"وحش" يهدد بحيرة تاهو الأمريكية.. كيف يسعى نشطاء البيئة لحمايتها؟

نشر
8 دقائق قراءة

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- في أواخر شهر يوليو/ تموز الماضي، على شاطئ قرية إنكلاين بولاية نيفادا الأمريكية، شمالي بحيرة تاهو، يقفز السباحون داخل المياه الزرقاء الداكنة بينما يختتم معسكر صيفي للأطفال فعاليته لليوم.

محتوى إعلاني

وبينما يقوم الأطفال بجمع مخلفاتهم كجزء من تعليمات مشرف المعسكر، يترأى مشهد بعيد كل البعد عما وقع بتاريخ 4 يوليو/ تموز الماضي على شاطئ "Zephyr Shoals"، وهو شاطئ مشهور آخر على ضفاف بحيرة تاهو يقع على بعد 16 ميلا جنوبا، حيث ترك محتفلون خلفهم أكثر من 6 آلاف رطل من القمامة، والبلاستيك، والملابس، وغيرها من النفايات المتنوعة.

وانتشرت مقاطع الفيديو الخاصة بـ"مهرجان القمامة" على منصات التواصل الاجتماعي وتصدرت عناوين الأخبار الدولية، ما أثار الغضب والدعوات للتغيير من قبل الجميع ومن بينهم سكان المنطقة ونشطاء حماية البيئة.

يتجمع الناس على شاطئ كينغز في 30 يونيو 2023. وأصبحت القمامة التي خلفها الزوار مشكلة متنامية حول البحيرة.Credit: Jane Tyska/East Bay Times/Digital First Media/Getty Images

ولكن التجاهل الصارخ للجمال الطبيعي لبحيرة تاهو يعد مجرد حادث آخر في سلسلة من الحوادث العديدة على مر السنين التي دفعت مسؤولي السياحة ونشطاء البيئة إلى إعادة التفكير في نوع الزوار الذين تستقطبهم بحيرة تاهو.

ويسافر نحو 15 مليون شخص إلى منطقة بحيرة تاهو كل عام للاستمتاع بممارسة الرياضات المائية والاستجمام على الشواطئ وسط المناظر الطبيعية الخلابة، والممرات الجبلية ومنتجعات التزلج ذات المستوى العالمي.

وتتمثل ازدواجية معضلة السياحة في بحيرة تاهو في كون هذا "الوحش الاقتصادي"، الذي يغذي المنطقة، هو نفسه الذي ينخر وجودها، وهي مشكلة تتطلع المنظمات السياحية والمنظمات غير الربحية البيئية والمقيمون إلى حلها.

والسياحة المفرطة ليست فريدة من نوعها بالنسبة لبحيرة تاهو، وكما هو الحال في كل مكان، فقد تجلت عواقبها في أكثر من مجرد القمامة المتراكمة.

وأدت حركة المرور، وتلوث السيارات، ومواقف السيارات غير القانونية، والجسيمات البلاستيكية الدقيقة، والنقص الحاد في الإسكان الميسور التكلفة (وهو ما يعادل نقصًا هائلاً في عدد الموظفين) إلى خنق نوعية الحياة والنظام البيئي الهش لمنطقة سييرا نيفادا البكر، لدرجة أن الهدف الراسخ لمجالس السياحة الإقليمية قد تتحول بشكل كبير، من جذب الزوار إلى تثقيفهم.

وتقول الرئيسة والمديرة التنفيذية لهيئة زوار بحيرة تاهو، كارول شابلن: "يجب التأكيد على قيمة السياحة. لكن الصناعة بحاجة إلى العمل بجدية أكبر لصالح الوجهة والإشراف البيئي، ويحتاج اقتصاد السياحة لدينا إلى العمل نيابة عن مجتمعاتنا. لقد أصبح سبب، وكيفية، وموعد زيارة بحيرة تاهو محور اهتمامنا".

يستكشف الزوار منتزه "ساند هاربور" في قرية إنكلاين نيفادا على متن القوارب بتاريخ 30 يونيو 2023.Credit: Jane Tyska/East Bay Times/Digital First Media/Getty Images

وفي يونيو/حزيران الماضي، قام اتحاد غير مسبوق من منظمات تسويق وجهة بحيرة تاهو، وإدارة الأراضي، والمنظمات غير الربحية بالتوقيع على خطة رعاية وجهة بحيرة تاهو.

وتعد الخطة المكونة من 143 صفحة واحدة من أكثر الخطط شمولاً حتى الآن، وتتناول التحديات الحاسمة التي تواجه المنطقة من خلال رؤية مشتركة لإدارة الترفيه والسياحة.

ورددت كيرستن جين، مديرة التسويق لدى تحالف مجتمع شمال تاهو مخاوف تشابلن، قائلة: "لم نعد مجلسًا للسياحة التقليدية بعد الآن، ولكننا نرحب بالزوار في مجتمعنا الذين يفهمون ويشاركون في الإشراف البيئي. لقد كان هذا تحولًا كبيرًا لمنظمتنا".

وخلال أحد أيام شهر يوليو/تموز، على الطريق ذي المسارين الذي يحيط بالبحيرة، توقفت السيارات لالتقاط صور لمنظر البحيرة المتلألئة، حينما توقفت شاحنة صغيرة بيضاء، يُفترض أنها تابعة إلى خدمات الغابات أو دورية الطرق السريعة، لتطلق إعلان عبر مكبر الصوت: "جميعكم متوقفون بشكل غير قانوني. أنصحكم بألا تكونوا هنا عندما أعود".

ويبرز في هذا الإعلان مشاعر استياء واضحة، إذ ترك الحجم الهائل للزوار آثاره على النظم البيئية الهشة في بحيرة تاهو، فضلاً عن إثارة غضب سكان المنطقة البالغ عددهم حوالي 71 ألف نسمة، ما أدى إلى ظهور دعوات للحد من أعداد الزوار.

واوضحت تشابلن أنه اقتراح سيكون من المستحيل تقريبًا تنفيذه في منطقة ليست حديقة وطنية مخصصة، ولها طرق متعددة للدخول والخروج، وتنتشر عبر خمس مقاطعات وولايتين.

تساعد منطقة Tahoe Vista الترفيهية الجديدة والإطلالة الخلابة على تخفيف التآكل الذي يؤثر على صفاء البحيرة Credit: California Tahoe Conservancy

ومع ذلك، رغم مشاعر الإحباط الشديدة، يحذر العديد من السكان من تبني موقف مناهض للسياحة، بما في ذلك ألينكا فريشيك، التي عملت كمدربة تزلج لدى منتجع التزلج "Palisades" لمدة 30 عامًا.

وقالت فريشيك: "الحقيقة هي أنه لا أحد منا سيكون هنا لولاهم (السياح). نحن نعتمد عليهم في سبل عيشنا. وصحيح أن حركة المرور مزعجة، ولا أحد يريد أن يرى القمامة تُلقى في الفناء الخلفي لمنزله. ولكن السؤال لا ينبغي أن يكون كيف يمكننا الحد من السياحة؟ بل كيف يمكننا إدارتها من أجل مستقبل أفضل لبحيرة تاهو".

وكما هو الحال في العديد من الأماكن حول العالم التي تواجه أزمات مماثلة، فإن إيجاد هذا التوازن أمر ضروري، ولكن الحلول ليست بسيطة أو سريعة. ولكن ما أصبح صرخة حاشدة موحدة للسياحة، بما في ذلك في بحيرة تاهو، هو من يتحمل المسؤولية.

ويتمثل الهدف المنشود لسكان ومسؤولي بحيرة تاهو في إنشاء إطار عمل يجذب الأشخاص الذين يهتمون بالبيئة ويتبنون روح عدم ترك أي أثر خلفهم، وهو ملف سياحي آخذ في الارتفاع، وفقًا لتقرير السفر المستدام الصادر عن موقع "Booking.com" لعام 2022.

ومن بين أكثر من 30 ألف مسافر عبر 32 دولة ومنطقة شملهم الاستطلاع، أكد أكثر من 80% منهم أن الاستدامة مهمة بالنسبة لهم.

وأشار البحث أيضًا إلى زيادة في استعداد المسافرين لتحمل المسؤولية الشخصية عن سلوكهم، وهي سمة يمكن للمنظمات المحلية أن تدعمها.

وفي منتصف أغسطس/ آب، افتتحت منظمة "West and Clean Up The Lake" مركزًا للغوص البيئي، هو الأول من نوعه في قرية إنكلاين. وسيقدم المركز شهادات الغوص للمقيمين والزوار وسيكون بمثابة مساحة مجتمعية للشباب ومجموعات المدارس، والتدريب على الأنواع المائية الغازية، وعروض الأفلام البيئية، وندوات أخرى حول كيفية حماية بحيرة تاهو.

وتأسست رابطة إنقاذ بحيرة تاهو في عام 1957، المعروفة بشعارها "حافظ على لون تاهو الأزرق"، وتُعد أقدم وأكبر مجموعة مناصرة بيئية غير ربحية في بحيرة تاهو. وقادت المجموعة عملية تنظيف الشاطئ في الخامس من يوليو/ تموز من كل عام على مدى السنوات العشر الماضية، من بين أحداث أخرى تمت على أرض الواقع.

ومع ذلك، أشار جيسي باترسون، وهو كبير مسؤولي الإستراتيجية لدى المنظمة، إلى أن الرابع من يوليو/تموز هذا العام كان أحد أسوأ الأحداث التي شهدها - وكان بمثابة دعوة للاستفاقة.

وقال: "ما يمنحني الأمل هو أن كل من أقابله يحب هذا المكان ولا يتخيل فقدانه. وهذا يؤكد من جديد ما نؤمن به جميعًا ونريد أن يعرفه السياح، إذا كنت ستأتي وتستمتع ببحيرة تاهو، فعليك حمايتها أيضًا".

نشر
محتوى إعلاني