دلفين عملاق جاب مياه الأمازون العذبة قديمًا.. كم يبلغ حجمه؟

نشر
8 دقائق قراءة
إعادة بناء فنية تصوّر الدولفين Pebanista yacuruna بالمياه العكرة لأمازونيا البدائية في البيرو.Credit: Jaime Bran

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- طاف دلفين عملاق في أعماق مجاله المائي، منذ حوالي 16 مليون سنة. لكن بخلاف غالبية الدلافين المعاصرة، لم يكن موطنه المحيط.

عاش هذا النوع من الدلافين في بحيرة مياه عذبة بمنطقة الأمازون في بيرو. ورغم وجود أنواع من دلافين المياه العذبة الأمازونية على قيد الحياة اليوم، إلا أنها ليست قريبة من تلك الحيتانيات القديمة. وتُعتبر أبرز أقاربها الحية هي الدلافين النهرية التي تعيش على بعد أكثر من 6000 ميل (10000 كيلومتر) في جنوب آسيا، بحسب الوصف الأخير للباحثين عن الثدييات المنقرضة غير المعروفة سابقًا.

محتوى إعلاني

وأظهر تحليل جمجمة الدلفين القديم الذي تم تحديده حديثًا أنّ طول جسمه لا يقل عن 11 قدمًا (3.5 متر)، ما يجعله أكبر بنسبة تتراوح بين 20 و25٪ من الدلافين النهرية الحديثة، وأكبر دلافين المياه العذبة، بحسب ما ذكره علماء الحفريات.

لكن الجمجمة، التي يبلغ طولها حوالي 27 بوصة (70 سنتمترًا)، كانت غير مكتملة، لذا ربما كان الدلفين القديم أكبر من ذلك، بحسب ما أفاد العلماء  في منشور نشرته  الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم في مجلة "Science Advances"، بتاريخ 20 مارس/ آذار. 

وكتب مؤلفو الدراسة أن ما يجعل هذا الاكتشاف أكثر استثنائية، يتمثل بالمنظور الذي يقدمه للتاريخ التطوري لدلافين المياه العذبة، حيث أن هذه المخلوقات نادرة للغاية في السجل الأحفوري. ويرجع ذلك إلى وجود عدد أقل من الدلافين الفردية في النظم البيئية للمياه العذبة، وتيارات المياه القوية عادة تحد من الحفاظ على الحفريات على نحو جيد.

وأطلقوا على الأنواع المكتشفة حديثًا اسم "Pebanista yacuruna"؛ في إشارة إلى أن الصنف مصدره تكوين بيباس في بيرو، حيث تم العثور على الحفرية، و"ياكورونا" مصطلح يشير إلى شعب مائي أسطوري من الأساطير المحلية، في لغة كيتشوا الأصلية.

وقال خورخي فيليز-خواربي، الأمين المساعد للثدييات البحرية بمتحف التاريخ في لوس أنجلوس، لـCNN: "أعتقد أن هذا اكتشاف رائع، خصوصًا أن أمريكا الجنوبية لديها نوع واحد من الدلافين النهرية التي تنتمي إلى مجموعة مختلفة تماما من الحيتان المسننة (الحيتان ذات الأسنان)".

وأضاف فيليز-خواربي، غير المشارك في البحث، لـCNN: "(هذا) يجعلني أتساءل أيضًا عن عدد السجلات الأخرى للدلافين النهرية المنقرضة التي تنتظر اكتشافها".

عينة نمطية (holotype) لـPebanista yacuruna، تشمل صورة للعينة ونموذج سطحي ثلاثي البعد في عرض ظهري.Credit: Aldo Benites-Palomino

"الجميع أصيبوا بالهلع": ميزات الحفرية تكشف عن أمر نادر

تُعرف دلافين المياه العذبة الحديثة بأنوفها الطويلة للغاية، مقارنةً بأنوف الدلافين البحرية الأكثر ضخامة. هناك دلفين نهر جنوب آسيا (جنس بلاتانيستا) ودلفين نهر الأمازون (جنس إينيا)، المعروف أيضًا باسم دلفين النهر الوردي، وتضم المجموعتان أنواعًا وسلالات عدة.

يمثل دلفين نهر اليانغتسى الصيني (Lipotes vexillifer) جنسًا ثالثًا، لكن لم تتم رؤية هذا النوع في الطبيعة منذ 40 عامًا، وقد يكون انقرض، بحسب الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN). في الواقع، جميع أنواع الدلافين النهرية الموجودة معرضة للانقراض أو معرضة لخطر الانقراض بشدة، وفق ما أوضحه الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة.

اكتشف الباحثون حفرية الدلفين الأمازوني في عام 2018، بالقرب من نهر نابو في لوريتو، بيرو. وقال ألدو بينيتس-بالومينو، مؤلف الدراسة الرئيسي، وهو مرشح الدكتوراه بقسم علم الحفريات في جامعة زيورخ، لـCNN، إنه توقف لفحص بعض الشظايا الصخرية غريبة المظهر على الأرض. في الوقت ذاته، أشار المؤلف المشارك في الدراسة جون ج. فلين، أمين الثدييات الأحفورية في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي في مدينة نيويورك، إلى ما يشبه جمجمة تبرز من أحد الجسور.

اكتشف فريق دولي من الباحثين الحفرية خلال رحلة استكشافية إلى نهر نابو في بيرو، عام 2018. Credit: Aldo Benites-Palomino


يتذكر بينيتس- بالومينو قائلاً: "قلت: يا جون، هل هذا مرتبط بهذه القطعة التي في يدي؟". وتبين أن ما كان يحمله هو منبر - الطرف المستدير للأنف- من الجمجمة المدمجة. وعندما قاموا بتنظيفه بدرجة كافية لرؤية أشكال تجاويف الأسنان، أدرك بينيتس-بالومينو أنهم كانوا ينظرون إلى أمر غير عادي. 

وتابع: "بدأنا بالصراخ: إنه دلفين! إنه دلفين!". 

في البداية، اعتقدا أنه سيتبين أنه قريب قديم لدلافين نهر الأمازون الحديثة. لكن، كشف المزيد من التنظيف عن أن حجم وشكل مقبس العين يشبه دلافين نهر جنوب آسيا، التي لها عيون أصغر بكثير من عيون أبناء عمومتها في أمريكا الجنوبية. 

وقال بينيتس بالومينو: "في تلك اللحظة شعر الجميع بالذعر، لأنه لم يكن دلفين نهر الأمازون". وهذا أعطى لمحة للعلماء بأنّ نوعين من الدلافين تحركا بشكل مستقل، وفي أوقات مختلفة إلى الداخل في المنطقة. 

البحث عن تنوع الدلافين 

كانت "Platanistoids" - المجموعة التي تضم "P. yacuruna" ودلافين الأنهار الحديثة في جنوب آسيا، منتشرة على نطاق واسع منذ حوالي 20 مليون سنة. وأوضح بينيتس-بالومينو أنّ أسلاف دلافين نهر الأمازون الحديثة كانت شائعة في المحيطات منذ ما يتراوح بين 6 و10 ملايين سنة. 

نظرًا لأن المجموعتين من الحيتانيات كانتا متنوعتين للغاية، فيحتمل أنّ بعض الأنواع غامرت بالدخول إلى النظم البيئية للأنهار والبحيرات، سعيًا إلى تقليل المنافسة على الغذاء. كانت بيئة المياه العذبة الأمازونية هذه غنية بالمغذيات وتعج بالحياة، وكانت موطنًا للتماسيح، والسلاحف، والأسماك، بالإضافة إلى الثدييات مثل الكسلان، والقوارض، وذوات الحوافر، والرئيسيات. 

وقال فيليز-خواربي: "بشكل عام، في هذه النظم البيئية، يمكن اعتبار الدلافين النهرية من الحيوانات المفترسة العليا". 

كان "P. yacuruna" بين الموجة الأولى من الدلافين التي قامت باختبار المياه في أنهار وبحيرات الأمازون؛ ووفقًا للدراسة، فإن قلة الحيوانات المفترسة في موطنها الجديد يمكن أن تفسر كيفية تطور هذه الأنواع لتصبح كبيرة جدًا. لكن التغيرات البيئية مثل الجفاف ربما تكون قد حكمت لاحقًا على "P. yacuruna" ودفعتها إلى الانقراض، ما فتح موطن المياه العذبة أمام أسلاف دلافين النهر الوردي الموجودة.

عالم الحفريات ألدو بينيتس-بالومينو خلال إعداده جمجمة بيبانيستا ياكورونا النموذجية في متحف التاريخ الطبيعي في ليما، عام 2018.Credit: Rodolfo Salas-Gismondi

وقال بينيتس-بالومينو: "نحن نعلم الآن أن هذا النوع كان يعيش هناك في الماضي، لكن منطقة الأمازون أيضًا مهمة بالنسبة إلى Inia Geoffrensis الموجودة لدينا"، مضيفًا: "[الاكتشاف] يسلّط الضوء على أن هذه بيئة مهمة للغاية لتطوّر حيتانيات المياه العذبة".

يُعد اختفاء "P. yacuruna" بمثابة تذكير قاتم بأن هذه البيئة المهمة يمكن أن تتعطل بسهولة. واليوم، تواجه دلافين نهر الأمازون الحديثة مستقبلًا غامضًا، ومرد ذلك في الغالب إلى التلوث بالزئبق الناتج عن تعدين الذهب الذي يغزو السلسلة الغذائية، وفقًا لما ذكره الصندوق العالمي للحياة البرية. 

وأضاف فيليز-خواربي أن الحفرية المكتشفة حديثًا تشير إلى هشاشة النظم البيئية للمياه العذبة وضعف سكانها ماضيًا وحاضرًا، أمام التغيرات البيئية، سواء كانت هذه التغييرات طبيعية أو من صنع الإنسان.

وخلص إلى أن "بيبانيستا يضيف طبقة أخرى إلى التاريخ التطوري المعقد للحيتانيات لا سيما ’الدلافين النهرية‘، فالأنواع القليلة التي بقيت على قيد الحياة حتى يومنا هذا ليست سوى البقايا الأخيرة للمجموعات التي كانت أكثر تنوعًا مجدّدًا". 

نشر
محتوى إعلاني