جماجم في حضن الصحراء..هكذا يستكشف فنان مغربي غاني هوية السود بأسلوب سريالي
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- من منظر غروب الشمس باللونين الأصفر والوردي، إلى جماجم ذات لون معدني تحتضنها صحاري من رمل حلوى القطن، وحيتان تتدلى من السماء اللازوردية. هذه ليست سوى بعض المواضيع المميزة التي تظهر في الأعمال الفنية السريالية لديفيد ألابو.
ومثل أشهر رواد المدرسة السريالية، سلفادور دالي، فإن أعمال الفنان المغربي الغاني هي عبارة عن نسيج من الرموز التي يستخدمها لاستكشاف موضوعات مثل الموت، والعزلة، والمستقبل.
ولكن، بينما استعان دالي بوسائط فنية مثل الطلاء الزيتي، والرسم، والأفلام، يبتكر ألابو أعماله الفنية وسط بيئة الواقع الافتراضي.
ويستخدم الفنان، المقيم حاليًا في عاصمة غانا أكرا، برنامج نحت رقمي ثلاثي الأبعاد، ونظارة الواقع الافتراضي المثبتة على الرأس، إضافة إلى مجموعة من أدوات التحرير الرقمية لإنشاء صوره المذهلة.
ويُعد الواقع الافتراضي وسيلة مناسبة لتصوير الخيال العلمي، حيث تأخذ المناظر الطبيعية الأفريقية صفة غريبة، تلوح فيها الأقمار والكواكب في الأفق والمجرات المتلألئة بالنجوم أو السماء المظلمة الباهتة.
وأوضح ألابو أنه رغم استكشافه لهوية السود من خلال هذه المناظر الطبيعية الاستثنائية، إلا أن عمله لا يتعلق بالهروب من الواقع، بل بالتمكين.
وقال ألابو: "في بعض الأحيان، يمكن أن تكون تجربة سريالية بحد ذاتها، لطبيعة كونك شخصًا من أصحاب البشرة السمراء في هذا العالم".
الفولكلور والمستقبل
وبينما تمتد أعمال ألابو إلى أنواع فنية متعددة، فإنه غالبًا ما يُطلق على فنه اسم "Afrofuturist"، وهو أسلوب إبداعي يجمع بين جمالية الخيال العلمي، والتاريخ، والخيال.
وفي عام 2018، لفت فيلم "النمر الأسود" من عالم مارفل السينمائي الانتباه إلى هذا النوع من الفنون، مما خلق موجة من الاهتمام بأعمال مثل تلك التي يبتكرها ألابو.
وبينما أنه لا يرفض تضمينه تحت هذه الفئة، إلا أن ألابو يشعر أن أعماله تقع أكثر ضمن فئة السريالية.
وأضح قائلًا: "لست ملزمًا بالأفكار التقليدية لما يعنيه مصطلح Afrofuturism، لأنني وضعت نفسي في خانة قد يكون فيها العمل سرياليًا، لكن الوسط الفني الذي أعمل فيه يمكن أن يكون مستقبليًا أيضًا".
واستكشاف العقل الباطن والأحلام، والانشغال بالأساطير، جميعها تُعد سمة مميزة أخرى للسريالية، لكن على عكس الفنانين الأوروبيين الذين سيطروا على الحركة الفنية خلال القرن العشرين، يركز ألابو على الفولكلور الأفريقي، بدلاً من الأساطير الإغريقية والرومانية.
وأشار ألابو إلى أن الثقافة الأفريقية، على الأقل في غانا، والفولكلور والقصص التي نشأ على سماعها في طفولته تُعد أشياء "خيالية أو مجردة"، مضيفًا أنها بمثابة مصدر إلهام لأعماله الفنية.
وينظر ألابو لفنه على أنه "إعادة تفسير للثقافة أو التراث الأفريقي من خلال وسائل الإعلام الجديدة"، ودفع حدود الفن التقليدي لخلق تجارب غامرة.
وبينما تركز العديد من أعمال السريالية الأفريقية من الولايات المتحدة على موضوعات الاستعمار، والعبودية، والعنصرية، تتجه أعمال ألابو أكثر إلى الطموح.
وأوضح قائلاً: "لا أريد أن أتسبب في أي ضرر من خلال عدم محاولة دمج ذلك في الفن، ولكن يتواجد فنانون يمكنهم فعل ذلك"، مضيفًا: "أنا أتخيل المستقبل أو أتخيل الحقائق حيث نقوم بالازدهار".
ولكن عند استكشاف هوية الأشخاص من البشرة السوداء، غالبًا ما تكون هذه الموضوعات حتمية. ويقول ألابو إنها "خيوط مشتركة" توحد أعمال الفنانين من مدرسة السريالية الأفريقية حول العالم. وعلى سبيل المثال، أحد أعماله بعنوان "العدالة"، الذي أطلقه في أعقاب مقتل جورج فلويد والاحتجاجات اللاحقة في عام 2020.
ولخصت رمزية هذا العمل الفني - من النمر الأسود، والقبضة المرتفعة، والسيف، وقطرة الدمعة، والوردة - حزن مجتمع السود في جميع أنحاء العالم، بينما لا يزال يتقدم مسيرة الكفاح ضد العنصرية النظامية.
وبينما لا يزال يعترف بهذه القضايا المهمة، لفت ألابو إلى أنه يريد أن تسير أعماله "على خط رفيع بين احترام الماضي، ولكن أيضًا عدم السماح له بتحديد مستقبلك، أو وجهة نظرك حول المستقبل".
العزلة والنزوح
أما المناظر الطبيعية الأخرى التي يخلقها ألابو في فنه، فهي مستوحاة من البلدان المختلفة التي نشأ فيها، إذ عمل والده كدبلوماسي، وولد ألابو في روما، وأمضى سنوات طفولته في كل من إيطاليا، والهند، وروسيا.
وأوضح ألابو: "أشعر أنه انعكاس لي أثناء التنقل في هذه الأماكن الغريبة أو تلك الأماكن التي لا أرى فيها بالضرورة أشخاصًا من أصحاب البشرة السوداء".
وتتميز أعماله الفنية بشخصيات صغيرة وحيدة، تقف في مناظر طبيعية صحراوية شاسعة فارغة تعكس جغرافية المغرب، حيث تنتمي والدته.
وأضاف: "أعتقد أن فني يتركز حول موضوعات العزلة، أو التفكير، أو النزوح، لأنه من الصعب أن تكون في مثل هذا النوع من المواقف".
وتابع: "الفن يعد بمثابة هدية بالنسبة لي، حتى أشارك أخيرًا نشأتي الغريبة".
لكن هذه العزلة ليست سلبية بالضرورة، إذ "يمكن أن تكون العزلة قوية للغاية، ويمكن أن تكون أداة للتغيير الإيجابي"، حسبما ذكره ألابو، موضحًا: "عندما تجلس حقًا وتزيل الضوضاء، أشعر أن ذلك يمكن أن يكون من أنقى لحظاتنا كبشر".