أحمد عبد ربه يكتب: حرروا الناس قبل أن تسألوهم الإيمان

نشر
9 دقائق قراءة
تقرير أحمد عبد ربه
رجال يحضرون صلاة الجمعة الأسبوعية في مسجد الأزهر في العاصمة المصرية القاهرةCredit: KHALED DESOUKI/AFP/Getty Images

هذا المقال بقلم أحمد عبد ربه، وهو ضمن مقالات ينشرها موقع CNN بالعربية بالتعاون مع صحيفة الشروق المصرية، كما أنه لا يعبر بالضرورة عن رأي شبكة CNN .

محتوى إعلاني

ضمن ما غيرته الثورات العربية، هو جرأة وعلنية الأطروحات التي حاولت أن تشتبك مع التراث الدينى الإسلامى، وقد سببت تلك الأطروحات المتفاوتة في جديتها وعمقها جدلا شديدا ومازالت في المجتمعات العربية، كما أنه تم مواجهتها من قبل السلطة بعقوبات تراوحت في شدتها ولكنها عرّضت أصحاب الأطروحات للسجن أو الحبس كما أنها جلبت لهم اللعنات وعدم التعاطف المجتمعى في معظم الأحيان.

محتوى إعلاني

لا الأطروحات المتحدية للتراث الديني جديدة ولا ردود فعل السلطة والمجتمع جديدة هي الأخرى، ولكن الجديد في السنوات الأخيرة أن مسألة تحدي التراث أو التشكك فيه قد اتسع نطاقها بعد الثورة بشكل واضح، وبحسب رأيي فإن ذلك كان أحد التحولات الثقافية للثورة كون أن الأخيرة لم تطرح فقط  فكرة تحدي السلطة السياسية، ولكنها طرحت فكرة تحدي السلطة بشكل عام، كل سلطة وأى سلطة! فضلا عن ذلك فإن موقف المؤسسات الدينية تحديدا الذي تقلب كثيرا بتقلب السلطة السياسية، فضلا عن فشل تيارات الإسلام السياسي التي وصلت إلى السلطة بعد الثورة قد هز صورة مسلمات كثيرة أمام أتباعها وخاصة من الشباب، فاذا أضفنا إلى كل ذلك انتشار وسائل التواصل وقلة تكلفتها أمنيا وماديا، فإننا نستطيع أن نفهم بوضوح لماذا انتشرت هذه الأطروحات لتتخطى النخبة وتصل إلى الأجيال الأصغر بسرعة أكبر، ومن هنا فإن حبس أحد المشاهير نسبيا ممن عرض أطروحات متحدية للتراث، لن يستطيع أن يمنع آخرين أقل شهرة من إعادة الطرح -- أحمد عبد ربه، بل إن عقوبة هؤلاء ستزيد من التعاطف مع الأطروحات المتحدية للتراث باعتبارها أطروحات للتمرد على السلطة قبل أي شيء.

في نقاش قريب بعد الحكم بحبس أحد أصحاب هذه الأطروحات، وبعد إعلانى أن صاحب الطرح قد يكون بالفعل قشري ولكني متضامن معه ضد أي عقوبة بسبب فكره، رد علي أحد الزملاء بالقول أن صاحب الأطروحة لابد أن يعاقب لأن نشر مثل هذه الأفكار في مجتمعات ينتشر بها الجهل وتدني مستويات التعليم مثل مجتمعنا قد يزعزع "إيمان" الناس البسيطة ممن لا يملكون عقلا نقديا قادرا على تفنيد حجج أصحاب مثل هذه الأطروحات المتحدية! طرح عندي هذا الرد من الزميل العزيز استدعاء سؤال منطقي مبني علي نفس حجته، يقول السؤال ببساطة، إذا كنا نخشى على البسطاء من مثل هذه الأطروحات المتحدية، فلماذا كنا مطمئنين منذ البداية "لإيمانهم" ؟ اذا كان البسيط أو بعبارة الزميل "الجاهل" يخشى من تزعزع ‘يمانه بهذه البساطة فما هي حقيقة إيمانه أصلا منذ البداية وهو على هذه الحالة من الجهل؟.

***

الحقيقة أن هذا الموضوع يطرح قضية أكثر تعقيدا متعلقة بالتفرقة بين حالة "الإيمان" كوراثة أو عرف اجتماعى، وبين الإيمان كعقيدة ثابتة مبنية على اقتناع تام وبالتالي غير قابلة للتحول بهذه البساطة لأطروحة هنا أو هناك، ولكنها قادرة على الاشتباك والنقاش والتفنيد والنقد. الحقيقة أن الإيمان كوراثة أو كعرف لضمان الدمج داخل الجماعات المجتمعية المختلفة يعد هو النمط الأبرز في منطقتنا العربية، والحقيقة في مناطق أخرى كثيرة غير عربية، بحيث أن الإيمان يورث دون مراجعات عقلانية حقيقية، ويتحول بالتدريج في حياة الناس إلى طقوس مقدسة خالية من المضامين، أو إلى وسائل للحماية من اللفظ المجتمعى بل والترقي في سلم المجتمع غير الحر الذي يطلب من أعضاءه أولا إظهار الولاء والبراء لقيمه العليا المؤسِسَة إلى درجة أنه يفرض عليهم مفردات لغوية سحرية للدمج، مثل الرد علي التليفون أو استبدال "تصبحون على خير" بالسلام عليكم، أو كثرة استخدام "جزاك الله خيرا" و "جزانا وإياكم" بديلا من شكرا /عفوا.

صحيح أن تنميط هذه المفردات اللغوية ليس مقتصراً على جمهور المتدينين، فجمهور المرتقين اجتماعيا، أو المتطلعون إلى هذا الترقي، أيضا استبدلوا بشكل رسمي "شكرا"، باللفظة الفرنسية "ميرسي"، وهنا لعلماء اللغويات والاجتماع السياسي باعا طويلا في التحليل، لكن المهم أن الإيمان بهذا المنطق القائم على الإرث لا يتم في إطار حرية حقيقية. ليس فيه خيارا حرا رشيدا حتى تكون فيه عودة حرة رشدة أو تمسك حر عقلاني أيضا. إذا كنت قد ولدت لأسرة مسلمة أو مسيحية (مثلا)، فالجميع، وليس الله، يطلب منك أن تظل كذلك طيلة حياتك دون اعطائك دقيقة واحدة فقط للشك -- أحمد عبد ربه، بل أنك إذا ما تجرأت وسألت عما يجول في نفسك من منطلق إيماني بحت، فإنك في العادة تواجه بإجابات بعيدة عن سؤالك، هذا اذا كنت محظوظا حقا، أما ان لم تكن كذلك فستكون الاجابة التقليدية التي تطالبك بعدم الجدل وعدم السؤال والإقرار بالطاعة لأنك مؤمن وموحد.

أما إذا كان إيمانك من منطلق اقتناع تام، فإن نظرتك لإيمانك هذا ستتخطى مرحلة الطقوس والأعراف إلى مرحلة العمل والتغير الحقيقي المدفوع بدوره بإيمانك الحقيقي وليس المصطنع! ولكن كيف نحصل على هذا الإيمان الحقيقي؟ لابد أن نحرر الناس. أن نجعلهم آمنين فى شكهم حتى يكونوا مخلصين في إيمانهم أيا كان هذا الإيمان، لكن كيف ندعى أن المؤمن غير الحر هو مؤمن حقا؟

المؤمن غير الحر هو المؤمن الذي لا يستطيع أن يجاهر بشكه أمام أحد، لأنه لو فعل لتلقى نظرات الشك والريبة ومورست عليه ضغوطات اجتماعية كفيلة بقلب حياته إلى جحيم، أما قطعا لو قرر تغيير هذا الإيمان لتعرض لحملات اللفظ والكراهية المجتمعية فضلا قطعا عن احتمالية تعرضه للأذى من قبل السلطة، ومن هنا تتحول المجتمعات غير الحرة إلى مجتمعات من مدعي التدين ومدعي الأخلاق، تكثر صلواتهم ولكن يقل انتاجهم ويكثر فسادهم، يزداد حديثهم عن الأخلاق والصح والخطأ والحلال والحرام، ولكنهم يخرسون عن الظلم وانتهاك حقوق البشر إن لم يتحولوا إلى مؤيدين له -- أحمد عبد ربه. تزداد دور عبادتهم ويتدهور حال مستشفياتهم ومدارسهم ومواصلاتهم العامة.

المطلوب إذا أن نخاطب أصحاب الأطروحات المتشككة أو غير المؤمنة ليس من باب "الاستتابة" لأن الأخيرة تحمل علاقات قوة غير متكافئة، فضلا عن أنها ذات طابع تهديدي واضح، ولكن من باب الحوار والنقاش الآمن. آمن لأنه لا يشترط نتيجة معينة للسلامة. فمن شاء آمن ومن شاء كفر، أليس هذا هو موقف الدين بالأساس؟.

***

أعيد قراءة الكتاب الأشهر لمصطفي محمود "حوار مع صديقي الملحد"، لأكتشف إنه في الواقع "حوار مع صديقي المؤمن الذي تساوره نفسه بالإلحاد"! أي أن مصطفي محمود رحمة الله عليه لم يخاطب الملحدين بقدر ما كان يخاطب المؤمنين الذين يساورهم الشك، مع العلم إن ترك مساحة حرية حقيقية لهؤلاء قد يجدد إيمانهم ويجعله أقوى وأصدق، ولكن لنفترض أن تلك الحرية قد قادتهم لإيمان مختلف أو حتى لعدم الإيمان على الإطلاق، أليس ذلك حرية! أليس ذلك أفضل من الادعاء خوفا أو رهبة من عقاب هنا أو عقوبة هناك؟

لن تستقيم الأمور في مجتمعاتنا إلى أن يتحرر البشر قبل أن يؤمنوا، قبل أن نعلم أن لحظة الشك هي نفسها لحظة الإيمان، أي إيمان وكل إيمان، لأن لحظة الشك هي نفسها لحظة الحرية، لحظة العقلانية، فيكون بعدها إيماننا حقا أو ببساطة لا يكون. فحرروا الناس قبل أن تسألوهم الإيمان.

نشر
محتوى إعلاني