دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- يُعد شوي اللحم على سيخ أو عصا من أقدم تقنيات الطهي التي استخدمها البشر، وفقًا لمؤرخ الطعام كين ألبالا، وهو أستاذ التاريخ في جامعة المحيط الهادئ.
تظهر ولائم اللحم المشوي على السيخ في الملحمتين الهوميريتين "الإلياذة" و"الأوديسة"، حسبما كتبت سوزان شيرات، أستاذة علم الآثار في شرق البحر الأبيض المتوسط بجامعة شيفيلد، في دورية "Hesperia".
وأضافت شيرات أن سيخ الحديد، الذي ربما كان يُستخدم للشواء، بدأ بالظهور في منطقة بحر إيجة منذ القرن العاشر قبل الميلاد. وقد عُثر على مثل هذه الأسياخ في قبور مرتبطة بمحاربين ذكور، ما يشير إلى أن شوي اللحم ربما كان ممارسة مرتبطة بالتجمعات الذكورية وفكرة الرجولة.
قال ألبالا: "أعتقد أن سبب ارتباط هذه الممارسة بالرجال يعود جزئيًا إلى الصيد، والأدوات أو الأسلحة التي كانت تحاكي ما يُستخدم في الحرب"، مضيفًا: "عندما كانوا يحتفلون بالنصر، كانوا يخرجون للتضحية بحيوان للآلهة، وهو ما يشبه إقامة حفل شواء كبير".
لكن شوي اللحم ليس ببساطة عبارة عن تعليق قطعة من اللحم فوق اللهب، إذ أنه في عملية الشواء، لا يُطهى اللحم مباشرة فوق مصدر الحرارة، حسبما يقول ألبالا، بل إلى جانبه، ما يمنح نكهات أغنى وأكثر تعقيدًا.
وأوضح ألبالا: "في أي مكان يتوفر فيه سيخ حاد أو سيف، سيكتشف الناس سريعًا... أنه إذا قمت بالطهي بجانب النار وليس فوقها مباشرة، سيكون الطعم أكثر إثارة للاهتمام".
من المرجح أن الشواء في العصور القديمة كان يتم باستخدام حيوانات كاملة أو أجزاء كاملة من الحيوان. لكن قبل قرون، طور الطهاة في الإمبراطورية العثمانية تقنية مختلفة وأكثر تخصصًا، حيث كانوا يكدّسون شرائح رقيقة من اللحم النيء على سيخ، ليشكلوا كومة كثيفة ومدببة يمكن طهيها أثناء دورانها.

قالت ماري إشين، مؤلفة كتاب "الإمبراطورية الوفيرة: تاريخ المطبخ العثماني"، إن هناك لوحتين مصغرتين في مخطوطة من عام 1620 كُلّف بإنجازها رجل الدولة العثماني حافظ أحمد باشا، تظهران طهاة وهم يقطعون اللحم من أسياخ دوارة مكوّنة من عدّة طبقات.
بعدها يُقدّم الطعام بشكل وجبات أنيقة في الهواء الطلق، ما يشير، بحسب إشين، إلى أن هذا النوع من الطعام ربما كان حاضرًا في النزهات الملكية.
أشارت إشين إلى أنه "في تلك المنمنمات، يمكنك أن ترى أن الأمر كان مرتبطًا بالطبقة العليا".
لا تظهر الرسومات المصغرة اسم هذا اللحم المشوي على السيخ، لكن عثرت إشين على نصوص عثمانية من القرن الخامس عشر تصف هذا النوع من اللحم المشوي الدوار باسم "çevirme kebabı"، أي "الكباب المدوّر".
وأضافت أنه على مرّ السنين، ربما انتشرت هذه الوصفة في أنحاء الإمبراطورية العثمانية، التي كانت تمتد في أوجها من وسط أوروبا إلى شمال إفريقيا وشبه الجزيرة العربية.
من سلاطين العثمانيين إلى الشاورما والتاكو
دخل مصطلح "çevirme" لاحقًا إلى اللغتين العربية والإنجليزية تحت مُسمى "شاورما"، وهي وجبة مشابهة لا تزال محبوبة في الشرق الأوسط وخارجه. في الوقت ذاته، بدأ مصطلح "çevirme" داخل الإمبراطورية العثمانية، يُستبدل بمصطلح تركي آخر أُطلق عليه اسم "دونر".
لم يظهر مصطلح"دونر" مطبوعًا سوى في عام 1908، برواية كتبها حسين رحمي غوربينار، لكن إشين تعتقد أن الكلمة كانت تُستخدم على نطاق واسع آنذاك بالفعل.

تغيرت أيضًا طريقة تناول هذا الطبق، إذ أنه بعد قرون من تقديم لحوم السيخ المشوية ذات الطبقات في النزهات الملكية، بدأ ما كان يُعرف أحيانًا بـ çevirme، ولاحقًا "دونر"، يتحول إلى طعام شعبي.
بحلول أوائل القرن التاسع عشر، أصبح هذا الطبق من الأطعمة المفضلة لدى السيّاح الذين يقصدون مطاعم الكباب في إسطنبول.
وكتب الرحالة الفرنسي فرانسوا بوكفيل، الذي زار إسطنبول عام 1800: "يتفق الأجانب على أن هذا الطبق هو الألذ في البلاد، وأنا أؤيدهم تمامًا في ذلك".
تنتشر مطاعم بيع دونر كباب في شوارع قريبة من ميدان تقسيم في إسطنبول، حيث أصبح طبقًا شهيرًا ومحبوبًا.
مع تنقّل المهاجرين بين القارات والمحيطات، اصطحبوا معهم هذه الوجبة الشهية، وبدأوا بإدخال لحوم مختلفة إليها، وتقديمها بطرق متنوعة، وبأسماء متعددة.
في اللغة الإسبانية، تُعرف هذه الكومة من اللحم باسم "ترومبو"، أي لعبة "البلبل الدوار"، في إشارة إلى الشكل العمودي للّحم أثناء الطهي.
في أواخر القرن التاسع عشر، جلب مهاجرون من الإمبراطورية العثمانية، العديد منهم من ما أصبح يُعرف لاحقًا بلبنان، طبق الشاورما إلى المكسيك، بحسب جيفري إم. بيلتشر، وهو أستاذ تاريخ الطعام في جامعة تورنتو ومؤلف كتاب "كوكب التاكو: التاريخ العالمي للطعام المكسيكي".
قال بيلتشر: "كان هناك أشخاص يفتتحون مطاعم تقدم ما كانوا يسمونه "تاكو عربي" (tacos árabes) في ثلاثينيات القرن العشرين، وخاصة في مدينة بويبلا، التي تضم جالية لبنانية كبيرة، لكن أصولهم كانت عثمانية".
كان "التاكو العربي" يُقدم عادةً في خبز التورتيلا المصنوع من الطحين أو في خبز البيتا، وكان بمثابة تمهيد لظهور "الباستور"، الذي ظهر بعد ذلك ببضعة عقود.
وأضاف:"الجيل الثاني من المهاجرين المكسيكيين من أصول لبنانية، الذين كانوا يعرّفون عن أنفسهم كمكسيكيين، هم من بدأوا ببيع تاكو الباستور في أحياء مكسيكو سيتي مثل كونديسا".
بحلول ذلك الوقت، كان التاكو يقدّم في خبز تورتيلا مصنوع من الذرة، ويُوضع داخله لحم الخنزير، وهو لحم كان متوفراً أكثر من لحم الضأن التقليدي المستخدم في الشرق الأوسط.
وتكونت بهارات التتبيل من صلصة مكسيكية تعتمد على مكونات محلية مثل الأناناس، والأشيوت، والفلفل الحار.
وأضاف بيلتشر:"ما نعرفه اليوم باسم تاكو الباستور هو نتاج ستينيات القرن العشرين".
الدونر كباب يعبر القارات

في أوائل القرن العشرين، جلب مهاجرون من منطقة الأناضول طبقهم المفضل من اللحم المشوي على السيخ إلى اليونان. وتأتي كلمة "جروية" (gyro) من الفعل اليوناني الذي يعني "يدور".
لكن الطبق انتشر من تركيا نحو أوروبا تحت اسمه التركي "دونر".
وكتبت آيشه تشاغلار، وهي أستاذة الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية في جامعة فيينا، أن موجة من العمال الضيوف الأتراك الذين وصلوا إلى ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية جلبوا معهم طبق الدونر، وابتكروا لاحقًا نمطًا جديدًا يختلف عن النسخ المقدمة في تركيا.
اليوم، أصبح الدونر من أكثر الأطعمة شعبية في ألمانيا.

ذكرت هيئة السياحة الرسمية لمدينة برلين "visitBerlin"، أن هناك حوالي 1000 مطعم دونر كباب في برلين وحدها، وغالبًا ما يُقدَّم اللحم داخل شريحة من الخبز.
بحسب رابطة منتجي دونر الأتراك في أوروبا، ومقرها برلين، يحقق هذا الطبق إيرادات سنوية تبلغ 3.5 مليار يورو في أنحاء أوروبا.
يُطالب بعض الأشخاص بتكريم الأصول التركية لهذا الطبق، حيث تقدمت الحكومة التركية في عام 2022، بطلب إلى البرلمان الأوروبي للحصول على وضع "الحماية الجغرافية" لطبق الدونر، وهو التصنيف ذاته الذي يشمل جبن الموزاريلا الإيطالي ولحم جامون سيرانو الإسباني.
لكن حتى في تركيا، لا يزال الدونر في تطوّر مستمر، بحسب الشيف فيدات باشاران، وهو مالك مطعم "Terşane" في إسطنبول، والذي أجرى أبحاثًا معمقة في تراث المطبخ العثماني.
قال باشاران:"لقد انتقل الدونر من طعام شارع إلى طعام المطاعم"، مضيفًا أنه عندما كان طفلًا في السبعينيات، لم يكن الدونر يتمتع بشعبية كبيرة في إسطنبول.
أما اليوم، فإن أكبر مطاعم الدونر في المدينة مثل "Bayramoğlu Döner"، تخدم آلاف الزبائن يوميًا، حيث تُقدَّم شرائح رقيقة جدًا من اللحم على طبق، إلى جانب خبز لافاش رقيق، وسلطة طازجة، وبصل مرشوش بالسماق.
قال باشاران:"أصبح الدونر بمثابة طعام للاحتفالات لكل طبقات المجتمع".



