رأي حول خطاب السيسي في الأمم المتحدة.. هذا الرجل يليق بنا

نشر
9 دقائق قراءة
تقرير أحمد عبد ربه
الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في الجمعية العامة للأمم المتحدةCredit: DON EMMERT/AFP/Getty Images

هذا المقال بقلم أحمد عبد ربه، وهو ضمن مقالات ينشرها موقع CNN بالعربية بالتعاون مع صحيفة الشروق المصرية، كما أنه لا يعبر بالضرورة عن رأي شبكة CNN.

محتوى إعلاني

فور أن أنهى الرئيس المصري كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وهتف ثلاث مرات "تحيا مصر" فإن عاصفة من المشاعر الجياشة فاضت بين الكثيرين من أبناء الشعب المصري في الداخل والخارج معبرة عن سعادة غامرة "باستعادة الدولة" التي أصبح لها أخيرا "رجل يليق بها"! في أوساط كثيرة محيطة بي أستطيع أن أقول أن هذه المشاعر المؤيدة للرئيس والسعيدة باستعادة الدولة كانت مشاعر حقيقة وليست مصطنعة وأنها كانت تبحث بالفعل عن هذه اللحظة "الأممية" التي يتم الاحتفاء فيها باستعادة الشرعية الدولية لترتيبات ٣ يوليو. عبر كثيرون من أصدقائي ومعارفي عن سعادة مفرطة بخطبة رئيس الجمهورية ومنهم من يحمل رؤية نقدية للنظام وتصرفاته لكنه فضل الاحتفاء في هذه اللحظة وهو يشاهد العالم كله يعترف بمصر ونظامها الجديد، وكان الجميع تقريبا يردد نفس الكلام عن السعادة لاستعادة الدولة ومكانتها الدولية ناسبين الفضل إلى هذا الرجل الذي يليق بنا وبها.

محتوى إعلاني

***

لاشك أن كلمات الرئيس في خطابه الأممي الأول والذي تخطى الربع ساعة بقليل كانت منمقة ومختارة بعناية ولا شك لدي أن قلم جديد دخل على صياغة خطابات الرئيس فأضفى عليها رونقا خاصا جعل للخطاب ثقله وقدرته على مخاطبة الرأي العام العالمي، بالغ الرجل قليلا فى بعض التعبيرات الجسدية مبالغة أفسدت جملة الخطاب وقد تُسوق داخليا لكنها بكل تأكيد لن تستهلك دوليا، لكني تجاوزت عن كل هذا لأضع أمامي ثلاث أسئلة براجماتية، الأول: لماذا يشعر المصريون بهذا الحنين الشديد إلى الدولة وإلى فكرة القائد الزعيم الأب -- أحمد عبد ربه؟ وثانيا: لماذا وبعد كل هذه السنوات والتغيرات السياسية صعودا وهبوطا مازلنا ندور حول تقديس الزعماء والبحث عن رجل يليق بوطننا -- أحمد عبد ربه؟، وثالثا: ماذا قال السيسي تحديدا في الخطاب ليثير كل هذه المشاعر الجياشة المحتفية بالخطاب -- أحمد عبد ربه؟

أولا: فكرة الدولة قديمة قدم الأزل عند المصريين وأصبح من الموروث الثقافي لديهم أنه لا كرامة أو أمن أو حتى حياة دون هذه الدولة، فى تقديري الدولة التى يصبو إليها المصريون ليست مصر الملكية التي بناها محمد علي، ولكنها مصر الناصرية التي يحكمها زعيم وطني بطل ينضم إلى دول عدم الانحياز ويعادي أمريكا والمشروع الصهيوني، مصر التي تعلم وتوظف وتوفر الخدمات والدعم والأمن وتبني المشروعات القومية وتؤمم الثروات القومية وتدعم الطبقات المتوسطة وتعيد توزيع الأراضي وتقيم نهضة صناعية كبرى وترعى الأسرة والأم والطالب والمعلم وتقود وحدة عربية كبرى من المحيط إلى الخليج وتقود صناعة السينما والفن عربيا وإقليميا. دولة مهد السادات لتغيير معطياتها، ثم أتى مبارك ليعبث بها حتى قامت ثورة أشعرت قطاعا واسعا من المصريين أن دولتهم على عيوبها أفضل من عدمها، ولأن رجلا متواضع الإمكانيات ربما لا يصلح لعضوية مجلس محلي بالتعيين أصبح رئيسها فإن الشعور بضياع الدولة تزايد وجعل العديد من أبناء الشعب يتطلع إلى الرجل القوي القادر على استعادة زمام الأمور.

هنا معضلة كبيرة، فلا الظروف هي الظروف ولا الرجل هو الرجل ولا المؤسسة هي المؤسسة ولا البيئة الإقليمية والدولية هي نفسها تلك القائمة فى عهد عبد الناصر، من يستطيع أن يعد مصر إلى عصر الحزب الواحد؟ من يستطيع تحمل الدعم والتعليم والصحة والتوظيف والرعاية الاجتماعية؟ من هذا الرجل الذي يستطيع تفكيك ثروات رجال الأعمال والسيطرة عليها لتحقيق فائض يخدم الشعب؟ من هذا الرجل الذي يستطيع أن يعيد مصر بكل التغيرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية أكثر من خمسين سنة إلى الوراء؟ من هذا الرجل الذي يستطيع إعادة عصر القطبية الثنائية والقومية العربية؟ لو بعث الله رسولا من جديد ما استطاع أن يعيد استنساخ التاريخ، أما وقد انقطع الوحي على النزول فهل يفعلها بشر؟

ثانيا: مازال قطاعا كبيرا من المصريين (يستوي في ذلك بالمناسبة الإسلاميون والعلمانيون) يتوق إلى فكرة البطل والزعيم لعدم الرغبة فى بذل جهد للحفاظ على التعددية والمؤسسية لتحل محل الشللية والعلاقات الشخصية، يركن قطاع من الناس إلى فكرة الخنوع والذل طالما حافظوا على أكل العيش، عبر تاريخ طويل من الاستعمار والصراعات فقدت الشخصية المصرية الثقة بالنفس وأصبح البحث عن "رجل" ملهم أو مبعوث إلهي أو مختار من السماء هو منتهى الأمل، سيطرة الدروشة الدينية والسياسية جعلت قطاعا من المصريين يركن إلى فكرة استنساخ الأبطال والقادة دون بذل الجهد للإجابه عن الأسئلة المنطقية الموجعة عن كيفية استعادة الأبطال في عهد أصبح يعترف بالعمل الجماعي التعددي وليس العزف المنفرد.

ثالثا: ماذا قال الرئيس في خطابه الأممي؟ ما قاله الرجل هو تحديدا الخطاب الذي نردده منذ معارضة مرسي ثم عزله، دولة ديمقراطية مدنية حديثة تحترم التعددية وحقوق الإنسان ولا تحجر على الأراء أو تكممها أو ترهبها، ما قاله هو دولة تخطط للأمام وهي تحترم ثوراتها التي رويت بدماء أبنائها وشبابها، هي دولة وسطية بها السجون للتهذيب والإصلاح لا لتصفية الحسابات والتنكيل بالمعارضين والمختلفين، دولة تحترم الدستور والقانون وتجعل من سيادة الشعب مصدرا لكل السلطات. ألم يكن هذا ما قاله الرجل؟ دعك من السؤال الملح عما اذا كان هذا هو ما يحدث على أرض الواقع وتحرك معي إلى السؤال الأكثر إلحاحا ماذا لو أصبحت مصر داخليا وإقليميا مثلما قال الرئيس في خطبته؟ الإجابة بسيطة، ستصبح دولة مدنية حديثة  تحترم نفسها قبل أن تستجدي اعتراف واحترام الأخرين -- أحمد عبد ربه، ستصبح مصر دولة تعددية ليس بها رجل واحد يقود المشهد ويقف استقرار دولة بها ٩٠ مليونا على سلامته، ولكن دولة بها أحزاب ونقابات وطبقات تتنافس على مصادر القوة والسلطة والثروة وفقا لقواعد لعبة ديمقراطية عادلة تحترم القانون ومن قبله الدستور.

لم يعد في الدول الحديثة مساحة للحديث عن الزعماء المقدسين أصحاب الدعم السماوي والإلهام الإلهي، لكن هناك منابر للتنافس السياسي، هناك أحزاب تتداول السلطة -- أحمد عبد ربه، ثم هناك أيضا برلمانات تراقب الحكومات وتشرع نيابة عن الشعب،  ثم يأتي موظف أعلى مسئول أمام الشعب وخاضع للدستور وجهاز قضائي مستقل يحكم بالعدل بين كل هؤلاء.

***

حديث الرئيس جاء موفقا إلى حد بعيد، وبمجرد أن خطى نحو منصة الجمعية العامة حتى ومن قبل أن يتكلم كلمة واحدة فقد حاز نظامه على الشرعية الدولية مكتملة لا ريب، لكن هذه الأخيرة هي شرعية الأمر الواقع وقد حصل عليها من قبل مبارك ومرسي وخسرها كليهما بمجرد تغير المعطيات الداخلية، وهنا بيت القصيد، لن تنجو مصر من إرهاب أو انهيارت أو تحديات لأن هناك رجلا يليق بها أو تليق هي به، ولكن لأن هناك نظاما سياسيا يليق بها وبشعبها وبحضارتها -- أحمد عبد ربه، نظاما سياسيا ملامحه هي تحديدا تلك التي تحدث عنها الرئيس، هذا النظام هو وحده القادر على إعادة لملمة مشاكل مصر وأوجاعها وانقسامتها، هو وحده القادر على دعم نظام شرعيتة الداخلية لا تقل عن تلك التي حصل عليها دوليا فالشرعية الداخلية هي الأبقى والأجدى.

الاجتماعات الأممية تشهد صعودا وهبوطا للدول، وتظل عدسات الكاميرات وعناق الزعماء ومآدب الغداء مجرد لقطات للذكرى، أما الداخل فهو وحده القادر على دعم شرعية النظام الحاكم واستمراره في السلطة والحكم، وهذا الداخل لا يجب أن يراهن على شخص ولكن على نظام يرعى الدولة ومصالحها ويحميها من الانهيار، يتعامل مع الواقع المعاصر بواقعية ويسعى لإيجاد إجابات علمية ومنطقية لتحدياته بدلا من النبش في التاريخ وإيهام الناس بإعادة إنتاج الأبطال القوميين. فمتى تتحول مصر من مرحلة البحث عن الرجل الذي يليق بها إلى البحث عن النظام الذي يليق بها وبشعبها؟ يبقي هذا هو السؤال.

نشر
محتوى إعلاني