مصطفى كامل السيد يكتب عن الفساد في مصر: نهب للمال العام واستغلال الوظيفة لتكوين الثروات

رأي عن الفساد بمصر: نهب للمال العام واستغلال للوظيفة

رأي
نُشر يوم يوم الاثنين, 04 ابريل/نيسان 2016; 09:34 (GMT +0400). آخر تحديث الأحد, 11 سبتمبر/ايلول 2016; 09:22 (GMT +0400).
تجمع لمتظاهرين مصريين ضد حسني مبارك في ميدان التحرير بالقاهرة

تجمع لمتظاهرين مصريين ضد حسني مبارك في ميدان التحرير بالقاهرة

هذا المقال بقلم مصطفى كامل السيد، وهو ضمن مقالات ينشرها موقع CNN بالعربية بالتعاون مع صحيفة الشروق المصرية، والآراء الواردة أدناه لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة CNN.

تثير الإطاحة بالمستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات على خلفية اتهامه بنشر بيانات مبالغ فيها عن حجم الفساد في مصر أدلى بها لصحيفة يومية، قضايا عديدة منها ما هو المقصود بالفساد؟ وماهى مظاهره؟ وكيف يمكن مكافحته؟ وما هى شروط النجاح في ذلك؟ وما هى الشروط التى يتعين توافرها في الأجهزة الحكومية المسئولة عن كشفه واقتراح علاج أسبابه؟

وبداية لابد من الاعتراف بأن الفساد قضية معقدة وخلافية، وأنه ليس هناك قول فصل لا في تحديد أسبابه ولا في قياسه، ومن ثم فكل حديث عنه هو مجرد اجتهاد يحمل وجهة نظر محددة، وقد تكون، بل من المؤكد، أن تكون هناك وجهة نظر أخرى، والنقاش حوله يشغل الأكاديميين، ولكن دعوة أجهزة الدولة إلى أن تفصل في النقاش الذى يدور حوله هو تحميل لها بما هى ليست بالضرورة مؤهلة له، وخصوصا إذا كانت الهيئة الحكومية المدعوة للقول النهائي في هذا الموضوع هى نفس الهيئة التى توجه الاتهام بالفساد.

خذ مثلا أنواع الفساد، هناك الفساد السياسي مثل تزوير الإنتخابات، وهناك الفساد الأخلاقي، وهو البعد عن معايير الأخلاق الحميدة التى يقبلها المجتمع، وهناك الفساد الإداري مثل المجاملة في الترقيات وفي التعيين داخل الجهاز الحكومي إرضاء لأصحاب النفوذ أو مجاملة للأقارب، وهناك الفساد المالي، مثل الانخراط في ممارسات الاختلاس من المال العام أو قبول الرشوة، وهناك الفساد الصغير الذى ينشر بين صغار الموظفين، ورقة العشرين جنيه التى يتم دسها للحصول على شهادة حكومية هى حق مؤكد لمن يطلبها، وهناك الفساد الكبير مثل تلقي كبار الموظفين عمولات سخية لتسهيل تمرير صفقة مع واحدة من كبريات الشركات.

والواقع أن أخطر أنواع الفساد هى تلك التى يصعب توقيع العقاب على من ينخرط فيها. هل عوقب أحد على جريمة تزوير الإنتخابات، وهى من أكثر صور الفساد شيوعا في مصر؟ ولنذكر أنه رغم توافر الدلائل على تزوير الإنتخابات في مصر طوال عهد مبارك مثلا، إلا أنه لم يوجه له هذا الإتهام بعد ثورة يناير، لأنه من الصعب العثور على وثيقة رسمية تحمل أوامر منه بتزييف الإنتخابات، كما أن عقوبة تزوير الانتخابات هي  جد هزيلة في القوانين المعمول بها في مصر، وفيما يتعلق بالفساد الكبير، فمن الملاحظ أنه يسهل على من برعوا فيه أن يجدوا لهم مخرجا إذا ما تم الكشف عما قاموا به، إما لأن القانون يسكت عن مثل هذه الممارسات، أو لأنهم يجدون من المحامين من يستغلون ثغرات القانون لتبرئتهم، وهكذا كان حال الفساد الكبير الذى انخرط فيه كبار قادة نظام مبارك، فقد انتهت معظم محاكماتهم إلى تبرئتهم، وتفتق ذهن وزير العدل السابق عن الاكتفاء بالصلح معهم والعفو عنهم إذا ما دفعوا مبلغا من المال، وهم من البراعة بحيث يخفون معظم مصادر ثروتهم ليتظاهروا أمام المحاكم بأن الدولة قد حصلت منهم على جل ثروتهم، فلا يبقى منها سوى ما يكفيهم ضرورات الحياة، وهو ما قد يستدر شفقة السذج من المواطنين.

***

طبعا لا أريد بهذا الطرح أن أدعو للتخلى عن مكافحة الفساد، ولا حتى لدعوتكم لتصديق بعض الخبراء في هذا الموضوع الذين اكتشفوا أن بعض الفساد ضرورى أو هو مصاحب للتنمية، ففى مواجهة التعقيدات البيروقراطية، قد لا يكون هناك مفر أمام بعض الشركات سوى دفع " إكراميات" لكبار الموظفين أو صغارهم فقط لتسهيل أمورهم والتى تتفق تماما مع القانون، ولكن في مواجهة تعنت بعض كبار الموظفين أو صغارهم، فلا يكون أمامهم سوى "الدفع" تسهيلا لنشاطهم وتذليلا لعقبات مصطنعة يفتعلها هؤلاء الموظفون. ولذلك  فإن معدلات الفساد التى تكشف عنها تقارير منظمة الشفافية الدولية هى جد مرتفعة في بعض الدول التى عرفت في السنوات الأخيرة معدلات نمو مرتفعة مثل الصين والهند والبرازيل. قد تكون هذه الحجة مفهومة في هذه الدول، ولكنها بكل تأكيد لا تنطبق على مصر، فالفساد في مصر إقترن بمعدلات نمو منخفضة لم تصل إطلاقا إلى ما عرفته هذه الدول، كما أنه لم يرتبط بالضرورة بتسهيل الأعمال، ولكن بنهب المال العام، واستغلال الوظيفة لتكوين الثروات.

لا داعى مؤقتا لهذا التوسع في تعريف الفساد، ولنقتصر على الفساد المالي الذى ينخرط فيه الموظفون العموميون أو من يشغلون مناصب عامة. القاعدة العامة هى أن أخطر أنواع الفساد هى تلك التى لا تقع تحت طائلة العقاب، ولا يجرمها القانون. ولتحكموا أنتم بأنفسكم أعزائي القراء. فلنقل أن الفساد المالي هو إهدار المال العام إما لتحقيق كسب خاص أو إنفاقه فيما ليس ضروريا للوطن وليس بالتأكيد أولوية عالية له. هذا الفساد المالي يمكن أن ينجم عن استغلال المنصب العام للحصول على نفع خاص، وكما ذكرت هذه هى صورة الفساد التى تقفز فورا إلى الأذهان. إستخدام أحمد عز نفوذه كزعيم للأغلبية في مجلس الشعب لتعديل قانون مكافحة الاحتكار الذى كان مجلس الشعب قد وافق عليه بالفعل هو استخدام لمنصب عام تحقيقا لمصلحة خاصة، وتضخم ثروة حبيب العادلى بلا سند قانوني أثناء توليه منصب وزير الداخلية هو يندرج في هذه الفئة. ولكن إلى جانب الفساد المالي  الفردى هناك أيضا الفساد المالي المؤسسي، عندما تستغل إحدى مؤسسات الدولة وضعها المتميز في جهاز الدولة للحصول لها أو لأفرادها على امتيازات خاصة لمجرد انتمائهم لهذه المؤسسة فذلك هو أيضا فساد مالي، وهناك أيضا فساد السياسات عندما توجه موارد هائلة لتنفيذ مشروعات ليست ضرورية، لم تخضع للدراسة، ولم تكن موضوعا لنقاش عام، وخصوصا عندما لا يكون سبب انتهاج هذه السياسات هو الحفاظ على عمالة أو الخضوع لضغوط من جانب بعض العاملين الذين يجدون التحول إلى وظائف أخرى نقلة لا يريدون التكيف معها. لقد انتقد المستشار هشام جنينة الإمتيازات غير المبررة التى تحظى بها بعض مؤسسات الدولة مثل الشرطة والقضاء. وها نحن نرى مجلس النواب يسير على نفس المنوال رافضا اقتراح مجلس الدولة بإسقاط بند في لائحته يطالب بإدراجها رقما واحدا في ميزانية الدولة وإخضاعها لرقابة الجهاز المركزى للمحاسبات. وكمثل للسياسات التى  تهدر المال العام الإبقاء علي مشروعات خاسرة في القطاع العام دون إعادة تأهيلها، أو الإبقاء على العمالة الضخمة والخسائر الهائلة التى تتحملها ميزانية الدولة سواء في مبنى ماسبيرو أو في معظم الصحف القومية. لو كانت كل سياسات ومشروعات حكومتنا تخضع للنقاش العام وتجرى بلورتها بعد مقارنتها بالبدائل الأخرى وبأولويات الوطن لتجنبنا هذا الهدر في المال العام في وقت تعاني فيه ميزانية الدولة من عجز يصل بحسب الحساب الرسمي لأكثر من 11% من الناتج المحلى الإجمالي. لو كانت سياساتنا في كافة المجالات تفي بشروط الحكم الرشيد من إلتزام بحكم القانون، ومن رشادة في صنع القرار، وشفافية، ومساءلة ومشاركة شعبية لأمكن توجيه الجانب الأكبر من مواردنا لدفع تنمية طاقاتنا الإنتاجية والنهوض بالتعليم والصحة، وهما من أولويات التنمية الإنسانية.

***

لعل هذا التحليل يبين لكم كم هو صعب قياس الفساد، وكم هو سهل الإمساك بأكثر صوره وضوحا، ولكنها ليست بالضرورة أشدها خطورة. كما أن هذا التحليل يبين أيضا صعوبة أن يضطلع جهاز حكومى واحد بمكافحته. وإذا كان من المستحيل القضاء المبرم على الفساد فإن شروط مكافحته تشمل أولا أوضاع النظام السياسي بما يتيحه من شفافية من خلال احترام حقوق التعبير والبحث العلمي وإتاحة ما يتوافر من معلومات عن الفساد للمواطنين ولمراكز الأبحاث. ولعلكم تعرفون أن تقارير جهاز المحاسبات وكذلك تقارير هيئة الرقابة الإدارية لا تتاح إلا لرئيس الدولة ورئيس الوزراء وربما لرئيس مجلس النواب، ولكنها خارج هذه الدائرة الضيقة نادرا ما تتاح لا لمراكز الأبحاث ولا للرأى العام، وأتحدث هنا عن تجربة شخصية. الشروط الأخرى للنجاح في مقاومة الفساد تشمل ضرورة المساءلة الحازمة للمتورطين فيه بكافة صوره. كما أن ضمان استقلال الأجهزة الحكومية المنوط بها مكافحة الفساد هو أمر أساسي. ولذلك فربما كان إصدار الرئيس السيسي قانونا يتيح له عزل رؤساء هذه الهيئات بمثابة سيف مسلط من رئيس السلطة التنفيذية على هذه الأجهزة. وتؤكد الإطاحة بهشام جنينة أن هذا السيف قد يسقط على رأس أى منهم في أى لحظة دون أن يعرف السند القانوني لسقوطه.  

ترحب شبكة CNN بالنقاش الحيوي والمفيد، وكي لا نضطر في موقع CNN بالعربية إلى مراجعة التعليقات قبل نشرها. ننصحك بمراجعة إرشادات الاستخدام للتعرف إليها جيداً. وللعلم فان جميع مشاركاتك يمكن استخدامها، مع اسمك وصورتك، استنادا إلى سياسة الخصوصية بما يتوافق مع شروط استخدام الموقع.

الآراء الواردة أدناه لا تعبر عن رأي موقع CNN بالعربية، بل تعكس وجهات نظر أصحابها فقط.

{"author":"mabouawad","branding_ad":"MiddleEast_Branding","branding_partner":"","broadcast_franchise":"","friendly_name":"مصطفى كامل السيد يكتب عن الفساد في مصر: نهب للمال العام واستغلال الوظيفة لتكوين الثروات","full_gallery":"FALSE","gallery_name":"","gallery_slide":"","publish_date":"2016/04/04","rs_flag":"prod","search_results_count":"","search_term":"","section":["middle_east"],"template_type":"content: no media","topic":"","video_collection":"","video_hpt":"","video_opportunity":"0","video_player_type":""}