رأي.. الأب الدكتور رفعت بدر يكتب لـCNN: التسامح.. أكثر من حبر على ورق وأبعد من مصطلح عابر

الشرق الأوسط
نشر
صورة لجسر التسامح للمشاة الرابط بين ضفتي قناة دبي المائية

هذا المقال بقلم الأب الدكتور رفعت بدر، مدير المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن، والآراء الواردة أدناه تعبّر عن رأيه ولا تعكس بالضرورة وجه نظر شبكة CNN.

لدى الحديث عن "التسامح"، علينا أولاً أن نعمل "معًا" على تنقية هذا المفهوم من أمرين، وهما خطآن شائعان، مع كل أسف، وبالأخص في البلدان العربية.

 أولاً: القول أو الاعتقاد بأن التسامح –باللغة العربية- ينبع من الجذر "سمح" فتتم الخلطة العجيبة بينه وبين "المسامحة". ويظن المتلقي بأنّه على أتباع دين أن يسامحوا ويصفحوا ويغفروا لأتباع دين الآخرين، كون هؤلاء قد أخطأوا تاريخيًا تجاه أولئك، وعليهم طوال الدهر أن يعيشوا "حالة" دائمة من الشعور بالذنب وطلب الصفح والعفو.

ثانيًا: إنّ مفهوم التسامح، وشقيقته "السماحة"، يوهم بأنّ هنالك دينًا صدره واسع وآخر تابع خانع له، وإذا أراد أتباع عقيدة ما أن يعيشوا بسلام، فهذا منّة وعطية من الطرف الآخر الذي هو أقوى وأحقّ بالحياة وأعلى وممتلئ كرامة وكرمًا وسخاء وجودا ( وهذا أحد معاني التسامح باللغة كذلك).

لنتفق إذاً أن التسامح هو ليس كذلك. ونضيف إليه أيضًا كلمة Tolerance الإنجليزية، فهي توحي كذلك بأنّ حياة جهة ما منوطة بكرم الجهة الأخرى، فعلى أتباع ما يسمّى بالأقلية (والحديث هنا عن المفهوم بمعناه الديني وليس السياسي) أن يشعروا دائمًا بأنهم tolerated  أي مُنعم عليهم بأن يعيشوا فضلاً من كرم حاتمي Superior وهي تعني بمفهوم اليوم "التساهل"، وكأنهما – أي طرفي الحوار - يرضيان بالعيش أو بالتعايش – كما يحلو للعرب أن يقولوا - متجاورين Neighbours على مضض.

فما هو النَفَس المعاصر للتسامح بين الأديان؟

للإجابة على ذلك، نعود إلى "الإرشاد الرسولي" الذي وقّعه البابا بندكت السادس عشر في لبنان، في 14/9/2012، وهو خلاصة السينودس (المجمع الكبير) الذي ضمّ مختلف مسيحيي الشرق في أكتوبر 2010، وتحدث صراحة عن "واجب" الانتقال من "التسامح الديني" إلى "الحرية الدينية" (الإرشاد الرسولي، رقم 27). اليكم ما يقول حرفيا :

"التّسامح الدّيني موجود في العديد من الدّول، لكنَّه لا يؤدِّي إلى نتيجة ملموسة لأنَّه يبقى محدوداً في نطاق تطبيقه. من الأَهَميِّة بمكان الانتقالُ "من" التّسامح الدِّينيِّ "إلى" الحُرِّيِّة الدِّينيِّة. هذا الانتقال لن يَتَسَبَّب في النِّسْبَويَّة، كما يؤكِّد بعضُّهم. فهذه الخطوة الواجبة ليست تصدَّعاً في المعتقد، لكنها إعادةُ نظرٍ في العَلاقة الأنثروبولوجيَّة مع الدّين والله. ليست تعدِّياً على “الحقائق المؤسِّسة” للمُعتقد، لأنَّه، على الرّغم من الاختلافات البشريّة والدّينيّة، ثمَّة بَصِيصٌ مِنَ الحقيقةِ يُنير جميع البشر".

 بهذا المفهوم نجد نقصًا لدى مصطلح "التسامح" للتعبير عمّا يحتاجه إنسان اليوم، من مساواة كاملة ونظرة حقيقية إلى كرامته وحريته. فمن دون "الحرية الدينية"– كاملة الدسم- وليس فقط التوقف عند "حرية إقامة الشعائر الدينية"، أو "حرية العبادة"، لن نقول بأن مجتمعاتنا الإنسانية تحترم حقًا كرامة الإنسان المقدّسة من كرامة خالقها. ونعني بالحرية الكاملة هي الحق باتباع المعتقد الذي فيه "خلاص الانسان" بعد هذه الحياة، وهو ما يسمى بالخلاص الأبدي.

مصطلحات جديدة لعالم جديد. هذا هو الطموح، فيصبح لدينا معانٍ جديدة للتسامح، لا نتوقف عند ما حذرنا منه في بداية الحديث، وهو تكريس للغة الأكثرية والأقلية، والفوقية والتحتية، والنظر إلى حرية الآخر كأنها منّة وعطية من أحد.

ولما كانت الحرية الدينية في بلداننا العربية تضع التوجس والتخوّف في العديد من المجتمعات، ذلك أنها تحثّ الإنسان، وبدون أي مساومة على اتّباع ضميره في المسائل الدينية، لا بل أنها تشمل حرية اختيار الديانة التي يرتئي الشخص أنّها صحيحة والتعبير علانية عن هذا المعتقد، فإننا ندعو على الأقل – في الوقت الراهن- إلى استخدام المصطلح السياسي والاجتماعي، أو السوسيوبوليتيك، الأقرب إلى القبول في مختلف المجتمعات، وبالأخص العربية، أعني به مصطلح: المواطنة.

ولا يعني المفهوم مشاعر الانتماء والولاء إلى وطن ما، فهذا أمر جيّد، ويسمى الروح الوطنية، ولكنّه يتخطاه إلى التبادلية بين المواطن –الفرد- والأسرة، من جهة، والمجتمع والقوانين من جهة أخرى. وهذه التبادلية هي التساوي في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن التفاوت –أو التنوّع- باللغة أو العرق أو العشيرة أو الدين أو الطائفة أو الجنس أو "الجندر." فالإنسان من حقه العيش بكرامة وحرية ومساواة. وهذه الأخيرة تعني النظر بالتساوي إلى الفرد بأنه مساوٍ للآخر في الفرص والوظيفة والمركز الاجتماعي، بحسب كفاءته العلمية و"كاريزماه" الخاصة، لكي يسهم في خدمة مجتمعه ونهضة بلده، دون أن يشعر بأنه مستثنى من الطموح والحلم والانجاز والنظر إلى الغد بدراية ومقدرة على إحداث التغيير.

الدولة المدنية :

ولا نذهب بعيدًا إن انتقلنا بالحديث عن قيم التسامح والحرية الدينية والمواطنة إلى مفهوم الدولة المدنية، التي تسمّى بلغة "سيادة القانون"، وهذا أيضًا من أهم متطلبات مجتمعات اليوم، والرامية إلى تحسين معيشه المواطن، ضمن سياق المساواة القانونية والدستورية في النظر إلى المواطنين بمقدار احترامهم لقوانين بلادهم. ومسيحيًا، ولأول مرّة، دعا بطاركة الشرق الكاثوليك مؤخرًا إلى إرساء قوانين الدولة المدنية (وهي ليست الدولة العلمانية) التي تقصي الدين عن الدولة.

يقول البطاركة في رسالتهم المشتركة عام 2018: "نريد من حكّامنا أخيرًا أن يبنوا لنا الدولة المدنيّة التي تساوي بين جميع مواطنيها، لا يفرّق شيء بين مواطن ومواطن، لا الديانة ولا أيّ سبب آخر. دولة يشعر فيها كلّ مواطن أنّه في وطنه وأنّه مساوٍ لجميع مواطنيه، وكلُّ فرص الحياة والحكم والعمل متاحة له، مهما كان دينه. فهو أخ لكلّ أخ له في الوطن الواحد، وله وعليه الحقوق والواجبات نفسها".

وأخيرًا وليس آخرًا، تحيّة لدولة الإمارات العربية المتحدة التي اتخذت شعارا لهذا العام 2019: "عام التسامح"، بعد أن استحدثت قبل سنوات وزارة تُدعى بهذا الاسم، وأقرّت قانون "تجريم وتحريم الإساءة إلى الأديان". ولنأخذ من "عام" التسامح شرعة لـ"حالة" التسامح التي على بلداننا العربية الخارجة للتو من نفق الإرهاب وناره المستعرة، أن تدخل في منطقه. ولنأخذنّ التسامح ليس في مصطلحه التقليدي المحشو بالأخطاء الشائعة، بل في معناه الواسع الرامي إلى احترام الكرامة الإنسانية وتقدير الحق في الحياة لدى كل إنسان، والنظر إلى الأسرة البشرية من باب "الأخوّة الإنسانية" والتي تحتفل بها الإمارات العربية كمؤتمر دولي، ولكن أيضًا كسياسة ورسالة تُصدّر إلى دول العالم.

من التسامح إلى الحرية الدينية الى الدولة المدنية، قيم يحتاجها إنسان اليوم، كحاجته إلى الهواء والماء والغذاء، وقوامها الاحترام المتبادل، بين جميع مكوّنات المجتمعات الحديثة، فلم يعد إنسان واحد يطيق أو يتحمّل بأن يكون متحمّلا، او ممارسا عليه التمييز، ولا تحت أي ذريعة.

قد يعجــــبك أيضـــاً

نشر