امرأة نجى والداها من الهولوكوست تحكي عن زيارتها لموقع المحرقة

سياحة
نشر
امرأة نجى والداها من الهولوكوست تحكي عن زيارتها للمحرقة
3/3امرأة نجى والداها من الهولوكوست تحكي عن زيارتها للمحرقة

ليس من السهل زيارة معسكر "أوشفيتز بيركينو،" والعبور في بوابته التي تدخل من خلالها إلى عالم ذو وحشية وقسوة لا يمكن تخيلها.

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- قبل أن أستطيع الحديث عنها، كنت أعلم بالأرقام التي غطّت جانب ساعد أمي. 

كان على جلد والدي أيضاً ختم شبيه أيضاً، كما هو حال خالتي وخالي. فهمت ضمنياً أن رغم أنهم سعداء جداً في دائرة أسرتنا، إلا أنهم يوماً ما في الماضي، لم يكونوا سعداء. 

تجنبوا إخبارنا بقصصهم المأساوية لأطول وقت ممكن، لكن في نهاية المطاف، عرفت أنا وأخواتي الحقائق المجرّدة التي شاركوها، عن الأهل الميتيين، والأخوة المفقودين، بينهم عمي الذي لم يعد له أثر. 

لا أختلف عن كثير من الأبناء الذين كان أهلهم من الناجين من الهولوكوست. فلدينا قاسم مشترك. أحاطنا كمّ كبيرٌ من الحب، الناتج عن الخسارة والشعور بالذنب، ونتشارك مهمة تذكّر واحترام من يحبوننا، وذكرى من خسروهم. 

لذا، عندما وصلني بريد إلكتروني يذكر أنه سيقام احتفال رسمي لإحياء الذكرى الـ 75 لتدمير حي "Radom" المخصص لليهود في بولندا، اجتاحتنا أنا وأخواتي ردة فعل غريزية. 

كنا نعلم أن 30 ألف شخص يهودي قد قتلوا تلك الليلة، بينهم كثير من أفراد أسرتي. أردنا  المشاركة بالاحتفال، للذهاب لمسقط رأس أسرتي، وتكريم ذكرى أعمامنا وعماتنا وجداتنا وأجدادنا الذين رحلوا ضحية المجرزة. 

لم يكن لدينا أدنى فكرة عن كيف سنصمد أمام تلك العاصفة من المشاعر. لكن، تبخّر ترددنا عندما علمنا أن ثلاثة من أولادنا رغبوا بمشاركتنا تلك التجربة. كان جميعهم بالغاً: بنات أختي في الـ 37 والـ 18 من العمر، وابني في الـ 31 من العمر. كان يفصل بيننا جيل كامل، وانحدروا كلّهم من تاريخ أسرتنا، وكانوا محظوظين بحب ودفء أجدادهم. 

تضحيات بطولية

وللوصول إلى "Radom،" كان علينا بدء رحلتنا في العاصمة البولندية وارسو. 

وفي العام 1942، أُخرج أكثر من 300 ألف يهودي من منازلهم في وارسو، وأجبروا على الذهاب إلى الاحياء المخصصة لليهود، ومن ثم خنقوا بالغاز في معسكر "Treblinka" على مدى شهرين. 

وجال بنا الدليل حول بقايا مجتمعٍ كان مفعماً بالحياة في الماضي. وبدأت الجولة في مقبرة يهودية غطّتها الأعشاب وملأتها شواهد قبور لأشخاص توفوا قبل الحرب العالمية الثانية. وشهدت ألواح كئيبة وأشعار تفطر القلب على إبادة المجمع اليهودي في وارسو. 

وسمعنا قصصاً عن أبطال ضحوا بحياتهم لأنهم رفضوا التعاون مع النازيين، ورأينا بعض الجدران المتبقية لحي وارسو لليهود، تغطيها الأسلاك الشائكة، ونقطة الانطلاق التي أجبر يهود وارسو ركوب ناقلات المواشي للانتقال منها إلى مخيم "Treblinka."

وضمن أسوار الحي اليهودي القديم في وارسو، كان متحف "Polin" الجديد، المخصص لتاريخ اليهود البولنديين. وهو مبنى حديث بارز بني في العام 2013. وتبرز خطوطه الهندسية المصنوعة من النحاس والزجاج، المتباينة جداً مع المباني المهجورة في حي اليهود القديم في وارسو. 

وتعلمنا في هذا المكان عن ألف عام من التاريخ اليهودي في بولندا، عبر تشكيلة مبهرة من العروض التفاعلية.

وعرض الملوك البولنديون في الماضي ملاذاً آمناً لليهود في بلادهم، ما أدى إلى موجة من الهجرة من شتى أنحاء أوروبا. 

لكن، شجبت لاحقاً الكنيسة الكاثوليكية اليهود، الأمر الذي تسبب بغضب البولنديين المتديينين من اليهود، ما جعل حياة اليهود في البلاد شبيهة بحياة الغرباء، كبولنديين يهود، لا يهود بولنديين. 

غرباء للأبد 

وكان حي "Radom" متهاوياً أكثر من مدينة وارسو نفسها. 

وبعد عشاء السبت التقليدي مع زملائنا في الفندق، سار عديدٌ منا في الشارع العام في وارسو.  

وفي البداية، بدت المدينة مليئة بالحياة والابتهاج، لكن أدركنا فوراً أن كثيراً من الرجال كانوا ثملين، وصرخ علينا شبان في الشوارع باللغة البولندية عدة مرات. ومرت الدراجات النارية بجانبنا على قرب غير مريح. 

وفجأة، شعرنا بعزلة غريبة، وبأننا غريبون ليس لأننا أمريكيون، بل لأننا يهود. هل كنا مصابين بالهوس؟ من المستحيل إجابة هذا السؤال. 

وفي فيض من المشاعر، غادرنا حي "Radom" قاصدين مخيّم "Krakow." وكان فندقنا في الحي اليهودي القديم، الذي يبعد رحلة مشي قصيرة عن كنيس يهودي تاريخي وعدد من المطاعم اليهودية التي يملأها الزوار.

ولم يزعجنا أن منطقة المطاعم أخذت طابعاً سياحياً، بل شعرنا براحة غريبة. مشينا بين جموع سياح الصيف لرؤية القصر والساحة في المنطقة، لكن شعرنا بالقليل من الحماس، فكما هو حال اليهود في بولندا قبلنا، كنا نعلم أن هذا ليس تاريخنا. 

وحشية فوق الوصف 

وليس من السهل زيارة معسكر "أوشفيتز بيركينو،" والعبور في بوابته التي تدخل من خلالها إلى عالم ذو وحشية وقسوة لا يمكن تخيلها.

وتألف المعسكر من قسمين، هما "Auschwitz I" و"Auschwitz II-Birkenau." وكانت توجد توجد مبانٍ من القرميد الأحمر في القسم الأول استخدمت لأغراض إدارية أو للتعذيب، بينما احتوى القسم الثاني على سكك القطارات، حيث كانت تتوقف السيارات المليئة باليهود لتنزل ركابها، الذين كان ينتظر غالبيتهم المجهول، وبعضهم كان يتم اختياره لأداء مهمات معينة. 

ولم تبق سوى قليل من تلك الثكنات، لكن بقيت أساساتها المصنوعة من القرميد، حيث يمكن أن تجد الثكنة التي أقام بها والدي عندما عاش في هذا المكان الفظيع... ووصل مجموع اليهود الذين قتلهم النازيون إلى مليون يهودي من كافة أنحاء أوروبا، قتلوا في "أوشفيتز بيركينو."

وفي المقابل، تبقى قصة أمي مجهولة. كانت في المعسكر لفترة وجيزة فقط، ولم تكن قادرة على وصف تجربتها هناك. سألناها مرة أو مرتين، ولم تعطنا معلومات سوى: "لا أذكر." 

نشر