عمرو حمزاوي يكتب: مع الفيلسوفة حنا أرندت.. من يسأل عن الظلم في مصر؟

نشر
10 دقائق قراءة
تقرير عمرو حمزاوي
مئات الصحفيين أمام مقر نقابة الصحفيين في القاهرة يدعون لإقالة وزير الداخلية بعد مداهمة غير مسبوقة من قبل الشرطة لاعتقال صحفيينCredit: MOHAMED EL-SHAHED/AFP/Getty Images

هذا المقال بقلم عمرو حمزاوي، وهو ضمن مقالات ينشرها موقع CNN بالعربية بالتعاون مع صحيفة الشروق المصرية، كما أنه لا يعبر بالضرورة عن رأي شبكة CNN.

محتوى إعلاني

هما سؤالان مترابطان؛ هل يتحمل أصحاب السلطة والنفوذ بمفردهم المسؤولية الأخلاقية والقانونية والسياسية عن المظالم المتراكمة وانتهاكات حقوق الإنسان والحريات واسعة النطاق؟ هل يرتب التورط في إنزال المظالم والانتهاكات بالناس إن عبر آليات "تنفيذ الأوامر" الصادرة من أصحاب السلطة والنفوذ أو عبر أدوات تبريرها مسؤولية المنفذين والمبررين، ويلزم بمحاسبتهم حال تمكن المجتمع المعني من صناعة إطار للعدالة الانتقالية يرفع الظلم ويجبر الضرر عن الضحايا؟

محتوى إعلاني

بصياغات بديلة وبالنظر إلى الأوضاع الراهنة في مصر، هل تقتصر المسؤولية عن المظالم والانتهاكات غير المسبوقة على رأس السلطة التنفيذية الذي يزج بالبلاد إلى هاوية استبدادية صريحة، وعلى أعوانه المباشرين في المؤسسات النظامية والأمنية والرسمية الذين يتولون "إصدار الأوامر" تارة لتعقب البعض وأخرى لسلب حرية البعض وثالثة لإهدار كرامة البعض تعذيبا ومعاملة غير إنسانية ورابعة لانتهاك حقهم المقدس في الحياة قتلا خارج القانون؟

أم هل تمتد خطوط المسؤولية الأخلاقية والقانونية والسياسية إلى موظفي العموم في تلك المؤسسات الذين يضطلعون "بتنفيذ أوامر" إنزال المظالم والانتهاكات بالناس كروتين عمل يومي يتضمن التورط في سلب الحرية والإلقاء وراء الأسوار والتعذيب والتصفية الجسدية؟

بل هل تمتد خطوط المسؤولية أيضا إلى "أصحاب المساحات" في الفضاء العام الذين يتخصصون في "تبرير الأوامر" إن بإنكار اشتمالها على مظالم وانتهاكات، أو بالربط الزائف بين المظالم والانتهاكات وبين ضرورات وطنية حقيقية في بعض الأحيان (حماية الأمن القومي والحرب على الإرهاب) ومختلقة في أحيان أخرى (مواجهة مؤامرات هدم الدولة والحروب السيبرانية وحروب الجيل الرابع وغيرها من الأوهام الرائجة اليوم)، أو باعتبار المظالم والانتهاكات مقدمة "للإنقاذ والخلاص الوطنيين" ولحماية البلاد من المتربصين بها من أعداء الداخل والخارج؟

هل سيتعين على مجتمعنا ما أن ينفض عنه السلطوية الحاكمة ويتخلص من إدارة الجنرالات محاسبة عناصر المؤسسات النظامية والأمنية والرسمية الذين ينفذون اليوم أوامر سلب حرية "أطفال شوارع" ومالك عدلي وعمرو بدر ومحمود السقا وغيرهم، وأيضا مساءلة الإعلاميين والشخصيات العامة ومالكي وسائل الإعلام الذين يبررون أوامر الظلم اليوم كما برروها في الماضي حين أوقعت الكثير من الضحايا من هشام جعفر إلى عمرو علي وطاهر مختار؟

***

على اختلاف أوضاع الفاشية الأوروبية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين التي مثلت السياق التاريخي والمجتمعي لأفكارها وكتاباتها عن أوضاع السلطوية المصرية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تدلنا الفيلسوفة حنا أرندت (١٩٠٦-١٩٧٥) على بعض المداخل الممكنة لتناول قضية المسؤولية الأخلاقية والقانونية والسياسية عن المظالم وانتهاكات الحقوق والحريات. على خلفية جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها النازيون وغيرهم من الفاشيين الأوروبيين، سجلت أرندت أن المسؤولية يتحملها بجانب أصحاب السلطة والنفوذ من "مصدري أوامر الإبادة والجرائم" إن باسم الضرورة الوطنية أو الخلاص الوطني كل فرد كانت له استطاعة الحكم المستقل على الأوضاع المحيطة به وكل فرد كانت له القدرة على رفض التورط في "تنفيذ الأوامر" أو تبريرها.

دون مساواة في جوهر ومضامين وتداعيات إقرار المسؤولية الأخلاقية والإنسانية والسياسية عن جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، اعتبرت أرندت أن الديكتاتور النازي وأعوانه في المؤسسات الرسمية المختلفة من الآلة العسكرية والاستخباراتية والأمنية التي قتلت وقمعت إلى آلة البروباجندا وتزييف الوعي التي أدارها وزير الدعاية جوبلز يشتركون في تحمل المسؤولية مع كل فرد أدرك الطبيعة الإجرامية للنازيين ولم يبتعد عنهم، وامتلك القدرة على الامتناع عن التورط في جرائمهم دون أن يلحقه أذى ولم يفعل.

موظف العموم الذي لم يزيف وعيه لكي يعتبر الإبادة والقتل والقمع ضرورات وطنية أو مقدمات للخلاص وكانت له القدرة على الامتناع عن تنفيذ الأوامر الإجرامية دون توقع تعقب أو أذى، عناصر النخب الاقتصادية والمالية والإدارية التي تعاونت مع النازيين بحثا عن العوائد المادية والمعنوية وتماهيا واعيا مع إيديولوجيتهم العنصرية، أفراد النخب الفكرية والثقافية والفنية والأكاديمية الذين امتلكوا استطاعة الحكم المستقل على الأوضاع المحيطة بهم ولم يرفضوا لا التورط المباشر في الجرائم ولا التورط غير المباشر فيها عبر توظيف أدوات الإنكار والتبرير؛ هؤلاء جميعا رأتهم أرندت كمسؤولين عن جرائم النازي أخلاقيا وقانونيا وسياسيا وكمشاركين مع الديكتاتور وأعوانه في الدوائر العليا للحكم في إنزال المظالم والانتهاكات بالناس.

وكأكاديمية بدأت حياتها المهنية في ألمانيا قبل أن يدفعها عنف النازيين وتعقبهم لها ولأسرتها بسبب الانتماء الديني لليهودية إلى الارتحال المؤقت ثم الهجرة الدائمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أفردت أرندت مساحة معتبرة في كتاباتها لتناول ظاهرة المفكرين والمثقفين والأكاديميين الذين تماهوا مع النازية إن عن قناعة واعية بأسسها العنصرية أو عن رغبة واعية في العوائد الممكنة للتعاون معها وأنتجوا لها مقولات الضرورة الوطنية والخلاص الوطني لتبرير جرائمها، وصنفتهم كأصحاب دور كارثي في التمكين للديكتاتور بإلغاء العقل واستباحة العلم ووضع الفكر مجردا من القيم الأخلاقية والإنسانية في خدمة مجرمين (الفيلسوف مارتن هايدجر مثالا).

أما موظف العموم الذي تعرض لعمليات تزييف وعي حملته على اعتبار الإبادة والقتل والقمع مقدمات فعلية للخلاص الوطني (يوزيف أيشمان نموذجا)، وعناصر المؤسسات النظامية والأمنية والرسمية الذين لم يأمنوا الأذى الشخصي حال الامتناع عن تنفيذ الأوامر الإجرامية للنازيين، والمواطن الذي نجحت البروباجندا الرسمية في إقناعه بحتمية الاصطفاف خلف البطل المنقذ والقائد المخلص دون تفكير عقلاني أو نقاش موضوعي؛ هؤلاء لم تدرجهم أرندت في خانات المسؤولية عن جرائم ومظالم وانتهاكات النازيين إن لانتفاء استطاعتهم الحكم المستقل على الأوضاع المحيطة بهم أو لغياب قدرتهم على رفض الانصياع لأوامر النازي نظرا للعواقب الشخصية الخطيرة للرفض.

***

دون إنكار لاختلاف سياق الفاشية الأوروبية في القرن الماضي عن السياق الحالي للسلطوية المصرية، يدلل تناول حنا أرندت لقضية المسؤولية عن المظالم والانتهاكات على الخطأ الجوهري لقصر خطوط المسؤولية هذه على الحكام وأصحاب السلطة والنفوذ دون أعوانهم في المؤسسات الرسمية وفي أوساط النخب الاقتصادية والمالية والإدارية وبين المفكرين والمثقفين والأكاديميين والإعلاميين ممن يشاركون وعيا وطوعا في تنفيذ "الأوامر" وفي الترويج المجتمعي لها عبر أدوات الإنكار والتبرير وتزييف الوعي.

يدلل تناول أرندت أيضا على الخطأ الجوهري الآخر الذي يمثله مد خطوط المسؤولية الأخلاقية والقانونية والسياسية عن المظالم والانتهاكات إلى موظفي العموم والعاملين في المؤسسات الرسمية الذين يتورطون في تنفيذ "الأوامر" كروتين يومي يرتب الامتناع عنه الكثير من العواقب الشخصية الوخيمة أو الذين يساهمون في إنكار وتبرير المظالم والانتهاكات بعد أن طال تعرضهم لعمليات تزييف الوعي وحملوا على الاقتناع الزائف بكون سلب حرية "أطفال شوارع" وإلقاء هشام جعفر ومالك عدلي وعمرو علي وطاهر مختار وغيرهم وراء الأسوار ليس إلا استجابة لضرورة وطنية أو مقدمة لخلاص وطني موعود. ليست عناصر الأجهزة الأمنية التي نفذت الاقتحام الأمني لنقابة الصحفيين وجاءت بمن يسمون المواطنين الشرفاء للاعتداء اللفظي على الصحفيين هي المسؤولة عن المظالم والانتهاكات، بل من أصدر "الأمر" ومن قرر تنفيذه على هذا النحو ومن خرج مبررا له دون حدود هم المسؤولون. كذلك لا تقع المسؤولية الأخلاقية والقانونية والسياسية عن ما يحدث وراء أسوار أماكن الاحتجاز في مصر على من لا يملكون غير الانصياع "للأوامر" من موظفي العموم والعاملين وعناصر المؤسسات الأمنية في السجون والأقسام الشرطية وغيرها، بل على مصدري الأوامر في الدوائر العليا للحكم ومنكري جرائم التعذيب والاختفاء القسري في أوساط النخب النافذة ومبرري المعاملة غير الآدمية للمسلوبة حريتهم بين السادة أصحاب المساحات في الفضاء العام.

نشر
محتوى إعلاني