هل لمرض الطاعون من أثر على نظام مناعتنا البشرية اليوم؟

صحة
نشر
6 دقائق قراءة
هل لمرض الطاعون من أثرعلى نظام مناعتنا البشرية اليوم؟
Credit: Museum of London Archaeology (MOLA)

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- "الموت الأسود" أو الطاعون، الجائحة الأكثر فتكًا في العالم، التي قضت على نصف سكان أوروبا في العصور الوسطى (القرن الرابع عشر) خلال سبع سنوات، غيّرت مسار التاريخ البشري.

لكن ماذا عن الناجين من الجائحة التي سُجّل فيها أعلى معدل وفاة بالتاريخ على الإطلاق؟ يشير بحث جديد نُشر في مجلة نيتشر الأربعاء، إلى أنّ الحظ ليس فقط حدّد من بقي على قيد الحياة ومن فارقها.. بل أكثر من ذلك.

حدّد تحليل الحمض النووي المأخوذ من ضحايا الموت الأسود والناجين منذ قرون، اختلافات جينية رئيسية ساعدت الناس على النجاة من الطاعون.

ولفتت الدراسة إلى أنّ هذه الاختلافات الجينية ما زالت تشكّل أنظمة المناعة البشرية اليوم، بفضل جينات منحت حماية من الطاعون، تبين أنها مرتبطة اليوم بزيادة التعرّض لأمراض المناعة الذاتية مثل التهاب المفاصل الروماتويدي، والتهاب كرون.

وقال لويس باريرو المؤلف المشارك في الدراسة، وأستاذ الطب الوراثي في ​جامعة شيكاغو، لـCNN، "إنّنا أحفاد من نجوا من الجائحات في الماضي.. وتكمن أهمية فهم الآليات التطورية التي ساهمت في بقائنا على قيد الحياة، ليس فقط من وجهة نظر علمية، لكن يمكنه إعلامنا عن الآليات والمحددات الجينية للتعرض للأمراض راهنًا".

عينات حفرة الطاعون

شملت الدراسة التي امتدّت لسبع سنوات، استخراج الحمض النووي المعزول من ثلاث مجموعات مختلفة من بقايا الهياكل العظمية المكتشفة في لندن والدنمارك: ضحايا الطاعون، ومن ماتوا قبل تفشي الطاعون، ومن فارقوا الحياة بعد فترة من انتشار الطاعون تراوحت بين 10 ومئة سنة.

أُخذت أكثر من 300 عينة من لندن، المدينة التي تضررت بشدة جراء الطاعون، ضمنًا من أشخاص دفنوا في حفر طاعون إيست سميثفيلد المستخدمة للدفن الجماعي، في ذروة تفشي المرض بين عامي 1348 و1349. تم أخذ 198 عينة أخرى من رفات بشرية مدفونة في خمسة مواقع في الدنمارك.

تم استخراج الحمض النووي من العاج في جذور أسنان الأفراد، وتمكن الباحثون أيضًا من التحقق من وجود بكتيريا اليرسينيا الطاعونية المسبّبة للطاعون. ثم قاموا بالبحث عن علامات التكيف الجيني مع المرض.

وأوضح هندريك بوينار، المؤلف المشارك وأستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة ماكماستر في هاميلتون، أونتاريو لـCNN "أنّها عملية طويلة، لكن في نهاية المطاف لديك التسلسل الجيني لهؤلاء الأشخاص من قبل، وخلال، وبعد تفشي الطاعون ويمكنك أن تسأل: هل تبدو الجينات التي يحملها أحد السكان مختلفة عن تلك التي يحملها السكان الآخرون".

وحدّد الفريق نوعًا مختلفًا من جين معين، يُعرف باسم ERAP 2، يبدو أنه يرتبط على نحو وثيق بالطاعون. قبل "الموت الأسود"، وجد أن المتحور من ERAP2 يحمي من الطاعون، وذلك بنسبة 40٪ من الأفراد المشمولين في دراسة لندن. بعد الموت الأسود، كانت النسبة 50٪. في الدنمارك، كان التفاوت المئوي أكثر وضوحًا، فقد تغير من حوالي 45٪ في العينات المدفونة قبل الطاعون إلى 70٪ في العينات المأخوذة من جثث دفنت بعد ذلك.

ما برح الفريق يجهل إلى الآن سبب منح هذا البديل الحماية، لكن التجارب المعملية التي أجروها على الخلايا المستزرعة أشارت إلى أن الأشخاص الذين لديهم متحوّر ERAP 2، أثارت خلية مناعية معروفة باسم البلاعم، استجابة مختلفة تمامًا ليرسينيا بيستيس، كما أوضح بارييرو. كانت البلاعم المأخوذة من الأشخاص الذين لديهم هذا المتحور أكثر قدرة على قتل البكتيريا خلال التجارب المعملية من البلاعم المأخوذة من الأفراد الذين يفتقرون إليها.

وأردف: "ما زلنا نجهل إذا كان هذا المتحور ما زال يحمي من الطاعون، ذلك أنّ عدد الحالات نادر جدًا في يومنا، لكننا نفترض أن يكون الأمر كذلك". وتابع أنه يفترض أن يكون المتحور مفيدًا ضد مسببات الأمراض الأخرى، رغم أن هذا لم يكن جزءًا من البحث.

ثمن الحصانة المناعية

الجانب السلبي لهذا المتحور أنه ارتبط بقابلية أكبر للإصابة باضطرابات المناعة الذاتية، مثل مرض كرون، حيث يصبح الجهاز المناعي نشيطًا جدًا.

وقال باريرو: "يشير هذا إلى أنّ المجتمعات التي نجت من الطاعون دفعت ثمنًا، من خلال تشكيل جهاز مناعي يزيد من قدرتنا على محاربة أنفسنا".

وتابع إنه من غير المحتمل أن يؤدي تفشي فيروس "كوفيد-19" إلى تشكيل نظام المناعة لدينا بطريقة مماثلة، لأن المرض يقتل الناس في الغالب بعد سن الإنجاب، ما يعني أنه غير مرجح أن تنتقل الجينات التي تمنح الحماية إلى الجيل التالي.

وأشار ديفيد إينارد، الأستاذ في قسم البيئة وعلم الأحياء التطوري في جامعة أريزونا، غير المشارك في البحث، إلى أنّ هذا التغيير في التركيب الجيني البشري الذي يحدث خلال عقود مثال نادر أيضًا على الانتقاء الطبيعي السريع.

وكتب في تعليق أرفق بالدراسة: "أنّ الفترة الزمنية القصيرة التي أخذت خلالها العينات، والعدد الكبير للعينات التي تم تحليلها، تشكل نقاط قوة للدراسة، الأمر الذي يسمح للمؤلفين بتحديد تاريخ الانتقاء الطبيعي بدقة".

وتابع: "رغم أن علماء الأحياء التطورية قد تساءلوا سابقًا عن إمكانية الانتقاء الطبيعي خلال الموت الأسود، إلا أن التحقيق المناسب لم يكن ممكنًا من دون هذا التأريخ الدقيق للعديد من العينات".