رأي: كارثة سوما تهدد العقد الاجتماعي الهش القائم في تركيا

نشر
6 دقائق قراءة
Credit: Oli Scarff/Getty Images

اكارابيكير أكويونلو، باحث بكلية الاقتصاد بجامعة لندن، تتركز معظم أبحاثه حول التغييرات الاجتماعية-السياسة في تركيا وإيران.. هو كاتب هذه المقالة التي لا تعبر سوى آرائه.

محتوى إعلاني

 

محتوى إعلاني

أتلانتا، الولايات المتحدة الأمريكية ((CNN) -- كارثة منجم سوما، تعتبر بالفعل الكارثة الصناعية الأكثر دموية في تاريخ تركيا، ورغم ذلك، لم يتسن للأتراك إبداء أحزانهم على الخسارة الفادحة في الأرواح.. فقط طغت مشاعر الغضب والصدمة الشعبية على من هم في مواقع السلطة، سواء في الحكومة والقطاع الخاص، لافتقارهم الفاضح للمشاعر الإنسانية والإحساس بالمسؤولية.

 لكن محاولة رئيس الوزراء، رجب طيب أردوغان، تبرير مصرع أكثر من 280 عامل منجم، بالإشارة إلى كوارث لحقت بقطاع التعدين في فرنسا وبريطانيا وأمريكا، منذ أكثر من قرن، تكشف عن أكثر من منظور دولي لسياسي قاس بإحساس منحرف للتسلسل الزمني.

كما يكشف أيضا عما أصبح عليه حال تركيا اليوم: واقع مرير قاتم زادت فيه نخبة من السياسيين والاقتصاديين قوة وثراءً على حساب الأيدي العاملة الرخيصة والأرواح المستهلكة.

ما من حاجة للمقارنة بأوروبا في القرن التاسع عشر: فحقوق العاملين بتركيا اُضعفت بشكل منهجي وتنتهك  على نحو منتظم منذ فترة الثمانينيات بالقرن الماضي، لدرجة دفعت منظمة العمل الدولية لإدراج البلد بالقائمة السوداء عام 2008، فالنقابات العمالية التي كانت قوية ومؤثرة أصابها العجز وتضاءل ترتيبها، فهناك أكثر من مليون شخص يعملون بالباطن في القطاعين العام والخاص، دون أمن وظيفي، محرمون من حقوق الانضمام إلى النقابات العمالية والمشاركة في المفاوضة الجماعية.

العمالة الرخيصة وضعف التنظيم جعلا من تركيا مركز جذب لقطاع الصناعة الإنتاجية وتفعيل قطاع الإنشاءات، الذي دفع محرك النمو خلال العقد الماضي، ولذلك ثمنه، فمنظمة العمل الدولية أدرجت تركيا على رأس الدول، على صعيد أوروبا، والثالث عالميا، من حيث الحوادث المتصلة بالعمل في 2012، قطاع التعدين كان الأسواء، فحسب تقرير أعدته منظمة "تيباف" التركية، فأن معدل الوفاة مقابل الإنتاج في تركيا يفوق الصين بخمس أضعاف، والولايات المتحدة بـ361 مرة، والدولتان من أبرز منتجي الفحم في العالم.

تحدث الغالبية العظمى لوفيات العمل نتيجة لظروف العمل السيئة وعدم كفاية التدريب وافتقار الأمن الوظيفي، وبالتالي يمكن تفاديها، وهذا يبدو أمرا  يخالفه أردوغان، بتصريحه أثناء حادث انفجار منجم "زونغولداك" الذي راح ضحيته 30 عاملا في 2010: "الموت هو مصير عامل المنجم" وفي حادث سوما، ألمح إلى أن الحوادث هي جزء من طبيعة العمل بالتعدين، إنه "أمر طبيعي."

وعلى غير العادة، تحدث ووجه خال من التعابير، من أي ملامح ندم أو تعاطف، لم يقبل تحمل أي مسؤولية، من بينها رفض حزبه مقترح  "حزب الشعب الجمهوري" المعارض،  قبل ثلاثة أسابيع فقط، للتحقيق في حوادث سابقة نجم عنها وفيات في منجم سوما ذاته.

يبدو أن وجهات نظر أردوغان لـ"الحوادث" يدخل في سياق أعراض جانبية مؤسفة لا يمكن تفاديها، لبزوغ تركيا كقوة إقليمية تحت قيادته، فما من إمبراطورية بنيت دون دماء أو تضحيات من الأمة، التي بـ"عزيمتها"، وعلى حد اعتقاده، سيعمل لاستعادة عظمتها.

كما كان واقع الحال في بريطانيا وفرنسا مطلع القرن الماضي، فأن حكايات مجد الإمبراطورية تشكل جزءاً أساسيا من الخطاب الشعبوي لحزب العدالة والتنمية الحاكم. في بلد يعاني من  انقسامات متأصلة الجذور، حول قضايا الهوية، خصيصا على طول خط الصدع العلماني مقابل الديني، فأن مثل هذا الخطاب يتمتع بجاذبية قوية.

ولكن حتى أردوغان لا يمكن له الحفاظ على شعبيته القوية من خلال بروباغندا قومية واستياء شعبي، إذا ما استمر ومساعدوه في رفض محنة شعبه والرد على تضحياتهم بالركلات واللكمات.

في هذا الصدد، قد تتحول كارثة سوما إلى لحظة فاصلة، فخلال السنوات الأخيرة، تحرشت قوات الأمن بمن يعانون في صمت لفقدانهم أحباء، بعضهم  على يد الدولة. منهم عائلات من قتلوا في ضربات جوية ببلدة روبوسكي" الكردية في ديسمبر/كانون الأول 2011، وفي هجوم إرهابي في ريحانلي بمايو/أيار 2013، أو أثناء الاحتجاجات المناهضة للحكومة بأنحاء تركيا في يونيو/حزيران الماضي، ومن حرموا من حق الحزن وأرغموا للدخول في حالة غضب وصدمة مستمرين.

لكن معظمهم من الفقراء أو الأكراد أو العلويين أو الأتراك العلمانيين، الذين من غير المرجح دعمهم لحزب أردوغان، لكن حزب العدالة والتنمية يتمتع بشعبية في سوما، بدا ذلك خلال الانتخابات العامة في 2011 والانتخابات البلدية في مارس/أذار الفائت، وهناك أيضا تعرض مقر الحزب للنهب والسلب، وقوبل رئيس الوزراء بعاصفة استهجان ودعوات من السكان الغاضبين له بالاستقالة.

في كتاب "العالم الشجاع الجديد" وصف الكاتب هوسكلي سوما بأنها جوهرة  الهلوسة المستخدمة من قبل الدولة لنشر مشاعر السرور والسعادة بين المواطنين، ونبقى لنرى إذا ما كان سيكون لسوما تأثيرا معاكسا في تركيا الجديدة الشجاعة لأردوغان.

نشر
محتوى إعلاني