رأي.. محمد سحلول يكتب لـCNN عن التعامل مع الموارد المحدودة في المعركة ضد فيروس كورونا: نفهم الآن ما كان الأطباء السوريون يمرون به

نشر
9 دقائق قراءة

هذا المقال بقلم الدكتور محمد زاهر سحلول، رئيس "ميدغلوبال"، بروفيسور مساعد في الأمراض الصدرية والعناية المشددة بجامعة ايلينوي في شيكاغو، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

محتوى إعلاني

قال أحد أعضاء مركز قيادة الحوادث في المستشفى بينما كنا نخطط لكيفية استيعاب عدد أكبر من مرضى فيروس كورونا: "نفهم الآن ما كان الأطباء السوريون يمرون به في السنوات التسع الماضية“. خلال الأشهر الأربعة الماضية وخلال عملي في أمراض الرئة والعناية المركزة في أحد أكبر المراكز الطبية الجامعية في شيكاغو، شاركت مع زملائي في العناية وتدبير أعداد كبيرة من مرضى فيروس كورونا المستجد واللذين غالبا ما يكونوا في حالة حرجة وينتهي المطاف بقسم منهم في وحدة العناية المركزة على أجهزة التنفس الاصطناعي التي تتطلب مراقبة دقيقة والمزيد من الموارد والأدوية والعناية التمريضية والطبية الفائقة ولسوء الحظ ينتهي الأمر ببعضهم بالموت رغم العناية المتقدمة في أكثر الدول المتقدمة صحيا..

محتوى إعلاني

 فقدنا حتى الآن أكثر من 136 ألف مريض في الولايات المتحدة الأمريكية وفقد العالم أكثر من نصف مليون مريض في معركتنا مع الكوفيد وعادة ما تكون معدلات وفيات المرضى أكبر بين المتقدمين بالسن والمصابين بالأمراض المزمنة كالأمراض الرئوية والقلب والكلى وارتفاع الضغط والسكري والسرطان وكذلك البدانة المفرطة.

ولقد قام مشفانا بزيادة معدل استجابته بزيادة أسرة وحدة العناية المركزة إضافة إلى زيادة عدد الموظفين الأساسيين من الحالة الاعتيادية إلى حالة الطوارئ، كما قمنا بتحويل عدة أجنحة إلى وحدات لمعالجة مرضى كورونا كما قمنا بإلغاء جميع الإجراءات الاختيارية، لكن ما زلنا بحاجة إلى المزيد.

وقد طلبت إدارتنا من أطباء من تخصصات مختلفة العمل في وحدة العناية المركزة وسارعنا أيضا في عملية اعتماد الأطباء الجدد. وحال مشفانا كحال المستشفيات الأخرى في الدولة يعاني من نقص في الاختبارات والأقنعة والألبسة الواقية. تطلب منا إدارة المستشفى استخدام أقنعة N95 بشكل متكرر بدلا مما كان متعارفا عليه وهو القناع لمرة واحدة، وتم وضع العشرات من ممرضاتنا وأطبائنا في الحجر الصحي الذاتي وأصيب عدد منهم بالعدوى.

على صعيد آخر، توفر مؤسستي الحالية ميدغلوبال "MedGlobal" الرعاية الصحية والتدريب والإمدادات الطبية والتكنولوجيا الطبية للعاملين في مجال الرعاية الصحية في الخطوط الأمامية في مناطق الكوارث مثل اليمن والعراق وسيراليون وغزة ولبنان وبنغلادش وفنزويلا والسودان وسوريا وغيرها من الدول الهشة أو ذات الموارد المحدودة.

تعتبر الكارثة السورية مثالا أليما لحرب أدت للاضطرار للتعامل مع موارد محدودة أو شبه معدومة والتأقلم مع هذه البيئة الجديدة والخروج بحلول خلاقة لاستمرار تقديم العناية الصحية في ظروف شبه مستحيلة من الحصار واستهداف المشافي والمدنيين بآلة الدمار الوحشية واستخدام الأسلحة الكيماوية.

لقد خلقت الأزمة والتي قد بدأت عامها العاشر ضغطاً غير مسبوق على الخدمات والأنظمة الصحية بسبب الطبيعة طويلة الأمد للحرب وما زاد الأمر سوءاً هو استهداف الأطباء والبنى الصحية التحتية إضافة إلى هجرة الأطباء والممرضات ونقص الإمدادات الطبية والأدوية وتعطيل التعليم والتدريب الطبي، وفي غضون بضع سنوات قصيرة انخفض متوسط العمر للسوريين بمقدار 20 عامًا.

في إحدى مهماتي الطبية إلى شمال سوريا، أخذت معي حقيبة كبيرة مليئة بمعدات الوقاية الشخصية بما في ذلك أقنعة الغاز لحماية الأطباء من الاسلحة الكيميائية، ورغم الجهود لم نتمكن من توفير معدات الوقاية الشخصية لكل الطواقم الطبية مما أدى إلى تعرض عدد منهم للغازات السامة. ففي أحد المشافي في شمال حماة، أصر الدكتور علي الدرويش على استكمال الجراحة التي كان يجريها في مشفى تحت الأرض على الرغم من هجوم كيماوي بالكلور ولم يكن لديه معدات الوقاية الشخصية المناسبة وتوفي بسبب ذلك.

ولتعويض النقص في الأطباء على الأرض، قمنا بتدريب الأطباء على المبادئ الأخلاقية والعملية للتعامل مع الموارد المحدودة كالتخطيط المبكر والتحضير والتقنين وإعادة الاستعمال والتأقلم والاستبدال، وبدأنا بتنفيذ برنامج الرعاية الصحية عن بعد أو وحدة العناية المركزة الإلكترونية باستخدام تقنيات بسيطة مثل تطبيقات الكاميرا الذكية واستخدام مجموعات واتساب نستطيع من خلالها المساعدة مهما ابتعدت المسافات، وقام الأطباء السوريون المتطوعون في الولايات المتحدة بتقديم الدعم عبر الإنترنت إلى زملائهم المهتمين في مناطق الحرب في حلب والغوطة وإدلب. وتبادل نظراؤهم السوريون معهم بيانات المرضى وصور المراقبين وأشرطة الفيديو الخاصة بالأشعة المقطعية ومخططات القلب.

واليوم نحن نفعل نفس الشيء في مشفانا حيث يتشارك أطباء وحدة العناية المركزة الإلكترونية عبء اتخاذ القرار والتشاور مع أطباء العناية المركزة الموجودين في مناطق التأثر بمرض كورونا كبنغلادش واليمن والإكوادور عن طريق التدريب عبر الانترنت.

إذا كانت الموارد الطبية محدودة فثمة حاجة إلى التقنين حتى يمكن مساعدة أكبر عدد ممكن من المرضى وهذا المبدأ يختلف عن الحالات العادية التي يعالج فيها المرضى الذين يأتون إلينا أولا أو تعطى الأولوية للمرضى الأسوأ. في الكوارث هناك مبادئ أخرى تتحكم بالعمل الصحي حيث يعتمد تخصيص الموارد على ثلاث قيم أساسية: أولها جعل تلك الموارد النادرة مفيدة لأكبر عدد ممكن من الناس وثانيا معاملة الناس بشكل متساو، وثالثا اعطاء أهمية بالغة للكادر الطبي.

خلال الأوبئة والجوائح كجائحة كورونا التي عصفت بالدول الغنية والفقيرة على حد سواء وأدت إلى شح كبير في الموارد الطبية كالواقيات الشخصية والفحوص المخبرية للكوفيد وأجهزة التنفس الاصطناعي والأدوية وحتى غرف المشافي والأطباء والطواقم التمريضية، فإن إيصال الفائدة لأكبر عدد ممكن هي القاعدة الأساسية، وإنقاذ المرضى الذين يمكن أن يعيشوا لفترة أطول ولسنوات أكثر تكون هي الهدف.

الأمر الأخير الذي كشفته جائحة كورونا هو أهمية القرار السياسي والحوكمة والإدارة الصحية في إدارة الكارثة. فقد نجحت دول باحتواء الكارثة من بدايتها ككوريا الجنوبية ونيوزيلاندا واليابان والأردن بينما فشلت دول عديدة منها الولايات المتحدة والبرازيل وإيران في اتخاذ القرارات المناسبة بشكل مبكر مما أدى إلى تفاقم الكارثة وازدياد عدد المرضى والوفيات، وكذلك الأمر في الأزمة السورية التي دخلت عامها العاشر فلم يتحرك العالم لاحتوائها بجدية منذ البداية، وفشلت الأمم المتحدة وإدارتا الرئيسين أوباما وترامب في توفير الحماية للمدنيين السوريين والكوادر الطبية والتمريضية. إن التهجير الأخير لأكثر من 950 ألف مدني في إدلب هو شهادة على فشلنا المستمر في إدارة الكارثة السورية.  فعندما فشلت الأمم المتحدة في معالجة الأزمة في بدايتها تحولت الأزمة السورية إلى كارثة عالمية وتسببت في أزمة لاجئين عالمية والتي بدورها أدت إلى صعود الجماعات اليمينية المتطرفة وتعزيز الكراهية والذي قاد لحالة من كره الأجانب وإظهار مشاعر معادية للاجئين. فلو تم تنفذ سياسات صارمة في وقت مبكر مثل منع قصف المدنيين واستهداف المشافي واستخدام الأسلحة الكيماوية واستخدام حصار المدنيين والتجويع كسلاح كان من الممكن أن نتجنب إحدى أسوأ الكوارث الإنسانية على الإطلاق. وبنفس الخطوات المتأخرة كانت الاستجابة للفيروس الجديد متعثرة أيضا من قبل منظمة الصحة العالمية والعديد من الدول. فقد اتخذت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسات فاترة عندما كانت هناك حاجة إلى تدابير أكثر صرامة، بينما نجحت نيوزيلاندا وكوريا الجنوبية بتطبيق إجراءات مثل الاختبارات واسعة النطاق وفرض التدابير المبكرة للتباعد الاجتماعي والعزل والحجر.

ستكثر الكوارث سواء كانت من صنع الإنسان أو الطبيعة أو الأوبئة بسبب التغير المناخي وستؤثر علينا جميعا إذا لم نعالج الأسباب الجذرية ولم يكن لدينا القادة المناسبين والسياسات الصحيحة المبكرة والتدريب المستمر للتصدي لها وللتأقلم مع قلة الموارد، فلا أحد بأمان.

نشر
محتوى إعلاني