الاستهلاك الكثيف للماء والكهرباء.. التحدي المؤرق الذي تواجهه السياحة المغربية

العالم
نشر
استهلاك الماء والكهرباء في الفنادق المصنفة بمدينة أكادير
4/4استهلاك الماء والكهرباء في الفنادق المصنفة بمدينة أكادير

الرباط (CNN)-- أن يطوّر بلد ما صناعته السياحية، فذلك أمر محمود للغاية من الناحية الاقتصادية، ما دامت السياحة تُساهم في جلب العملة الصعبة وتحريك النشاط التجاري وتشغيل اليد العاملة وكذا تشجيع الاستثمار الأجنبي. لكن استقبال آلاف أو ملايين السياح، في فنادق مصنفة تمنحهم الرفاهية المطلوبة، وفي بلدان تعيش مشاكل بيئية، أمر قد يجعل المجال السياحي، مدمرًا للأرباح التي يساهم في درّها، فتتحوّل السياحة عندئذ إلى نقمة على المدى البعيد بعدما تقمصت دور النعمة على المجال المتوّسط.

تقارير دولية كثيرة أضحت تُنذر بخطر النمو السياحي على الماء، لا سيما في بلدان في طور النمو ترى في السياحة منفذًا نحو اقتصاد أكبر، لدرجة أن وصل التهديد إلى حق السكان في مياه الشرب. الأمر ذاته ينطبق على الكهرباء، فمع الاستهلاك الضخم للطاقة داخل المؤسسات الفندقية، وما ينتج عن ذلك من استننزاف للإنتاج المحلي أو دفع أكبر نحو الاستيراد، أضحت منظمة السياحة العالمية تطالب صناع السياحة بتقليل استهلاكهم حتى لا يجني القطاع على موارد الطاقة.

وفي المغرب، البلد الراغب في الوصول بسياحته إلى مصاف الكبار، يبقى الخطر ممكنًا، خاصة مع توالي سنوات الجفاف وتعدّد الفيضانات والاستيراد المهول للطاقة، فإن كان المغرب يتمتع بالكثير من المقومات التي تجعله وجهة سياحية قوية كتنوع طبيعته واستقراره الأمني وتوّفره على مئات الفنادق المصنفة، فإنه من ناحية أخرى، ملزم بتوفير أساسيات رفاهية وراحة السياح.. تلك الأساسيات التي تدور كثيرًا في فلك الماء والكهرباء.

تقارير تحمل لغة الخطر

عام 2012، نشرت منظمة "توريزم كونسورن" رسمًا معبرًا في تقرير لها حول "إنصاف الماء في السياحة"، ظهر فيه سياح يمتصون الماء من آواني النساء الفقيرات. المعطيات التي جاءت في التقرير أكدت حقًا هذا الامتصاص، فعبر دراسات شملت تنزانيا وجنوب الهند وغامبيا وأندونيسيا، وهي مناطق تعتمد على السياحة لتطوير الاقتصاد المحلي، أدى النمو السياحي إلى "انتهاك" حق السكان في الماء.

لم يرد اسم المغرب في هذه الدراسة، بيدَ أن تقريرًا آخر تحت عنوان "أثر الصناعة السياحية على موارد المياه العذبة"، أُنجز عام 2011 لصالح مؤسسة السفر البريطانية، أظهر مجموعة من الأخطار التي يعرفها المجال المائي بالمغرب، ومن ذلك النقص الكبير الذي وصل إلى مستوى جد حرج والتأثير السلبي الكبير للتقلبات المناخية على مستوى التساقطات، فيما يعرف خطر نقص الماء على الأمن البشري أكبر مستويات الخطورة.

ويُورد التقرير - الذي انصب على دراسة الكثير من البلدان - أنه إن كان استهلاك الماء في المجال السياحي بالمغرب لم يصل بشكل عام إلى مرحلة التأثير الخطير على مياه الشرب وكذا على مستوى حصة المغرب من المياه العذبة، فإن الخطر يظهر في أن استهلاك السائح الواحد للماء يفوق كثيرًا استهلاك الفرد القاطن بالبلاد في يوم واحد، كما أن جودة الماء من حيث تحميل النتروجين وصلت مستوى مقلقًا، شأنها شأن وفاة الأطفال بسبب الإسهال "432 من كل 100 ألف مولود"، وهي وفيات يربطها التقرير بنقص جودة المياه.

وبخصوص الكهرباء، فالخطر الأكبر يعود إلى تحمل الدولة المغربية مصاريف باهضة لاستيراد الطاقة، فوفق معطيات وزارة الاقتصاد والمالية، يستورد المغرب ما يقارب 96 في المئة من حاجياته الطاقية. كما تشير معطيات حصلنا عليها من المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة عمومية) أن المغرب استورد عام 2015 حوالي 3,015 مليار درهم (311,8 مليون دولار) من الطاقة الكهربائية، بينما لم يكن الرقم يتجاوز عام 2002 حوالي 0,4 مليار درهم.

ويعود هذا الارتفاع إلى الحاجة المتزايدة للكهرباء، إذ يقدر البنك الدولي نمو هذه الحاجة بـ8 في المئة سنويًا، رغم تحقيق المغرب لارتفاع طفيف من نسبة إنتاجه للكهرباء. وينجم عن هذا الحجم الكبير من الواردات ارتفاع فاتورة الإنفاق الحكومي على مجال الطاقة، ممّا يؤثر على ميزانية الدولة.

ارتفاع في أرقام الاستهلاك

حسب الأرقام التي حصلنا علينا من فنادق مغربية، تبقى أرقام فواتير استهلاك المياه والكهرباء مرتفعة في الفنادق المغربية المصنفة، خاصة ثلاث نجوم فما فوق، ونبدأ بفندق كنزي فرح أوروبا، وهو فندق من صنف أربع نجوم في مدينة أكادير، وواحد من سلسلة كنزي فرح التي تتوزع عبر عدة مدن مغربية، فقد وصل المعدل الشهري لاستهلاك الكهرباء في عام 2015 إلى 100 ألف درهم (10 آلاف دولار) بينما يصل معدل استهلاك المياه شهريا خلال السنة ذاتها إلى 40 ألف درهم (4 آلاف دولار).

في فندق آخر من الصنف نفسه، وهو نوفوتيل بالدار البيضاء، التابع لشركة أكور الفرنسية، يبلغ المعدل الشهري لاستهلاك المياه حاليًا ما بين 12 ألف درهم (1,2 ألف دولار)، والخاص بالكهرباء إلى 150 ألف درهم (15 ألف دولار)، وهو رقم يتم تجاوزه بقليل في فندق إبيس، ثلاث نجوم، من السلسلة نفسها.

بينما يصل معدل استهلاك المياه في فندق سوفيتيل، 5 نجوم، تابع للشركة ذاتها، إلى 16 ألف درهم شهريا (1,6 ألف دولار)، والكهرباء إلى أكثر من 400 ألف درهم (40 ألف دولار). ونأخذ مثالًا آخر من خمس نجوم خارج "أكور"، وهو فندق بالم بلازا بمدينة مراكش، فرقم استهلاك المياه يصل شهريا إلى 50 ألف درهم (5 آلاف دولار)، بينما يصل أو يتجاوز بقليل استهلاك الكهرباء إلى 200 ألف درهم (20 ألف دولار).

ويتبيّن أن استهلاك الكهرباء يبقى جد مرتفع مقارنة برقم استهلاك المياه، وإذا قارننا ما يستهلكه فندق واحد "مثلا سوفيتيل" مع ما يستهلكه مثلا بيت واحد، أي ما بين 100 إلى 400 درهم (10 إلى 40 دولار)، يظهر الفرق شاسعًا، كما يظهر أن شركة أكور تعتمد تقنيات أكثر قوة على ترشيد استهلاك الماء، ممّا يجعلها أقل من بقية الفنادق الأخرى في هذا المضمار.

مرافق وسياح يستهلكون أكثر

تتغيّر نسبة الاستهلاك نسبيًا حسب صنف الفندق، ففي فنادق خمس نجوم، حيث تكون الرفاهية أكبر السمات، وحيث يكون الزبون جد متطلب، توجد مرافق تستهلك الطاقة بشكل كبير، ونأخذ مثال سوفيتيل، فهو يحتضن صالات الاسترخاء "سبا" التي لا توجد غالبًا في أصناف أقل، كما يستخدم الكهرباء في تسخين الأفران التي يجب أن تبقى نشطة طوال اليوم لإعداد الطعام في أي وقت يطلبه الزبون، ويستخدمه كذلك في تسخين مياه الاستحمام كذلك، كما يستعمل الفندق نظام تكييف عالي الجودة يتيح استمرار التبريد أو التسخين طوال اليوم، وفق معلومات قدمها لنا إبراهيم الطالبي، مدير تقني بالشركة.

كما يبقى استهلاك الماء أكبر في إبيس، فندق من صنف ثلاث نجوم، فالزبون يستفيد ممّا يوجد في غرفته بشكل يصل أحيانا إلى الإفراط، إذ يأخذ حمامًا باستمرار، لكن يبقى استهلاك الكهرباء أقل لغياب مرافق الرفاهية والخدمة العالية الجودة، في وقت يظهر فيه نوفوتيل، من صنف 4 نجوم، أقل استهلاكًا للطاقة، ويعود ذلك حسب الطالبي إلى طبيعة زبنائه، ففي الغالب ينتمون إلى صنف رجال الأعمال، الذين يبحثون عن الأساسيات وينظرون إلى مقامهم في الفندق كمساعد للقيام بأعمال معينة وليس للسياحة في حد ذاتها، ممّا يجعل متطلباتهم أقل.

ويضيف المحفوظ الفيلالي، مدير فندق كنزي فرح أوروبا بأكادير، أن الاستهلاك الأكبر لا يكون في الغرف، بل في المرافق الأخرى كالمطاعم والمطابخ وصالات الاستقبال والنظام العام للتبريد ومصلحة التصبين، ممّا لا يجعل لنسبة ملء الغرف تأثيرًا كبيرًا: "قد يكون الفندق في موسم سيء من حيث استقبال السياح، ومع ذلك يبقى رقم استهلاكه كبيرًا"، يقول المحفوظ، غير أنه يتفق مع الطالبي في وجود أسواق سياحية معيّنة تستهلك معدل طاقة أقلّ من البقية، وأولها هو السوق الألماني، فالسائح الألماني الأكثر تعوّدًا على التعامل باقتصاد داخل غرفته مع الكهرباء والماء.

إجراءات لخفض الاستهلاك

بالنظر إلى الأرقام التي قدمها المحفوظ الفيلالي، فهناك انخفاض في استهلاك فندق كنزي أوروبا. ففي عام 2008، وصل المعدل الشهري للكهرباء إلى 180 ألف درهم  (18 ألف درهم)، ومعدل المياه بلغ 80 ألف درهم (8 آلاف دولار)، بمعنى أن الكهرباء انخفض بحوالي 15 إلى 20 في المئة، بينما جرى توفير نصف فاتورة استهلاك الماء، وهو انخفاض يؤكد كذلك الطالبي وجوده في أغلب فنادق "أكور" ولو بنسب متفاوتة.

وإجمالًا، فقد شرعت عدد من الفنادق المغربية، وتحت وطأة الاستهلاك الكبير وما يأخذه من ميزانية الفنادق، في اتخاذ إجراءات كثيرة، منها استعمال المصابيح ذات الاستهلاك المنخفض، ووضع أنابيب تتيح تقليل نسبة الماء في الاستحمام دون أن يحسّ الزبون بأي فرق، والتواصل مع الزبناء لترشيد الطاقة ومن ذلك عدم طلب تصبين المناشف دون استعمالها أكثر من مرة، وولوج نظام HACCP، وهو نظام يضمن حماية المواد الغذائية ويشترط الانضباط في كميات استهلاك الماء، وترشيد مياه السقي واستخدام مياه الأمطار في أغراض لغير الشرب أو الطبخ.

كما شرعت الفنادق، يتحدث عبد العزيز صميم، مدير الفيدرالية المغربية للصناعة الفندقية، في عملية التنافس للحصول على علامة المفتاح الأخضر، وهو برنامج دولي غرضه ترويج سياحة مستدامة تحافظ على الطاقة، متحدثًا عن حصول حوالي 64 فندقًا عبر المغرب على هذا المفتاح، ممّا يبيّن انخراط الصناعة الفندقية في ترشيد الطاقة، ووجود انخفاض كبير في المعدل العام لاستهلاك الفنادق منذ بدء المغرب العمل بهذا المفتاح عام 2007.

وتؤكد إحصائيات حصلنا عليها من مندوبية السياحة في أكادير، وجود هذا الانخفاض، فقد وقع انخفاض في الرقم الإجمالي لاستهلاك المؤسسات الفندقية المصنفة أكادير "تقترب الطاقة الاستيعابية من 30 ألف سرير"، وانتقلنا من 2705692 لتر مكعب من الماء عام 2006 إلى 2003050 عام 2013. رقم مهم خاصة مع وجود ارتفاع نسبي في عدد السياح الوافدين بين عامي 2000 و2011، لكنه لا يظهر انخفاضَا كبيرًا يصل مثلًا إلى النصف، كما حدث بخصوص فندق كنزي فرح، ممّا قد يبين أنه ليست كل الفنادق تتبع نفس الإجراءات لخفض استهلاك الطاقة أو وجود فنادق لا تتبعها أصلًا.

معاناة مع الفواتير ومع استثمار ترشيد النفقات

تظهر حاجة الصناعة الفندقية إلى تخفيض معدلات استهلاكها للماء والكهرباء ضرورية لضمان توازن في ميزانياتها، خاصة وأن الفنادق لا تستفيد من تخفيض القيمة كما تستفيد مثلما تستفيد المصانع، ويتحدث هنا المحفوظ الفيلالي عن أن غياب الاستفادة يؤثر سلبًا على الفنادق ويزيد من أعبائها المادية، رغم ما تضطلع به من ترويج للاقتصاد المحلي.

ويعود عبد العزيز صميم إلى قرار صدر عام 2007 أتاح تخفيض ثمن استهلاك المياه والكهرباء بالنسبة للفنادق عبر ثلاث مراحل، وبدأت المرحلة الأولى في ذلك الوقت، إلّا أن المرحلتين الثانية والثالثة لم يتم الشروع فيهما، بسبب تغيير الحكومة وتوالي سنوات الجفاف، زد على ذلك أن من يعاني أكثر، هي تلك الفنادق من صنف 3 أو 4 نجوم التي لا تتوّفر على محولات تنقل الاستهلاك من طاقة مرتفعة إلى طاقة متوسطة أو منخفضة.

ويرجع لحسن زلماط، مدير فندق بالم بلازا، سبب عدم استفادة الصناعة الفندقية من هذا التخفيض إلى غياب لوبي سياحي قوي: "المصانع تستفيد بفضل لوبي قوي يضغط، بينما تكتلنا نحن لا يزال ضعيفًا ولا يؤثر في السياسات العمومية. صراحة نعاني مع هذه الفواتير خاصة في ظرفية تشهد تراجعًا في النشاط السياحي، ويؤثر ذلك كثيرًا على أرباحنا".

ويعيد زلماط سبب عجز بعض الفنادق عن اتباع إجراءات تخفيض الاستهلاك إلى اشتراط ميزانية كبيرة لذلك: "هناك شركات تعرض علينا خدماتها حتى نتمكن من تحديث البنى التحتية الخاصة بالماء والكهرباء بُغية خفض الاستهلاك، لكن هذه الخدمات تحتاج إلى استثمار كبير لا تستطيع كل الفنادق القيام به، لا سيما مع غياب دعم من لدن الدولة".

هل من مجهودات للدولة؟

حاولنا استقاء وجهة نظر وزارة السياحة في المغرب، غير أن الوزير لحسن حداد، لم يجب على محاولاتنا الاتصال به وكذا فعلت سكرتاريته الخاصة وغالبية المندوبيات الجهوية للسياحة رغم المراسلات والاتصالات، التجاهل ذاته لقيناه من المكتب الوطني للسياحة والفيدرالية الوطنية للسياحة.

وعموما فالمملكة المغربية أعلنت عن رؤية سياحية تهدف إلى جعل المغرب واحدًا من البلدان العشرين الأوائل في السياحة العالمية، ويمرّ ذلك عبر "سياحة مستدامة تجعل من ركائزها الاستغلال المعقلن للموارد البيئية"، ولأجل ذلك أعلن المغرب عن جوائز السياحة المستدامة للمؤسسات السياحية، وكذا اضطلاع مؤسسة محمد السادس للبيئة بتسليم علامات المفتاح الأخضر.

وقد التزم المغرب رسميًا بتحقيق إنتاج 42 في المئة من الطاقة الكهربائية من المصادر المتجددة في أفق 2020، وجرى إحداث مجموعة من المؤسسات العمومية في مجال الطاقة، فضلا عن مشاريع للطاقة الشمسية، أهمها مشروع نور، أحد أضخم مشاريع الطاقة الشمسية في العالم. أما في المجال المائي، وزيادة على سياسة السدود والأحواض المائية، وهي سياسة متبعة منذ عقود، فقد أعلنت الدولة عن مخطط وطني للماء، وصلت كلفته الإجمالية إلى 220 مليار درهم (22,3 مليون دولار)، تُخصص نسبة منه لتحويل المياه وتحليتها والحفاظ عليها.

وبالنظر إلى أرقام الاستهلاك المحصل عليها، يظهر أن الإجراءات التي اتبعتها الفنادق قد قلّلت فعلًا من حجم الاستهلاك، إلّا أن الخفض لم يمس كل الفنادق ولم يتح إنزال مستوى الاستهلاك إلى حدود ضئيلة، فلا تزال الفواتير مرتفعة حتى في فترات لا تشهد فيها الفنادق نسب ملء كبيرة، كما تبيّن أنه ليس كل الزبائن ينخرطون في إجراءات ترشيد استهلاك الماء والكهرباء، زيادة على عدم قدرة بعض الفنادق القيام باستثمارات لتحديث بناها التحتية. كلها خلاصات تزيد من حجم الإنفاق لدى الفنادق، وتزيد من أعباء الدولة في توفير الماء والكهرباء، وتزيد من التحديات التي تواجهها السياحة المغربية، في زمن أضحت فيه الصناعة الفندقية عبر العالم على كف عفريت بسبب التهديدات الإرهابية.

نشر