مصطفى النجار يكتب عن قانون المنظمات الأهلية بمصر: كل من يعمل في المنظمات المدنية قد يصبح مجرماً محتملاً

نشر
6 دقائق قراءة
Credit: KHALED DESOUKI/AFP/Getty Images

هذا المقال بقلم مصطفى النجار، وهو ضمن مقالات ينشرها موقع  CNNبالعربية بالتعاون مع صحيفة الشروق المصرية، كما أنه لا يعبر بالضرورة عن رأي شبكة CNN.

محتوى إعلاني

القاهرة، مصر (CNN)-- يشكل طرح قانون المنظمات الأهلية بنسخته الكارثية درجة جديدة من التصعيد غير المبرر من الدولة ضد المجتمع المدني في مصر، فلا أحد يصدق أن نواباً يعبرون عن الشعب ومصالحه يمكنهم تبني قانون يقيد العمل الأهلي ويغلق منافذه ومساراته التي تصب في صالح الناس وتخفف عنهم المعاناة.

محتوى إعلاني

القانون الذي تم التصويت المبدئي عليه يجعل كل من يعمل في الجمعيات الأهلية والمنظمات المدنية مجرما محتملا قد يُلقى به فى السجن في أي لحظة، يلغى القانون فكرة استقلالية المجتمع المدني عن السلطة التنفيذية ويجعل الجمعيات والمنظمات الأهلية تابعة للسلطة التنفيذية وتحت وصايتها وتحكماتها الغير منطقية بما ينسف فكرة العمل الأهلي من الأساس.

يحار المرء في سر هذه العداوة والتربص بالمجتمع المدني ولا يرى أن توجس الدولة من بعض المنظمات الحقوقية التي لا ترتاح لنشاطها يجعلها تفتح النار على الجميع بلا استثناء، لا تحب السلطة في مصر المنظمات الحقوقية ويصف إعلامها العاملين فيها بالخونة والمتآمرين مع الخارج لإسقاط مصر، وتم منع عدد كبير من العاملين بهذه المنظمات من السفر للخارج مؤخرا بقرار من قاضى تحقيق في قضايا لا يعرف أحد مكنونها وتفاصيلها. التهمة الجاهزة هي تلقى تمويل أجنبي وهى تهمة غريبة إذ أن مؤسسات الدولة التي تعمل في مجالات التنمية تتلقى كلها تمويلا أجنبيا وتدخل في شراكات أجنبية وتسعى للحصول على منح خارجية لتمويل مشروعاتها وكذلك تعمل كل المؤسسات المدنية لتوفير تمويل لبرامجها، جميع المتابعين للعمل المدني يعلمون أن كل قرش من المنح التمويلية للمنظمات المدنية يتم بعقود مبرمة ومعلنة تحت سمع وبصر ورقابة الدولة عبر قوانين البنوك بالإضافة إلى التقارير الضريبية التي تقدمها المنظمات لمصلحة الضرائب لتبين أوجه الصرف ومصادر التلقي، بالإضافة إلى أن عمل هذه المنظمات وما يصدر عنها من أوراق بحثية وتقارير دورية يتم نشرها علانية ولا توجد تقارير غير علنية ولا توجد أنشطة لا تخضع لرقابة الدولة وأجهزتها بالكامل.

ما المشكلة التي تُصعد درجة العداء وتفتح مساحات جديدة من المواجهات الغير منطقية؟ هل أن هناك مؤسسات ومنظمات أساءت استغلال المنح المقدمة إليها وثبت هذا بأدلة قطعية وليس ظنية، لماذا لا يتم مساءلة هذه المؤسسات بشكل قانوني عادل؟ إذا كانت هناك بقعة سوداء في الثوب الأبيض لماذا لا نزيلها دون أن نمزق الثوب كله؟

نحن مع تدخل الدولة لتطبيق القانون على الجميع إذا ثبتت مخالفات قانونية حقيقية ضد أي شخص لكننا ضد مسلسل الانتقام المتواصل ضد النشاط الحقوقي والتنموي في مصر بشكل عشوائي. القانون الجديد يعاقب كل المنظمات التنموية ويتربص بها نظرا لأن من كتبوه يعتقدون أن المنظمات الحقوقية هي حصان طروادة الذي ينهش في أمن البلاد واستقرارها ويتحدثون على المجتمع المدني بأنه أحد أهم أدوات حروب الجيل الرابع والخامس والسادس المزعومة.

دور المجتمع المدني في مصر لا يحتمل هذه المزايدات ولا هذا الخلط العبثي، المجتمع المدني هو رافعة التنمية الأساسية الآن في مصر ويقوم بسد فجوات هائلة لا يمكن للدولة التمدد فيها، ليس معقولا أن يكون لديك ظفرا يؤلمك فتقوم ببتر يدك بدلا من علاج الظفر الذى يؤلمك بشكل موضوعي، فلتفصل السلطة قانونا خاصا بالعمل الحقوقي في مصر تقوم فيها بحظره مطلقا أو حتى تجريمه واعتباره عملا من أعمال الخيانة والعمالة ولتتحمل مسئولية ذلك أمام التاريخ،  لكن عليها أن ترفع يدها عن المجتمع المدني ومؤسساته التي لا تمثل المنظمات الحقوقية 2 في المائة من إجمالي عدد مؤسساته.

 طالما أننا نفتخر بعدائنا لفكرة حقوق الإنسان فلنعمل على تطبيق ذلك عمليا دون أن ندمر بقية مجالات العمل المدني المتسعة والتي ساهمت كثيرا ومازالت تساهم في إنقاذ الوطن من براثن الجوع والفوضى.

دور المجتمع المدني هو تحقيق الرقابة الشعبية على أداء مؤسسات الدولة وهذا ما ترفضه الدولة التي تبدو أنها عاجزة عن فهم أهمية هذا الدور، لذلك تعمل على التخلص من هذه الرقابة الشعبية، بل وتنفذ عملية عكسية تجعل هذه المؤسسات تحت رقابتها ووصايتها لتعمل بتوجيهاتها كجزء من الديكور المطلوب دون أداء حقيقي، وهذا ينسف مفهوم العمل المدني من الأساس.

هذا القانون يمثل ردة للوراء، ومحاولة الترويج له والتبشير به بشماعات حماية مصر من الإرهاب وحروب الجيل الرابع وغيرها من الفزاعات لا ينطلي على أحد، حتى العقلاء المنتمين لمعسكر تأييد السلطة أدانوا هذا القانون وتعجبوا من نصوصه الغير مسبوقة والتي تهدم المجتمع المدني في مصر وتقوِّض أركانه.

أعرف مواطنين مصريين يقومون بالمساهمة في التبرع المادي الدوري للجمعيات التنموية والإغاثية في مصر امتنعوا الآن عن التبرع تماما بسبب حملات التشويه العامة للمجتمع المدني والتشكيك في تمويله وأوجه إنفاقه من قبل إعلام السلطة، فقد اعتبروا أن أغلب الجمعيات الأهلية متورطة في تمويل الإرهاب وأن لها أجندات خفية ضد الوطن، وحين حاولت إقناعهم بعكس ذلك، قالوا لي: لقد فقدنا الثقة في كل ما حولنا ولن تعود الثقة مرة أخرى.

هل هذه هي هديتنا للفقراء؟ هل هذا هو العون الذي تقدمه الدولة للمجتمع المدني الذي يرمم شروخها ويملأ مساحات غيابها، فلنتعقل ونتوقف عن الهستيريا والخلط، مصر لا تحتمل مزيدا من الهراء!

نشر
محتوى إعلاني