رأي.. هل وصلنا لهذا المستوى العالي من الرفاهية في مصر لنناقش "تنمية الضمير"؟

نشر
10 دقائق قراءة
تقرير أحمد عبد ربه
فلاح مصري يدخن النرجيلة مع أصدقائه في قرية شما في محافظة دلتا النيلCredit: MOHAMED EL-SHAHED/AFP/Getty Images

هذا المقال بقلم أحمد عبد ربه، وهو ضمن مقالات ينشرها موقع CNN بالعربية بالتعاون مع صحيفة الشروق المصرية، والآراء الواردة أدناه لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة CNN.

محتوى إعلاني

أتذكر ذلك الصيف البعيد فى منتصف التسعينات، كنا فى طريق العودة بسيارات مصر للسياحة الزرقاء المميزة من مصيف مدينة "رأس البر" إلى القاهرة وكان وقت صلاة الجمعة، فقرر السائق اعطائنا راحة للصلاة في الطريق، وصادف أننا كنا أمام قرية صغيرة تابعة لمحافظة المنوفية، جامع صغير للغاية ملئ بالمصلين من أهل القرية ومن الضيوف العائدين من المصيف، افترش كثيرون الطريق أمام المسجد المزدحم، كنت ضمن هؤلاء، دخل الخطيب، رجل مسن ويبدو من هيئته وطريقة كلامه أنه لم يحظى بقدر كاف من التعليم، أو ربما كانت هى طريقته لجذب أهل القرية البسطاء، لا أعلم. ما يقرب من ساعة ونصف يخطب الرجل فى أهل القرية عن الخمر وخطورته وكيف أنه أول الطريق للزنا والقتل والكفر! قصص كثيرة وأحاديث أكثر عن كون الخمر حرام، وحث للناس ألا يقربوه، ثم دعاء معتاد على غير المسلمين أجمعين. نظرت على جانب الطريق حيث تتوقف السيارة السياحية وقد تبقت بها اسرة مسيحية في انتظار انتهاء المسلمون من الصلاة وشعرت بالخزى من نفسي وهم يسمعون إمام المسجد يدعو عليهم جهارا نهارا بلا ذنب محدد اقترفوه، ثم نظرت إلى الجانب الآخر فوجدت بيوتا قروية متهالكة وحارات ضيقة غير معبدة، وفى نهاية الطريق "طرنش" لسحب المجاري من البيوت حيث لا تتمتع البيوت بنظام للصرف الصحى! وتساءلت مع نفسي رغم أنني لم أكن قد أتممت الخامسة عشر بعد وقتها هل يستحق الأمر أن تُحدث أهل قرية على هذا القدر من البؤس لمدة ساعة ونصف عن الخمر؟ من أين سيأتون أصلا بالخمر وهم لا يجدون ماءً نظيفا ولا صرفا آدميا لفضلاتهم؟

محتوى إعلاني

لكن حينما نظرت إلى وجوه المصلين من أهل القرية البسطاء فقد وجدت عليها الرضا التام والحماس الشديد وخصوصا فى فقرة الدعاء على غير المسلمين قاطبة بلا تمييز أو سبب واضح، ثم لم يفوت الخطيب قطعا الفرصة ليرسل رسالة أخرى واضحة تقول أن الأمم قد اجتمعت على الإسلام والمسلمين ومن هنا فعلى المسلم اليقظة الدائمة من تصرفات أعداء الدين، وقطعًا ايضًا لم يذكر لماذا؟ أو كيف؟ فقط كلاما مرسلا لإبقاء الناس فى أوضاع دفاعية بائسة، ثم انتهى الأمر.

***

استدعيت من الذاكرة تلك القصة وأنا أطالع الأخبار التى زفت لنا بعض من تفاصيل اجتماع جرى مؤخرا بين رئيس الجمهورية  وأعضاء "مجلس علماء وخبراء مصر" حيث انتهى الاجتماع باقتراحات (لم نفهم من أي جانب) بانشاء "منظومة للأخلاق" و "لجنة لتنمية الضمير"،  حقا؟! بكل الظروف التى نمر بها على مستويات اقتصادية وسياسية واجتماعية بل وحتى انسانية فإن اجتماعات بهذا المستوى بين رأس الدولة وبعض علمائها وخبرائها تناقش كيفية دعم الاخلاق وتنمية الضمير؟ -- أحمد عبد ربه ماذا عن الصحة والتعليم والبيئة والبنية التحتية؟ ماذا عن انتهاكات حقوق البشر بشكل شبه يومى وعلي يد أطراف حكومية (دولاتية) متعددة؟ هل وصلنا إلى هذا المستوى العالى من الرفاهية لدرجة أننا قررنا "تنمية الضمير"؟ وكيف سننميه إذا؟ بأي آليات وبأي وسائل؟ وماعلاقة الدولة أصلا بالأخلاق والضمير؟

استدعيت تلك الخطبة العصماء وأنا أطالع الخبر المؤسف المتكرر والذى راحت ضحيته فتاة غيرت دينها من الإسلام إلى المسيحية وتزوجت جارها المسيحي فى إحدى قرى محافظة الفيوم بعد الهروب من القرية قطعا لتنجب طفلا فى الأسكندرية ثم تتعرض للقتل على يد أفراد أسرتها فى بربرية وحشية وبسكوت من الدولة والمجتمع على السواء، ثم تتعرض أسرة الزوج المسيحي بالكامل للتهجير القسرى من القرية وهذه المرة وسط مباركة من نفس الدولة ومن نفس المجتمع لدرجة أن مقال الاستاذ بلال فضل عن الحادثة فى جريدة العربى الجديد (جريمة عنصرية فى الغرب المنافق) والذى قام بنشره الكترونيا على موقع التواصل الاجتماعى "الفيس بوك" قد تعرض للحذف بعد أن تطوع مئات المتدينين المؤمنين الورعين بإبلاغ إدارة الموقع عن أن محتوي المقال "غير لائق" لمجرد أنه انتقد الحادثة البشعة، ثم تجد من يحدثنا عن الأخلاق والضمير وتنميتهم بواسطة الدولة!! تأملت بعد أن قمت بإثارة نفس الموضوع على صفحتى بردود فعل بعض الأصدقاء الإسلاميين وبعض هؤلاء المؤيدين للدولة والنظام وهم فى حالة اجماع نادر على أن الفتاة قد حصلت على ما تستحق وأن هذا هو الشرع، أو أن ظروف البلد لا تحتمل اثارة القلائل فى هذا التوقيت! اجماع نادر ومريض فى الوقت نفسه.

استدعيت خطبة شيخنا فى القرية المعدمة عن خطورة الخمر وخطورة المؤامرات على الإسلام وأنا أتابع ذلك الفنان وهذا الطبيب النفسي ذائع الصيت وهذا الأكاديمي البائس وهم يعلنون لجماهيرهم ومتابعيهم وقرائهم أن أزمة مصر هى أزمة ضمير وأخلاق! هكذا ببساطة، وليست مثلا أزمة إفقار متعمد ولا أزمة فساد ولا أزمة تآكل وتهافت أداء الجهاز الإدارى للدولة ولا أزمة انتهاكات متكررة لحقوق الشعب، ولا أزمة صحة وتعليم، لا، هى أزمة أخلاق وضمير وعلى الشعب أن ينام كل يوم شاعرا بالذنب لأنه ليس ورعا وتقيا بما فيه الكفاية.

تذكرت يوم الجمعة هذا وأنا أرى فى مصر كيف تحول "الحجاب" فى بعض الأحوال من رمز ديني هوياتى إلى وسيلة للقهر الاجتماعى والثقافى. كيف يرد المجتمع على الفتاة أو السيدة التى تقرر بمحض إرادتها أن تخلع الحجاب بحملة تشويه وترغيب وترهيب مخيفة وكأنها ارتكبت خطيئة بحق الكون! لا مانع عند المجتمع أن تتعرض الفتيات للتحرش أو للظلم الاجتماعي والثقافي الذي يصل إلى حد حرمانها من الميراث أو إيذائها جسديا أو حتى قتلها بدعوى الشرف أو الشرع  كما حدث فى حالة فتاة الفيوم! المهم أن هناك قطعة قماش تغطى شعرها، ما هذا البؤس والنفاق؟

***

تذكرت كل ذلك وأنا أتساءل كيف لمصر أن تتقدم أو حتى تستقر وبها كل هذا الظلم والبؤس والنفاق وانتهاك حقوق البشر؟ -- أحمد عبد ربه كيف يجتمع الاضداد فى مصر على استخدام الدين والأخلاق والضمير كأدوات سلطوية لكسر إرادة البشر وتحويلهم إلى مجاميع منتهكة وصامتة بل وراضية فى الوقت ذاته بهذه الأحوال البائسة.

لا شأن للسلطة بالدين والأخلاق والضمير، هذه ليست منتجات مادية مطلوب من الدولة إمداد الشعب بها، هذه معطيات ثقافية واجتماعية تغيرت وتتغير وستتغير عبر التاريخ نتيجة لتفاعل مع ظروف مادية ومعنوية متعددة، كل شخص حر طالما لم يخالف القانون أو يعتدى على حقوق الآخرين، كل شخص مستقل عليه تحديد مفاهيمه الخاصة عن الدين والأخلاق والضمير بإرداته الحرة وليس بإرادة السلطويات البائسة التى لا تخجل من فشلها المتتالى على كل الأصعدة ثم تعلن تنمية الضمير والأخلاق وحماية الدين! -- أحمد عبد ربه على الدولة حماية المواطن والالتزام بالدستور والقانون فى علاقتها معه والبعد عن دينه وأخلاقه وضميره ببساطة! كما أنه لا شأن لهذه النخب البائسة المطنطنة بحديث الأخلاق والضمير وبحياة الناس الخاصة، وعليهم بدلا من ذلك دفع السلطة لإصلاح تلك الأوضاع المتدهورة على مؤشرات اقتصادية وسياسية واجتماعية، وإن لم يقدروا فليحملوا السلطة مسئوليتها  اذا أو ليسكتوا.

كثير من الإسلاميين فى حالة تناقض ذاتى رهيب بين تصوراتهم عن قيم مثل العدل والأخلاق وحقوق الإنسان وبين تصرفاتهم وانحيازاتهم الفعلية، فالعدل هو عدلهم هم، والأخلاق هى أخلاقهم هم، وحقوق الإنسان هى حقوقهم هم، وهذا في حد ذاته مأزق أخلاقي وحضاري عميق لا أعرف إن كانوا بالفعل على علم بخطورته! أما عن مدعيي الحداثة والتمدن والليبرالية، فحدث ولا حرج، فباستثناءات محدودة للغاية فهم ايضا يعانون من نفس المأزق، فالسلطة التى يعولون عليها ويراهنون عليها للقيام بعملية تحديثية واسعة وفى سبيل ذلك تخلوا عن كثير من قيمهم ورشدهم تقودهم لحالة رجعية غير مسبوقة فى عهد الجمهورية على الأقل، فهل يدركوا هم أيضا هذا المأزق أم يواصلون حالة الغيبوبة التى دخلوا فيها منذ عامين؟

دعوا الأخلاق والضمير والدين لمساحات الناس الخاصة، ولتحيا مصر بالدستور والقانون والحقوق والحريات، دولة لكل المصريين بلا تمييز.

نشر
محتوى إعلاني