كيف ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في انقسام الليبيين وتغذية العنف بينهم؟

نشر
7 دقائق قراءة
Credit: getty images

تقرير: منية غانمي

محتوى إعلاني

ليبيا (CNN)-- مع زيادة الانقسام السياسي في ليبيا وفي ظل حرب أهلية تدور في البلاد، باتت مواقع التواصل الاجتماعية التفاعلية وسائل لتعميق الصراع و تغذية أحداث العنف بين الليبيين بتوجهاتهم المختلفة ، حيث انتقلت الخلافات والصراعات من الأرض إلى الفضاء الافتراضي العصي عن المراقبة والعكس صحيح.

محتوى إعلاني

عام 2011 شكلت الدعوات التي أطلقها نشطاء ومستخدمون شبان في الفضاءات الاجتماعية خاصة شبكة فيسبوك ضد نظام العقيد معمر القذافي، منعطفا في تاريخ البلاد وفي علاقة الليبيين بهذه الوسائل الحديثة، هذه الدعوات التي حققت حينها أهدافها وأحدثت تغييرا إيجابيا في البلد باسقاط نظام العقيد القذافي بعد حكم دام لأكثر من 42 عاما، لم تعد تقوم بنفس الدور وتغيرت طرق توظيفها واستخدامها.

فمع بداية التعدد السياسي وبروز عشرات الاحزاب والمنظمات، لم يتصوّر أحد أن تغدو وسائل التواصل الاجتماعي مساحات للفتنة والاستقطاب وساحات للتصفية السياسية ووسيلة للسب والشتم والقذف وأداة للتهديد والترويج للكراهية والتحريض على العنف، العديد من صفحات الليبيين على مواقع التواصل الاجتماعي باتت مغرَقة  بوفرة من خطاب الكراهية والتهديدات ضدّ بعضهم البعض والانقسام، فالواقع اليومي المفعم بالخلافات والصراعات والشائعات  تحول الى الفضاء الافتراضي فتنامى السب والشتم في مشهد يعكس حجم الخلافات السياسية والصراع المناطقي الدائر الآن في ليبيا.

ويعبر طلال بن عيسى، وهو طالب بكلية الهندسة ببنغازي، عن أسفه في تحول هذه التقنية التي كان لها الفضل الكبير في دعم ثورة بلاده من وسيلة وحدة وخدمة أهداف إيجابية إلى مساحات لتعزيز الفوضى وتأجيج الفتنة وتصفية الحسابات سواء بين الأطراف السياسية او بين الاشخاص أو حتى بين القبائل، وهو أمر يراه أنه يعكس الواقع.

وقال في حديثه لـCNN بالعربية "المواقع الاجتماعية تعج بالعديد من الصفحات المشبوهة والحسابات الوهمية، أكيد هناك مليشيات إلكترونية تقف وراءهم هدفها نشر الكراهية والاضطرابات والرفع من منسوب التفرقة بين فئات الشعب الليبي لغايات عديدة، وما يؤسف فعلا هو أن لديهم الكثير من المتتبعين والمعجبين وأن العديد من الليبيين يصدقون ما ينشر في هذه الصفحات مما يجعلهم ينساقون وراء هذه المضامين ويتفاعلون معها لتكون النتيجة سلبية، مثلما نشاهده اليوم وما يحصل في ليبيا وهو راجع بدرجة كبيرة الى ما تبثه مواقع التواصل الاجتماعي خاصة الفايس بوك من مضامين ومعلومات".

وأصبح الليبيون وخاصة  فئة الشباب يوما بعد يوما أشد ارتباطا بالشبكات الاجتماعية، وخصوصاً تويتر و فيس بوك، حيث قفز عدد مستخدمي هذا الأخير من حوالي 360 ألف مستخدم في عام 2011 إلى حوالي مليون مستخدم العام الماضي وتعتبر ليبيا العاشرة عربيا بعدد مستخدمي فيسبوك.

وهو ما أكده كذلك محمد الشبلي أبو أحمد، مدرس بإحدى ثانويات مدينة الزاوية، الذي قال إن الفيس بوك هو المساحة الإجتماعية الاكثر استعمالا في ليبيا، وهم ما يعني أن كل خطابات العنف تمر عبر هذا الموقع، معتبرا أن العنف الافتراضي طوال السنوات الماضية مثل خطرا كبيرا وكان له دور في رسم وبلورة مستقبل الدولة، مشيرا الى أن أحد أهم أسباب استمرار العنف والفوضى في ليبيا هو المضامين الاعلامية التي تنشر على الفايس بوك:

"في ليبيا تم اغتيال عديد النشطاء والمدافعين عن حقوق الانسان انطلاقا من الشبكات الاجتماعية عندما قاموا بتتبعهم ورصد تحركاتهم انطلاقا من حساباتهم الشخصية، بالإضافة الى أعمال أخرى وجرائم، وحقيقة كل من عاش فظاعتها لا يصدق أن هذه الأعمال تم التحريض عليها وتنظيمها عبر شبكات التواصل الاجتماعي".

وأرجع الشبلي الانفلات في وسائل التواصل الاجتماعي إلى أن أغلب مستخدمي الشبكات التكنولوجية الحديثة في ليبيا هم من فئة الشباب الذي ينقصهم النضج والثقافة الكافية، ويعوزهم الاتزان، وتسيطر عليهم حالات الانفعال وهو ما يجعلهم مستعدين للاستجابة والإنجرار لأية دعوات عنف ضد الآخر المختلف سياسيا، مضيفا أن المواقع الاجتماعية تعدّ سلاح ذو حدين ويمكن أن تتحول إلى نقمة وأداة مخيفة اذا أسيئ استخدام حرية تدفق المعلومات فيها وتم تسخيرها للهدم وإثارة الفوضى.

من جهتها تقول هناء بوشناف، ليبية مقيمة بتونس، أنه بعد سقوط النظام، وبداية ظهور الأحزاب تغيرت كثيرا طريقة استخدام هذه المواقع في ليبيا ووُجهت إما في التعبئة السياسية أوالاستقطاب الاجتماعي القائم على القبلية والجهوية، أو وظفت كأدوات لبث اتجاهات لا يخلو بعضها من الكراهية والحقد والتطرف تجاه الآخر المختلف، أكثر منها أدوات للتواصل مع الآخر ومجال للنقاش حول مشاكل البلد وطرح حلول لها.

وتقول في هذا السياق "بعد أن كنا نرى دعوات واحدة ومشتركة للتعبئة في اتجاه واحد ضد النظام، اليوم الدعوات كثيرة من مجموعات ضد مجموعات، كل واحدة من أجل الدفاع عن وجودها وفرض نفسها، ومن هنا أخذت القيم السلبية مكانها في مجتمعنا وأحدثت انقساما في تركيبته  دون أي رقابة قانونية أو وازع أخلاقي، فعلا أصبحت مشكلة كبيرة وظاهرة لافتة للانتباه وجب التفكير في إيجاد حلول لها".

 وإزاء المخاطر المتزايدة التي باتت تمثلها المواقع التواصلية خاصة على التركيبة الاجتماعية للمجتمع وتأثيراتها السلبية فيه، اقترح عمر الزوام تقني اختصاص كمبيوتر واتصالات بطرابلس، أن تخضع لإجراءات رقابية قانونية صارمة تضمن ألا تستخدم من أجل التحريض على ارتكاب جرائم، أو أعمال تهدد النسيج الاجتماعي الوطني، وخصوصا في أوقات الأزمات والصراعات.

وأضاف في حديثه لـCNN بالعربية، أنه في ظل شعور مستخدم مواقع التواصل الاجتماعي بالأمان وببقائه بعيد عن المساءلة وعن العقوبة، فإن ذلك من شأنه أن يشجعه على مزيد استغلالها للتحريض على العنف و للتصفية الشخصية أو الحزبية الضيقة، موضحا أن ليبيا ليست استثناء من العالم، لأن سلبية وخطورة المواقع التفاعلية ظاهرة عالمية تمس جميع دول العالم.

نشر
محتوى إعلاني