محاولات الانتحار في الأردن.. "عايشين من قلة الموت"

نشر
9 دقائق قراءة
تقرير هديل غبون
Credit: CNN ARABIC

عمان، الأردن (CNN)-- في الحادي عشر من شهر مايو/ أيار الجاري، ظهر 5 شبان أردنيون في مشهد مصوّر فوتغرافيا بثته وكالة الأنباء الرسمية وهم يهددون بالانتحار من أعلى بناية مهجورة وسط العاصمة عمّان، وتناقلت وسائل الإعلام رواية المصادر الرسمية تبرر محاولة الانتحار الاولى من نوعها إلى عدم وجود وظائف، وفقا لإفاداتهم لدى الأجهزة الأمنية التي أثنتهم عن الانتحار في حادثة هي الأولى من نوعها.

محتوى إعلاني

الحادثة التي فتحت شهية أوساط سياسية وحقوقية لتحميل الحكومة الأردنية مسؤوليتها عنها لارتفاع نسب البطالة بحسب تقرير حديث صادر عن البنك المركزي الأردني مؤخرا، اعتبرها مسؤولون بالمقابل، محاولة استعراضية للفت الأنظار من بناية لم تسجل فيها حادثة انتحار حقيقية، واقتصرت حوادث سابقة على التلويح به.

محتوى إعلاني

وتوقفت تفاصل الحادثة عند الأخبار الرسمية، رغم بعض الدعوات التي طالبت باطلاع الرأي على دوافعها، وتفاعلت مواقع التواصل الاجتماعي لاحقا مع دعوة "لانتحار جماعي"، عند مقر رئاسة الوزراء في الثلاثين من الشهر الجاري، أغلقتها إدارة الفيسبوك وأعلنت السلطات الرسمية ملاحقة القائمين عليها، رغم اتضاح أنها دعوة لانتحار رمزي.

لكن رائد السواغنة وابن عمه محمود، ورفاقهم سلامة بني سعيد وحسن الغرايبة الذين التقتهم CNN بالعربية في قريتهم "عرجان" في محافظة عجلون شمال البلاد (نحو 80 كيلومترا عن العاصمة)، أكدوا في حديثهم للموقع بلوغهم حالة من اليأس دفعتهم للانتحار، قائلين إن المحاولة لم تكن للفت الأنظار.

ويقول رائد السواغنة (31 عاما) المتزوج ولديه 3 أطفال إناث: "مكسور علي إيجار بيتي سنة كاملة وعلي غرامات دفع كهرباء بألفي دينار وعلي 150 دينار فاتورة كهرباء.. عايشين من قلة الموت".

وبحسب رواية الشبان، فإن نية الانتحار تولدت لديهم بعدما فشلوا في العثور على عمل في بعض الفنادق والمطاعم في العاصمة عمّان ومن قبلها قريتهم التي يقدر عدد سكانها بنحو 12 ألف نسمة، معتقدين أن أحد أسباب تعذر عملهم هو مزاحمة العمالة الوافدة لهم في قريتهم وغيرها، وتحديدا السورية وفقا لهم.

ويقول بني سعيد: "كان لدينا نية للانتحار نعم.. بحثنا كثيرا والبعض كان يقول لنا ما في شغل ولا نشغل أردنيين... رأينا العمرة (البناية) وقررنا الصعود لها بنية الانتحار ولا نعرف أنها بناية معروفة بذلك".

ويشير بني سعيد إلى أن أغلبية الأعمال التي يعملون بها في القرية، تقتصر على أعمال البناء والتعشيب (الزراعة)، وبعض الأعمال الأخرى ويقول: "بنشتغل يوم وعشرين لا".

ويطالب الشبان الذين خدم أربعة منهم في صفوف القوات المسلحة لسنوات قبل إنهاء خدماتهم لأسباب وصفوها بالتجاوزات البسيطة، سلطات بلادهم إلى توفير فرصة عمل "ينستروا" منها، لتأمين قوت يومهم بدلا ولو كانت "حارس مدرسة" أو آذن فيها.

ويشكو محمود السواغنة من تعذر حصوله على وظيفة رسمية أو الالتحاق بأي جهاز أمني، لمشاركته في مشاجرة وهو في عمر 13 عاما، حيث يتطلب عمله الحصول على موافقة أمنية، وهو ما ترفض السلطات منحه إياها بسبب تلك المشاجرة التي مضى عليها سنوات، بحسبه.

وكشف رائد أيضا، عن محاولة سابقة له للانتحار في قريته مع ابن عمه محمود، أثناه عنها في وقت سابق أحد المسؤولين في القرية بعد تلقي وعود بإيجاد عمل له، ويتابع رائد بث شكواه قائلا " بعض الأيام تمر علي دون أن أستطيع النوم بسبب الاوجاع في يديي من أعمال الباطون". والتقى الشبان الخمسة بمندوب وزارة التنمية الاجتماعية في محافظة عجلون، بعد أن أخلي سبيلهم لدى الأجهزة يوم الحادثة بأيام.  

 وفيما يشير حسن الغرايبة إلى صعوبة أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية، يلوّح بني سعيد بإعادة محاولة الانتحار لاحقا، ويقول: "إذا لم يساعدوننا في الحصول على عمل سننتحر".

 وتشير الأرقام الرسمية التي نشرتها إدارة البحث الجنائي في تقريرها الاحصائي السنوي لعام 2015، إلى تزايد نسبي في أعداد المنتحرين في البلاد خلال السنوات 2011 -2015، فيما أكد الناطق الإعلامي في مديرية الأمن العام المقدم عامر السرطاوي أن معدل حالات الانتحار في البلاد سنويا يقدر بنحو 100 حالة قد تزيد أو تنقص.

وبحسب تقرير البحث الجنائي المنشور على الموقع الرسمي للإدارة، فقد شهد العام 2011 وقوع 39 حالة انتحار، مقابل 86 حالة للعام 2012، و108 للعام 2013، و100 حالة للعام 2014، فيما شهد العام 2015 وقوع 113 حالة انتحار.

ويربط تقرير للإدارة أيضا، بين عدد حالات الانتحار المسجلة ومنفذيها، حيث ينتمي عدد هؤلاء إلى فئة العاطلين عن العمل، حيث شهد العام 2014 وقوع 21 حالة انتحار لمتعطلين عن العمل، مقابل 5 حالات انتحار في العام 2015 لمتعطلين عن العمل.

ولا تحمل الأرقام الرسمية وفقا للسرطاوي، دوافع مباشرة متعلقة "بالجوع أو الفقر"، بل تعود لاختلالات نفسية واجتماعية وأسرية أولا، وأسباب عاطفية، داعيا الى التفريق بين حالات الانتحار ومحاولات الانتحار التي تشكل أضعاف حالات الانتحار أو "محاولات الانتحار الوهمية"، على حد تعبيره، رغم مشاركتها ذات الدوافع.   

ويقول السرطاوي: "المحاولات يوميا متكررة وتعود إلى الأسباب ذاتها.. وأؤكد على ضرورة التمييز بين من يقدم على الانتحار من خلال محاولة السقوط من فوق الأبنية والجسور لأنه لم ينتحر فعليا أي واحد منها وبين من ينتحر فعليا، المنتحرون فعليا يلجؤون إلى الشنق أو تناول الأدوية والعقاقير".

لم تعزو السلطات على مدار السنوات الخمسة السابقة وفق مراقبين وقوع أية حالة انتحار إلى أسباب متعلقة "بالفقر" أو البطالة، رغم تسجيل عدة حالات انتحار بالحرق، كما شهد عام 2012، وشهد العام الماضي 2015 أول حالة انتحار جماعية لشقيقتين من سيدات الأعمال أرجعتها السلطات إلى أسباب نفسية وخلافات اجتماعية، وسط حالة من التشكيك في بعض أوساط المراقبين لدوافعها.

ولا تعتبر وزارة الصحة الأردنية استنادا إلى تقارير منظمة الصحة العالمية، وفقا لوزير الصحة الأردني علي الحياصات، أن الانتحار في الأردن هو ظاهرة، معتبرا أن بعض محاولات الانتحار "يجري تسيسها".

ولا يرى الوزير الحياصات أن الانتحار "ظاهرة أردنية" تبعث على القلق لـ CNN بالعربية: "هناك نسب في كل العام كأي مرض بالنسبة للانتحار.. الانتحار ليست مرتبط دائما بغنى أو فقر.. قد يستخدم التهديد بالانتحار لأهداف سياسية هناك فرق بين يقدم على الانتحار وبين من ينتحر قد يكون لأغراض اجتماعية أو سياسية لطلب ما.. الانتحار ليست ظاهرة أردنية ليكون لها سجل وطني أو لنقلق منها."

ويؤكد من جهته محافظ العاصمة خالد أبو زيد للموقع، أن جميع "محاولات الانتحار" في البلاد تخضع للدراسة وللتقييم، وأن الإجراءات المناسبة تتخذ فيها، بما في ذلك محاولة الشبان الخمسة مؤخرا.

رغم ذلك، يحذر خبراء من تجاهل دراسة أسباب الانتحار في البلاد حتى وإن لم تصل إلى الظاهرة، وفقا للخبير الأممي والطبيب الشرعي هاني جهشان، قائلا إنه بالرغم من محاولات "تسييس" انتحار الشبان الخمسة، إلا أنها جديرة بالمتابعة كما غيرها من الحالات.

ويوضح جهشان بالقول: "الدراسات العلمية تؤشر على أن محاولات الانتحار تصل عادة إلى 7-10 أضعاف حوادث الانتحار الحقيقية، والتقييم النفسي للمقبلين على الانتحار هو من يحدد الدوافع الحقيقية،   الشبان الخمسة لم تبد عليهم دوافع حقيقية للانتحار..  شخصيا لا أعتقد أنهم كانوا جادين.... على افتراض أنهم كانوا كذلك فإن مرده إلى الوضع الاقتصادي في هذه الحالة".

ويلفت جهشان إلى أن حادثة انتحار وقعت في تركيا بل أعوام لثلاث فتيات أخضعن لفحص العذرية، كان سببا في تغيير المنظومة التشريعية المتعلقة بهذا النوع من الفحوصات.

وفاقم حالة الجدل في البلاد ما تضمنه التقرير السنوي للبنك المركزي قبل أيام حول ارتفاع معدلات البطالة في البلاد لتكون هي الأعلى منذ العام 2006 وحتى العام الماضي 2015، مشيرا إلى تسجيل 36 ألف عاطل عن العمل العام الماضي، وليصبح الإجمالي 209 ألف عاطل، وهو ما لم تعلق عليه الحكومة الأردنية بشكل تفصيلي.

نشر
محتوى إعلاني