بعد كتاب "الخوف".. من يكسب في صراع ترامب مع الصحافة والقضاء؟

العالم
نشر
من يكسب "الريو".. ترامب الصحافة أم القضاء؟

هذا المقال بقلم بشار جرار، متحدث ومدرب غير متفرغ مع برنامج الدبلوماسية العامة - الخارجية الأميركية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

لم يسلم 5 رؤساء أميركيين هم على التوالي الجمهوري رتشارد نيكسون، والجمهوريان بوش الأب والإبن، والديمقراطي بيل كلينتون وباراك أوباما من مبضع ومجهر أكثر الصحافيين التحقيقيين شهرة في العالم بوب وودوارد إثر الخبطة الصحافية المدوية المعروفة بـ "ووتر غيت" والتي دفعت بنيكسون إلى الاستقالة.

وودوارد، الذي سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى وصف كتابه بأنه محض "خيال" وليس عملاً صحافياً، اختار كلمة استخدمها ترامب نفسه لدى سؤاله قبل نجاحه في الانتخابات الرئاسية عن شعوره في حال توليه سدة الحكم في البيت الأبيض. "الخوف"، كانت الكلمة التي لم يخف ترامب من الإقرار بها.

وبحسب قراءة النقّاد الأولية للكتاب، فإن نجم "الواشنطن بوست" التي لا يحبها ترامب، تزامن في مضمونه المحرج مع مقالة تحريرية لا تقل إحراجا للرئيس، نشرته الصحيفة التي يمقتها، النيويورك تايمز. ومما "زاد الطين بله" في تلك المقالة التحريرية أنها غير مذيلة بتوقيع وإنما نسبتها رئاسة التحرير إلى "مسؤول رفيع داخل إدارة ترامب" آثر الاحتفاظ باسمه سرا، "كونها أو كونه" ما زال على رأس عمله "ويقاوم من الداخل" ترامب.

بهذا التزامن والتقاطع فيما ذهب إليه الصحافي في كتابه والسياسي في مقالته، تحول "خوف" ترامب إلى "بارانويا" كما قال أحد معارضيه. فها هي الصحافة تنفخ مرة أخرى في فقاعة العزلة التي عادة ما تحدثها "نظريات المؤامرة": عزله بينها "النظرية" وبين الواقع من جهة، وبين مروجها وبين الناس – كل الناس من جهة أخرى.

 ومن وجهة نظر معارضي ترامب خاصة من اليسار المتطرف، فإن رهانه على حصان "المؤامرات" الجامح في الخطاب الانتخابي سينقلب به حتما على غرار فرسان "الريو" إحدى رياضات الكاوبوي "رعاة البقر" الأكثر شهرة، لتطلبها فروسية من نوع خاص حتى يتمكن الفارس "المغامر" من ترويض الثيران والخيول الجامحة!

خطورة الأمر أن "المجهول المستتر" هو المحرك الأساسي في أي نظرية مؤامرة وهو في الوقت ذاته "الشبح" الذي يحوّل الخوف من ردة فعل طبيعية منطقية على مصدر خطر تكون مؤقتة وتنتهي بعيد انتهاء مصدر الخطر، إلى خوف مرضي – قد يكون مبررا وقد يكون غير مبرر – لكن في الحالتين لا يتناسب في ردة الفعل مع مصدر هذا الخطر ولا ينتهي بزواله. فالمصاب بذلك المرض يكون كما يقال في اللهجة العامية "مضبوعا" نسبة إلى حيوان الضبع والذي يكمن خطره في البرانويا الذي يحدثه الضبع في الضحية أكثر من قدرته على الافتراس. 

وأمام ردة فعل ترامب التي بلغت حد مطالبة نيويورك تايمز بالكشف عن صاحب المقالة لاعتبارات تتعلق "بالأمن القومي الأميركي" سارع الصف الأول من أركان إدارة ترامب في البيت الأبيض وخارجه وقد بلغوا في أقل من أربع وعشرين ساعة 32 شخصا، سارعوا إلى نفي أي علاقة بالمقالة أو ما جاء فيها. وقد صدر هذا النفي على سبيل المثال عن وزير الخارجية مايك بامبيو، وكبير موظفي البيت الأبيض الجنرال المتقاعد جون كيلي، ونائب الرئيس الأميركي مايك بينس. ومن الذكاء أو بالأحرى الخبث الذي تعمّد إظهاره كاتب المقال، تعمده استخدام مفردات عادة ما يستخدمها بينس للإيحاء بأنه هو مصدر ما ورد في المقالة الأمر الذي لا ينطلي على أي شخص يعلم عن قرب شخصية بينس ومن وما يمثله من التزام ديني وأخلاقي.

ترامب كان قد أوجز في تغريدة قصيرة للغاية ردة فعله بكلمة واحدة أتبعها بعلامة استفهام، تساءل ترامب: "خيانة؟"

وفي حال لم تتمكن تحقيقات ترامب الداخلية في كشف الدفعة الجديدة من المسربين أو المسيئين أو المشوشين عليه، فإنه سيبقى كرئيس للعالم الحر وكزعيم القوة الأعظم في العالم، سيبقى حبيسا لبرانويا "قاتلة" لا محالة سواء سياسيا أو إنسانيا – لا قدّر الله. ذلك لأن البرانويا معروفة تاريخيا بأنها قاتلة الملوك والرؤساء بمن فيهم الأكثر دهاء كماكبيث أو وحشية كستالين.

وعلى ذمة أوساط عادة ما تعرف باطلاعها على "بواطن الأمور"، فقد بدأت منذ أيام عملية اختيار بديل لوزير الدفاع جيم ماتيس الذي كان ترامب يتباهى به بكونه "الكلب المجنون" في إشارة إلى شراسته في محاربة الإرهاب والقضاء على الإرهابيين. تزامن ذلك الخبر مع نفي ماتيس ما نقل بوب وودوارد على لسانه بأنه تجاهل رغبة ترامب باغتيال الرئيس السوري بشار الأسد في ضربة عسكرية تؤمن دخول القوات الأميركية إلى سورية وإنهاء حكم عائلة الأسد "إلى الأبد" جراء "مزاعم" استخدامه غاز الكلورين ضد مدنيين عزّل.

لكن حال الاستبدال وحتى الإقصاء لا يعني الإسكات، فكتاب "الخوف" حافل بتسريبات حتى وإن كانت شائعات فإنها بالتأكيد "ستدوش" إن لم "تصب" الرئيس في الصميم، ليس في صميم دائرته السياسية الضيقة وإنما حتى في دائرة الأسرية الضيقة". لقد طال الأمر الحديث عن جيراد كوشنير وزوجته إيفانكا ترامب إبنة ترامب الأثيرة والعلاقة بينهما وبين عقيلته السيدة الأولى ميلانيا التي وصفت من يقفون وراء التآمر على زوجها بأنهم بمثابة "مخربين للبلاد" وليس معارضين للرئيس. وكأن الأمور بعد سلسلة تسريبات وشائعات نجمتي الإغراء والتعري تحتمل مزيدا من الهزات لحياة ترامب ولأسرته ولأركان إدارته.

في المقابل، وفي عز هذا الرقم القياسي من الفضائح الإعلامية والمعارك القانونية والسياسية، شهد مجلس الشيوخ عددا قياسيا أيضا دنا من المئتين في 3 أيام حتى الآن هي جلسات الاستماع التي يعقدها للنظر في تثبيت أو رفض المصادقة على تسمية الرئيس الأميركي لعضو في المحكمة العليا القاضي بريت كفانو. العدد القياسي تمثل بعدد وحدّة المقاطعين للجلسات من الناشطين المعارضين لترامب واختياراته.

والمتابع لوقائع هذه الجلسات التي وصفت بأشبه ما يكون "بالسيرك"، يلمس مدى نجاح أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين في وضع ترامب نفسه على محك الاستجواب من خلال طرح أسئلة حول مدى نية المرشح الجديد التعاون أو "التواطؤ" مع الرئيس فيما يخص معركته الرئيسية مع جيف سيشينز وزير العدل والمحقق الخاص روبرت موللر مدير مكتب التحقيقات الفدرالي الأسبق. أحد أعضاء مجلس الشيوخ البارزين وبمعرض حديثه عن التحقيقات الجارية حول "التواطؤ" المزعوم بين حملة ترامب الانتخابية وروسيا، سأل القاضي المرشح لعضوية المحكمة العليا إن كان سيسمح للرئيس أن يكون "فوق القانون" مستفسرا عن "المخارج" المتوقعة للأزمة كإصدار الرئيس عفوا رئاسيا عن نفسه أو الحق بالامتناع عن أمر استدعاء للمحكمة للمثول أمام القضاء كمتهم أو كشاهد.

المسألة إذأً ليست مسألة إجهاض وحمل سلاح، وليست ولاء رجال الرئيس، وإنما خطورة عبارة منسوبة لكبير موظفي البيت الأبيض كيلي القائل على ذمة وودوارد: لقد خرج الرئيس عن السيطرة ولا بد من احتوائه في هذه البلدة مجنونة..

المخيف في كتاب "الخوف" ليست فقط هذه العبارة، بل تعبيرات كثيرة وردت على لسان الرئيس كوصفه سلف كيلي - راينس برييبس رئيس الحزب الجمهوري الذي ما كان ليفوز لولا دوره في توحيد الحزب خلفه "بالفأر"، والسخرية من لهجة "آلاباما" ووصف سيشينز "بالمتخلّف" وهو أول شخصية من الكونغرس تدعمه في السباق الانتخابي.

المشكلة كما يراها محللون من اليسار وحتى اليمين المتعاطف مع ترامب، تكمن في "سجيّته أو مزاجه العام" وهي مسألة تؤخذ على محمل الجدّ في أميركا في تقويمات أهلية المرشح للوظائف وبخاصة الحساسة والقيادية. وهنا برأيي تكمن خطورة ما تشهده واشنطن هذه الأيام.

فلمن الغلبة في هذه "المصارعة الحرة" التي كان ترامب يوما ما بطلا من أبطالها كصانع نجوم "ريالتي شو"؟ من يربح "التريو ريو" القضاء، الصحافة أم الرئيس؟ الجواب أتى من ولاية مونتانا خلال أحدث لقاءات الرئيس الانتخابية عبر عدد من الولايات الأميركية لدعم المرشحين الجمهوريين قبل الانتخابات النصفية.

فرغم كل هذه الضوضاء ما زلت أرى أن الغلبة ستكون لترامب لاعتبارين: كل الأرقام الاقتصادية تصب لصالحه وعلى نحو غير مسبوق وقياسي. أما السبب الثاني الذي ركز عليه ترامب في خطابه بمونتانا، فهو الرفض العام للغدر والتآمر كسلوك، ولم يكن على مؤيدي ترامب تسجيل كثير من الأهداف في تلك المعركة بعد هدوء عجاجها حيث يتضح أن الأمور لا تعدو عن كونها مماحكات حزبية سياسية ستتضح جليا في انتخابات نوفمبر المقبل.

نشر