أسبوعان من الغزو الروسي لأوكرانيا.. ماذا حدث لخطة بوتين وإلى أين تتجه؟

نشر
9 دقائق قراءة

تحليل بقلم تيم ليستر، الصحفي المخضرم والمحلل السياسي والأمني بشبكة CNN

محتوى إعلاني

كييف، أوكرانيا (CNN)-- بعد أسبوعين من شن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين غزوه لأوكرانيا، أصبحت "الضربات الدقيقة" الروسية أقل دقة فيما تعمل قواتها البرية على الاستيلاء على الأراضي الأوكرانية.

محتوى إعلاني

عشية الهجوم، توقع بعض المسؤولين الأمريكيين سقوط العاصمة كييف في غضون 48 إلى 72 ساعة من بدء الأعمال العدائية. ومع ذلك، لا يزال علم أوكرانيا باللونين الأزرق والأصفر معلقًا على مبانيها. كان هناك حديث ساخر عن الدولة الأوكرانية "مقطوعة الرأس"، لكن لا يزال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يظهر المقاومة.

إذا لم تكن أوكرانيا دولة حقيقية، كما زعم بوتين، فمن المؤكد أنها كانت ستنهار الآن. ولكن حتى مع وجود 150 ألف جندي روسي داخل حدودها، وفقًا لتقديرات الولايات المتحدة، فإنهم لم ينجحوا في السيطرة بعد على أكثر من 10٪ من الأراضي الأوكرانية.

بالسفر في أنحاء أوكرانيا في الأسابيع الثلاثة التي سبقت الغزو، بدا أن الكثير من الناس كانوا في حالة إنكار، إذ كانوا يقولون ماريوبول وزاباروجيا وكييف: "نحن على يقين من أنه لن تكون هناك حرب". كما قللت الحكومة الأوكرانية من شأن حشد القوات الروسية، خشية إثارة رعب مواطنيها والأسواق.

ثم، في 24 فبراير، بدا الأمر كما لو تم الضغط على زر. بين عشية وضحاها، أصبح الإنكار تحديًا، وأصبح حديثهم: "أنا ذاهب للحرب... إنها أرضي".

ظهرت دفاعات كبيرة ونقاط تفتيش لا حصر لها حول كييف. كانت القوات الأوكرانية - على نحو مفاجئ للعديد من المراقبين - ذكية وفعالة ضد القوات الروسية التي كافحت لإحراز تقدم. قطعت الوحدات الأوكرانية الصغيرة المتنقلة التي تعرف المنطقة الطريق أمام القوافل العسكرية الروسية. على الطرقات في مختلف الأنحاء، تظهر بقايا الأسلحة المضادة للدبابات التي حصلت عليها أوكرانيا بشكل أساسي من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. كما نشرت أوكرانيا بدقة وفاعلية طائرات بدون طيار هجومية تركية الصنع.

في المناطق القليلة التي احتلتها القوات الروسية - حتى تلك التي يغلب على سكانها الناطقون بالروسية – جعل تحدي الحشود من مئات الأوكرانيين الجنود الروس في حيرة من أمرهم. لقد بنوا جبالا من الإطارات للدفاع عن مدنهم وطمسوا لافتات الشوارع.

لا يعني ذلك أن الأوكرانيين لهم اليد العليا. لا يمكنهم هزيمة القوة الروسية المتفوقة بدرجة كبيرة، لكن الأدلة حتى الآن تشير إلى أنهم - بدعم الأسلحة والمساعدات الأخرى التي تتدفق عبر الحدود من بولندا – ما زالوا يحرمون بوتين من الانتصار.

ذكر رئيس الوزراء البريطاني الراحل هارولد ويلسون ذات مرة أن "الأسبوع هو وقت طويل في السياسة". يبدو أن أسبوعين من هذا الصراع كأنهما الأبدية، من حيث الكيفية التي غيرا بها العالم.

أربعة أوكرانيين كنت جالسًا معهم في كييف بدا عليهم الرعب خلال الساعات الأولى من يوم 24 فبراير/ شباط، فيما كان يعلن عن "عملية عسكرية خاصة" عبر التلفزيون الروسي، متوقعين أن الحريات التي يتمتعون بها على وشك أن تُسحق.

بعد دقائق، أضاءت السماء صواريخ باليستية سقطت على مطار بوريسبيل خارج كييف. وتدفقت القوات الروسية عبر الحدود من شبه جزيرة القرم وغرب روسيا وبيلاروسيا.

وبعد ذلك، لم يحدث شيء ساحق. القافلة العسكرية الروسية القادمة من بيلاروسيا والتي يبلغ طولها 40 ميلًا، كان من المفترض أن تكون مصدر رعب لكنها ساكنة وتضم شاحنات أكثر من الدبابات. بينما قامت الدفاعات الجوية الأوكرانية بعمل أفضل من المتوقع في مواجهة صواريخ كروز والطائرات المقاتلة الروسية.

وفشلت الجهود الروسية للاستيلاء على مداخل الجسور في شمال وجنوب كييف في الأيام الأولى من الغزو. حتى في جنوب أوكرانيا، حيث واجهت القوات الروسية مقاومة أقل، فإنها لم تسيطر بعد على ميناء ماريوبول القريب من الحدود.

في شرحه للغزو، جادل بوتين بأن أوكرانيا ستصبح ساحة للغرب لغزو روسيا وتدميرها. ربما يكون قد أخطأ في تقدير الرد المحتمل على محاولته ابتلاع بلد يرى أنه ليس له الحق في الوجود.

كتب مايكل كيميج وليانا فيكس في مجلة "فورين أفيرز"، أنه "في خوض هذه المغامرة غير العادية، يبدو أن بوتين فشل في تذكر الأحداث التي أدت إلى نهاية الإمبراطورية الروسية". وأضافا: ""خسر القيصر الروسي الأخير، نيكولاس الثاني، حربًا ضد اليابان في عام 1905. وسقط لاحقًا أمام الثورة البلشفية، ولم يفقد فقط تاجه بل حياته. الدرس: لا يمكن للحكام المستبدين أن يخسروا الحروب ويظلوا مستبدين".

ربما كان بوتين هادئًا بسبب رد الفعل الغربي الضعيف على ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، لكنه قلل من تقدير رد الفعل على الحرب التي اختارها.

نادرًا ما بدا حلف شمال الأطلسي (الناتو) نفسه شديد التركيز، بعيدًا كل البعد عن النبرة التي اتسم بها الحلف خلال رئاسة دونالد ترامب، وتدفقت شاحنات محملة بالأسلحة المضادة للدبابات إلى حدود أوكرانيا.

قبل هذا الغزو، فيما كان يجري مناقشة مجموعة من العقوبات الدولية الممكنة ضد روسيا، لم يكن متوقعا قطع المؤسسات الروسية عن النظام المصرفي الدولي، ومطاردة أصول الأوليغارك الروس، وإنهاء أو تقليص واردات النفط والغاز الروسيين، ووقف خط أنابيب "نورد ستريم 2". كل هذا حدث الآن.

قطعت شركة تلو الأخرى، من أكبر الشركات العالمية، روابطها مع روسيا، مما حرم الروس من الكثير من السلع الاستهلاكية التي أصبحوا يحبونها منذ نهاية الشيوعية. قيمة الروبل أقل من نصف ما كانت عليه في منتصف فبراير/شباط الماضي.

تعرض الكرملين للخسارة أيضًا في محكمة الرأي العام، لكن هذا لم يزعج بوتين أبدًا. أما زيلينسكي، الممثل الكوميدي الذي تحول إلى رئيس، ارتقى إلى مستوى التحدي بمقاومة شديدة ومطالب مباشرة بفرض منطقة حظر طيران.

مع انتشار التكهنات حول كيفية إجلاء زيلينسكي من أوكرانيا، قال إنه يحتاج إلى ذخيرة وليس مركبة للهرب. وسجل رسالة فيديو جريئة من القصر الرئاسي، يقول فيها إنه لن يختبئ.

مقاومة زيلينسكي وأوكرانيا في مواجهة الصعاب الساحقة، وصل صداها إلى العالم. وعلى النقيض من ذلك، بدا بوتين منعزلًا، ينفجر غضبا على مرؤوسيه، أو يسجل خطابات جافة أو يحيط نفسه بمضيفات طيران "إيروفلوت".

السؤال الكبير الآن هو ما إذا كان الزعيم الروسي الغاضب، على الرغم من تأكيده أن "العملية" مستمرة حسب جدولها، قد يضاعف هجومه مع الترسانة الهائلة الموجودة تحت تصرفه، من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، وأنظمة الصواريخ المدمرة والقنابل الحرارية. هل سيحول كييف إلى غروزني أخرى، عاصمة الشيشان التي دُمرت بالأرض خلال سنته الأولى في السلطة؟

ذكر مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية وليام بيرنز، الثلاثاء الماضي، أن بوتين "مصمم على الهيمنة والسيطرة على أوكرانيا"، وتوقع أن تكون "الأسابيع القليلة المقبلة قبيحة" مع "القليل من الاهتمام بالضحايا المدنيين".

طالب الكرملين أوكرانيا بالاعتراف بالسيادة الروسية في شبه جزيرة القرم، التي تم ضمها في عام 2014، وباستقلال جمهوريتين دميتين شرقي أوكرانيا، وبحياد موقفها.

قالت أوكرانيا لا، على الرغم من أن زيلينسكي يبدو الآن أنه يعترف بأن حلم أوكرانيا في الانضمام إلى حلف الناتو، المنصوص عليه في دستورها، قد يكون أبعد مما كان عليه من قبل. من جانبها، يبدو أن موسكو تخلت عن مطالبتها بما أسمته نزع النازية ونزع عسكرة أوكرانيا، عباراتها السخيفة البديلة لتغيير النظام.

في غضون ذلك، تستمر المعاناة اليومية للمدنيين الأوكرانيين. قُتل البعض في ضربات صاروخية دمرت المباني السكنية بالأرض، بينما قُتل البعض الآخر بسبب تلك الهجمات المدفعية الأقل دقة. العدد بالفعل بالمئات، لكن لا توجد حصيلة نهائية رسمية.

وفر مليونا شخص من البلاد، معظمهم من النساء والأطفال. إذا عادوا سيجدون أن مدنًا مثل خاركيف وسومي وماريوبول وتشرنيغوف يكاد لا يمكن التعرف عليها من شدة الدمار. وفي غياب بعض الاختراقات في الأيام القادمة، لا مفر من وجود قائمة أطول بكثير.

نشر
محتوى إعلاني