هل أخطأت الدول الأوروبية في تعليق طرح لقاح أسترازينيكا ضد فيروس كورونا؟ هذا ما يقوله خبراء الصحة

صحة
نشر
13 دقيقة قراءة

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- في غضون أيام قليلة، توقف إطلاق لقاح "أسترازينيكا- أكسفورد" ضد "كوفيد-19" في جميع أنحاء أوروبا الغربية تقريباً.

وأوقفت كل من فرنسا، وإسبانيا، وألمانيا، وإيطاليا، إضافةً إلى عدة دولة أخرى توزيع جرعات اللقاح مؤقتاً، ووُصف هذا القرار بأنه إجراء احترازي، بعد مخاوف من احتمال ارتباط اللقاح بجلطات الدم، وهو قرار يتعارض مع نصيحة وكالات الصحة العالمية.

وفي غضون ذلك، تمسك عدد قليل من البلدان باللقاح، ومن بينهم المملكة المتحدة، حيث تم إعطاء أكثر من 11 مليون جرعة من اللقاح، وأظهرت البيانات الواقعية أن اللقاحات تقلل العدوى والدخول إلى المستشفيات.

وتفاجأ الخبراء بقرارات الحكومات الأوروبية، التي تسببت بعدد لا يحصى من الأسئلة بين الأشخاص الذين حصلوا على اللقاح، أو كانوا في الصف ينتظرون الحصول عليه.

ولكن الرسالة المنتشرة من خبراء الصحة هي رسالة تدعو للهدوء. وعند وضعها في السياق، فإن حالات تجلط الدم المبلغ عنها تعد نادرة، ولن تكون أكبر من أعداد الحالات لدى عموم السكان، بينما ثبتت فعالية اللقاح في الحد من حالات "كوفيد-19".

وقال مايكل هيد، زميل أبحاث أول في الصحة العالمية بجامعة ساوثهامبتون، لـ CNN: "في الوقت الحالي، لا أرى أي سبب على الإطلاق لتعليق أي دولة استخدام لقاح أسترازينيكا. هذا ليس منطقياً حقاً بالنسبة لي".

وأشار هيد إلى أن هذه اللقاحات هدفها الوقاية من فيروس وبائي وهناك حاجة ملحة لتوزيعها، مضيفاً: "لذا فإن تعليق حملة اللقاح مؤقتاً دون سبب وجيه للغاية في هذه المرحلة من الزمن يبدو خطوة سيئة".

كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟

واتخذت أوروبا موقفاً مشوشاً تجاه لقاح "أسترازينيكا" منذ أن تمت الموافقة على استخدامه لأول مرة في الاتحاد الأوروبي، في أواخر يناير/ كانون الثاني الماضي.

وفي غضون أسابيع قليلة، انتقدت عدة دول في الاتحاد الأوروبي الشركة بغضب لفشلها في توفير الكمية الكاملة من الجرعات الموعودة، وأثارت الشكوك حول فعالية اللقاح لدى كبار السن، لتعود عن موقفها، كما منعت شحنات اللقاح من مغادرة القارة، والآن تعلق مؤقتاً توزيع جرعات اللقاح بسبب مخاوف بشأن وجود روابط بجلطات الدم.

وقال هيد: "يبدو أن لقاح أسترازينيكا المرشح كان نوعاً من كرة القدم السياسية لأسباب لا أفهمها".

وأكد هيد أنه "من حيث العلم وراء اللقاح، فهو آمن، وفعال، ولقاح جيد للغاية".

وبدأت الأحداث الأخيرة خلال الأسبوع الماضي، عندما قررت الدنمارك تعليق اللقاح لمدة أسبوعين، مستشهدةً ببضعة تقارير عن حالات تخثر لدى الأشخاص الذين تلقوا اللقاح، بما في ذلك حالة أدت إلى الوفاة.

وسرعان ما تبعتها النرويج، مستشهدة في وقت لاحق بتقارير عن ثلاث حالات تخثر، بما في ذلك حالة وفاة واحدة تم الإبلاغ عنها يوم الاثنين.

ولم يتم التأكد من ارتباط تلك الحوادث باللقاح.

ومنذ ذلك الحين، توقفت جميع دول أوروبا الغربية تقريباً عن استخدام جرعات اللقاح، ولكن الدول تُذكِّر المواطنين بأن هذه القرارات احترازية، بينما ينتظرون وكالة الأدوية الأوروبية لمراجعة تلك الحوادث.

وستجتمع الوكالة يوم الخميس، بينما ستقوم منظمة الصحة العالمية بتحليل التقارير يوم الثلاثاء، ولكن، قالت الهيئتان إنه لا يوجد دليل في الوقت الحالي على وجود صلة بتجلط الدم، مع إضافة وكالة الأدوية الأوروبية أن فوائد اللقاح تفوق مخاطره.

كم عدد الحالات - وهل هي خطيرة؟

ولم يتم حتى الآن ربط أي حالة من حالات التجلط باللقاح، وهذا ما تقوم بتحليله كل من وكالة الأدوية الأوروبية ومنظمة الصحة العالمية، ومن المتوقع أن تصدر وكالة الأدوية الأوروبية مشورتها للدول يوم الخميس.

ولكن حتى حالات التجلط المبلغ عنها لدى الأشخاص الذين حصلوا على اللقاح تعد قليلة للغاية ومتباعدة.

وفي الدنمارك، أدت حالة وفاة واحدة إلى الموجة الأولى من تعليق استخدام اللقاح. وبعد إعطاء 1.7 مليون جرعة من لقاح "أسترازينيكا"، كشفت ألمانيا عن سبع حالات فقط من تخثر الدم، على الرغم من وجود نوع نادر يعرف باسم تخثر الوريد الدماغي، وهو جلطة دموية في الوريد الدماغي، وفقاً لما قاله ديرك بروكمان، عالم الأوبئة في معهد روبرت كوخ، يوم الاثنين.

وقالت وكالة الأدوية النرويجية إن ثلاثة مرضى في المستشفى حالياً "يظهرون صورة مرضية نادرة" بسبب وجود مزيج غير عادي من انخفاض عدد الصفائح الدموية، والجلطات الدموية في الأوعية الصغيرة والكبيرة إضافةً إلى النزيف. 

وأضافت الوكالة أن مجموعات مماثلة من الأعراض لم تظهر لدى الأشخاص الذين تلقوا لقاحات أخرى.

وتلقى مختبر هولندي 10 تقارير عن حدوث جلطات دموية لدى متلقي اللقاح، ولكن مع مجموعة مختلفة من الحالات عن تلك الموجودة في النرويج.

وهذه الحوادث المبلغ عنها ليست كثيرة بما يكفي لإثارة القلق بين خبراء الصحة.

وفي الأسبوع الماضي، أوصت الجمعية الدولية للتخثر والركود الدموي بأن يستمر جميع البالغين المؤهلين في تلقي لقاحات "كوفيد-19".

وقالت الجمعية في بيان: "العدد القليل من أحداث الجلطات المبلغ عنها، بالنسبة لملايين اللقاحات التي وُزعت، لا يشير إلى وجود صلة مباشرة".

وأضافت أنه "بناءً على جميع البيانات المتاحة، تعتقد الجمعية الدولية للتخثر والركود الدموي أن فوائد لقاح كوفيد-19 تفوق بشدة أي مضاعفات محتملة حتى بالنسبة للمرضى الذين لديهم تاريخ من جلطات الدم أو أولئك الذين يتناولون أدوية ترقق الدم".

ووافق جون جيبينز، مدير معهد أبحاث القلب والأوعية الدموية والتمثيل الغذائي بجامعة ريدينغ، على أن عدد الجلطات التي تم الإبلاغ عنها قليل.

وقال جيبينز لـCNN إن "الأعداد المعنية ضئيلة، وربما لن تكون أكثر مما تتوقعه في أي عدد من السكان على أي حال"، كما وافق العديد من الخبراء على ذلك.

ويحدث تخثر الدم، أو تجلط الدم، لمجموعة متنوعة من الأسباب، ويعد التخثر الوريدي شائع نسبياً، إذ يصيب 1 إلى 2 من كل 1000 شخص، بحسب ما أوضحه جيبينز، مضيفًا أن خطر الإصابة بالجلطة يزداد مع تقدم العمر، وأن هناك مخاطر إضافية لبعض الحالات الصحية الأساسية.

وهذا يجعل من غير المستغرب أن تحدث حالات قليلة من التجلط المعزولة لدى الأشخاص الذين حصلوا على اللقاح.

وأضاف جيبينز أنه "عندما تبدأ بعد ذلك في تحصين الملايين من الأشخاص، من الحتمي أن يحدث هذا بين الحين والآخر ولكن ذلك لا يظهر السببية، ولا يثبت أن اللقاح مسؤول بالفعل".

وقال رئيس خبراء ساوثهامبتون: "مما رأيناه من ملايين جرعات أسترازينيكا، فإن الآثار الجانبية الخطيرة تجسد حرفياً مقولة واحد في المليون".

ومع ذلك، أوضح جيبينز أن حالات التخثر الدماغي في ألمانيا كانت ملحوظة، وقال إن خثار الجيب الوريدي المخي هو نوع نادر من الخثار "يصيب خمسة من كل مليون مريض"، مضيفاً أن الظروف الخاصة بهذه الحالات لا تزال غير واضحة.

ووافق بول هانتر، أستاذ الطب في جامعة إيست أنجليا، على أن ربط الصلة يحتاج إلى تحقيق شامل، ولكنه سلط الضوء على أن خطر الوفاة من "كوفيد-19" كان أعلى بكثير من خطر خثار الجيب الوريدي المخي.

ماذا تظهر البيانات؟

ودافعت شركة "أسترازينيكا" عن سلامة لقاحها يوم الأحد، قائلة إن المراجعة الدقيقة لـ 17 مليون شخص تلقوا التطعيم في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وجدت مرة أخرى أنه لا "دليل" على وجود صلة بالجلطات.

ووجدت المراجعة أنه من بين هؤلاء الملايين من الناس، كانت هناك 15 حالة من حالات تجلط الأوردة العميقة، و22 حالة من حالات الانسداد الرئوي تم الإبلاغ عنها بعد التطعيم، وهو أقل من العدد المتوقع حدوثه بشكل طبيعي ضمن هذا الحجم من السكان.

ومن المهم ملاحظة أن الأشخاص الذين يتلقون لقاح "أسترازينيكا" قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بتجلط الدم على أي حال. وأوضح هيد أن الأشخاص الذين تلقوا التطعيم، لا سيما في جميع أنحاء أوروبا حيث لا يزال برنامج التطعيم في بدايته، هم في الغالب من السكان الأكبر سناً والأشخاص المعرضين للخطر سريرياً، لذلك من المتوقع رؤية معدلات أعلى من الجلطات الدموية لدى هؤلاء السكان.

ويوفر اللقاح الحماية من مرض "كوفيد-19" الذي يسبب جلطات دموية في حد ذاته، وقال جيبينز إن "الإصابة بفيروس كوفيد-19، وخاصة لدى الأفراد الذين يدخلون المستشفى بسبب العدوى، تحمل في طياتها خطر الإصابة بجلطات دموية".

وأضاف جيبينز: "الخطر الأكبر لهذا هو أننا نحد من استخدام اللقاحات بشكل عام، ونتيجة لذلك نزيد من خطر إصابة الأشخاص بجلطات الدم بمجرد إصابتهم بكوفيد-19".

هل يمكن للقاح أن يسبب التخثر؟

ويتفق الخبراء على أنه من غير المحتمل للغاية، ولكن ليس من المستحيل، أن يكون اللقاح قد تسبب في تلك الحالات. ومع ذلك، قد تكون نتيجة عوامل أخرى.

وقال هيد: "من المحتمل أنها ليست بسبب اللقاح، ولا توجد آلية بيولوجية واضحة تشير إلى أن هذه الحالات ناجمة عن اللقاح".

وتبين في الماضي أن بعض اللقاحات لها آثار جانبية نادرة ولكنها خطيرة. وعلى سبيل المثال، أثيرت مخاوف بشأن الآثار الجانبية خلال جائحة إنفلونزا الخنازير H1N1 عام 2009، حيث تبين في النهاية أن أحد اللقاحات المستخدمة له علاقة بداء "الخدار"، وهو أحد اضطرابات النوم المزمنة.

وقال الخبراء إن الاحتمال البعيد لا يفوق مخاطر توقف التطعيمات.

وقال ستيفن جريفين، رئيس مجموعة أبحاث الأدوية المضادة للفيروسات والأورام الفيروسية بجامعة ليدز، لـ CNN: "أرى أنه من المفيد للغاية تطعيم الناس ضد كوفيد-19 بدلاً من تعليق اللقاح مؤقتاً بسبب ارتباط غير محتمل للغاية مع اضطرابات التخثر".

وأضاف جريفين أن "مخاطر كوفيد-19 على السكان أعلى بكثير من أي آثار جانبية محتملة لأي لقاح".

وقد تكون العواقب المباشرة على برنامج التطعيم أكبر، حيث يفوت الأشخاص مواعيد التطعيم أو يلاحظون تأخيرات في التطعيمات.

وأضاف هيد أنه "حتى لو كانت فترة التعليق قصيرة، أي بضعة أيام فقط، فإن هذا لا يزال يعني أن برنامج التطعيم لم يصل إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص كما ينبغي، بما في ذلك الأشخاص المعرضين لمخاطر عالية".

هل يمكن أن تسبب المخاوف تردداً بشأن أخذ اللقاح؟

ويتوقع الخبراء أن تطرح الدول الأوروبية جرعات لقاح "أسترازينيكا" مرة أخرى قريباً، ولكن التأثير طويل المدى لقرار التعليق يسبب القلق.

وأعرب هيد عن قلقه بشأن تردد أخد اللقاحات في جميع أنحاء أوروبا، واصفاً التعليقات السابقة التي أدلى بها رئيس الوزراء الفرنسي إيمانويل ماكرون حول فعالية جرعة أسترازينيكا لدى كبار السن بأنها "غير مفيدة"، وشدد على أن مخاوف الجلطات الدموية الأخيرة قد تؤدي إلى تفاقم المشكلة.

وقال هيد: "مثل هذا المخاوف لديها القدرة على زيادة التردد في أخذ اللقاح".

وأظهرت الدراسات أن التشكيك في لقاحات "كوفيد-19" مرتفع بشكل خاص في فرنسا.

وحتى المخاوف بشأن جرعة محددة يمكنها أن تبطئ طريق العالم للخروج من الجائحة. 

وقال هيد: "ما لا نريده هو أن يقول الناس، سأنتظر لقاحاً آخر"، مضيفاً أنه بهذا النحو "لن تتم حماية عدد كافٍ من الأشخاص، وسوف يعيق هذا برنامج التطعيم، وسيكون هناك المزيد من حالات الإصابة بكوفيد-19 أكثر مما يجب".