النظام السوري من الحرب على داعش تظهر بجلاء، وخاصة بعدما أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أنه سيجيز شن ضربات جوية في سوريا، وفي العراق، بهدف محاربة داعش في البلدين، وملاحقة هذا التنظيم أينما كان، كما أعلن الرئيس الأمريكي أنه لن يتردد في إتخاذ أية إجراءات ضد داعش، وضرورة إضعاف هذا التنظيم تمهيدا للقضاء عليه.

وهذا الموقف المفاجئ من أوباما جعل المخاوف تزداد لدى النظام السوري، خاصة أنه أعلن من قبل شن هجمات جوية على نظام الأسد بعد تيقنه من استخدام الأسلحة الكيماوية التي أبادت العديد من أبناء الشعب السوري، ولكنه تحول عن موقفه، ولم يشن أية ضربات ضد النظام السوري. وتبدو مخاوف النظام السوري واقعية ومنطقية، لأن هذا النظام يدرك جيدا بأن الضربات الجوية لن تطول داعش فقط، بل قد تطول مواقع عسكرية للجيش السوري، مما قد يؤدي إلى إضعاف قوات النظام، وتحفيز المعارضة على الاستمرار في قتال نظام الأسد، وهم يرفعون رايات الأمل لاقترابهم من تحقيق النصر.

ولعل هذه المخاوف من قبل النظام السوري قد دفعته إلى الإعلان بأن أية ضربات جوية على الأراضي السورية دون إذن سوريا تمثل عدوانا على الأراضي السورية، كما أن هذه المخاوف قد دفعت كلا من إيران وروسيا إلى التوجه نحو عرقلة التحالف الدولي للحرب على داعش وكافة التنظيمات الإرهابية، فها هي إيران تعلن أن التحالف للحرب على داعش يعد تحالفا انتقائيا، ويصب فقط في صالح أمريكا، وها هي موسكو تعلن بأن شن ضربات جوية على داعش في العراق وسوريا دون تفويض من مجلس الأمن يعد عملا عدوانيا.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المواقف الإيرانية والروسية من الحرب على داعش تعتبر طبيعية ومنطقية، لأنه ليس من مصلحة إيران انهيار نظام الأسد، وخاصة أن سقوط هذا النظام قد يطول أيضا إسقاط حزب الله في لبنان، وحركة الحوثي في اليمن، وهنا تصبح إيران بلا أجنحة في المنطقة العربية تساعدها على الطير في أجوائها، لترمي استقرارها بما تشاء وكيفما تشاء.

كما أن من مصلحة روسيا الإبقاء على نظام الأسد، لما في ذلك من تثبيت لوجودها في المنطقة، وعدم ترك الأمر لأمريكا لتلعب بالأقليم كيفما تشاء، ولذلك قد نتوقع عند عرض الأمر على مجلس الأمن للحصول على التفويض بشن ضربات جوية في سوريا والعراق ضد داعش، قد تعترض روسيا، أو على الأقل قد تضع قيوداً لا تسمح بالمساس بالنظام السوري من بعيد أو قريب. وهنا تعلو المصلحة على مبادئ وقيم الحق والعدل والإنصاف، فالحق والعدل يتمثلان في القضاء على داعش الذي يتلذذ بانتهاك الحقوق والحريات، والذي ارتكب العديد من الجرائم ضد الإنسانية التي جردت أعضائه من كل معاني الإنسانية قبل أن تذبح أي إنسان آخر.

لكن لا تبدو للأسف الصورة هكذا بالنسبة لبعض الدول، فلا يهم هذه الدول ذبح الإنسان، أو تدمير المكان، لكن كل ما يهمها هو تحقيق المكاسب مهما كانت أعداد الضحايا، ومهما كانت عمليات القمع والإرهاب. وإذا كانت بعض الدول لا يهمها الحرب على داعش لما في ذلك من تأثير على مصالحها، أو أن هذه الحرب لا تهما حرصا على عدم إثارة أية مخاوف للنظام السوري، فإنه ينبغي على هذه الدول أن تدرك أن الحق هو المنتصر، وأن الظلم هو المنهزم، وأن إعلاء راية الحق ستكون أمراً حتمياً، سواء أُعلنت الحرب على داعش، أو حتى بدون إعلانها، وإن كانت هذه الحرب تعد خطوة مهمة لتحقيق قيم الحق والعدل والإنصاف-- شحاتة غريب أستاذ مشارك في جامعة البحرين .

نشر
محتوى إعلاني