اختبار قياس مناعة البشر ضد "كوفيد-19"..هذا ما وجده العلماء حول روابط الحماية

صحة
نشر
9 دقائق قراءة

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- عام 2010، قال الأطباء لبين سوبيك الذي يبلغ من العمر 37 عامًا حاليًا، أنّه يعاني من فشل كلوي ناجم عن سبب مجهول. وبعد فترة وجيزة، خضع سوبيك لزراعة كلية، وبدأ بتناول الأدوية المثبطة للمناعة التي تضعف جهازه المناعي، حرصًا على عدم رفض جسمه لعضو المانح. ولم يكتشف الأطباء أبدًا سبب فشل كليته. لكن بعدما مرّ عقد من الزمن على ذلك، واجه سوبيك خطرًا آخر يهدد صحته، أي جائحة "كوفيد-19".

وقال سوبيك الذي يعيش في ولاية مينيسوتا الأمريكية: "أتناول أدوية مثبطة للمناعة تجعلني أكثر عرضة لمضاعفات كوفيد الجدية"، مضيفًا: "إذا كنت تعاني من نقص في المناعة، قد لا يكون لديك استجابة جيدة جدًا للقاح كوفيد-19".

وبحث سوبيك عن دلائل لمعرفة ما إذا كان جهازه المناعي يعمل كما يجب، وطرح سؤالًا غير مألوف على طبيبه، اختصاصي الكلى، لإجراء فحص دم له يعطيه قياسًا تقريبيًا لمعدل الأجسام المضادة لديه، وهو نوع من البروتين الذي ينتجه الجسم استجابة لإصابة أو لقاح. ويكشف الاختبار تركيزات الأجسام المضادة المحدّدة في الدم.

ويتساءل ملايين الأمريكيين، وليس فقط من يعانون من ضعف في جهازهم المناعي، عن مناعتهم بعد تلقي الجرعات المعززة خلال فصل الشتاء والإصابات بمتحور "أوميكرون". وبعد التخلي عن الكمامة الواقية، وإزالة القيود تنفيذًا للتوجه بالعودة إلى الحياة الطبيعية، سيكون إجراء اختبار قياس المناعة أداة قوية لتحديد مخاطر الفرد.

وقال سوبيك إن "السبب الأبرز للتحقّق من قياس الأجسام المضادة لديّ، لأنني لا أعلم كيف أعمد إلى تقييم المخاطر التي قد أواجهها". وأضاف أنّ "أي شخص يعاني من نقص مناعي منذ بداية الجائحة حتى اليوم، يمتلك أدوات قليلة لتقييم الخطر، لمعرفة ما إذا كان في وسعه مغادرة المنزل، أو متى يغادره، أو كيف يتخالط مع أشخاص آخرين، وأي وقت هو الأفضل".

وتمّ التحقّق من مستويات الأجسام المضادة لدى سوبيك بعد ثاني وثالث ورابع جرعة من لقاح "مودرنا". وأظهرت كل نتيجة أنّ عدد المضادات الحيوية لديه فاقت الحد الأقصى التي في وسع الاختبار رصدها، ما يشي بأنه يتمتع باستجابة مناعية قوية.

ورغم انتفاء أي إرشادات محدّدة لتفسير هذه النتائج بهدف معرفة مستوى الحماية من الإصابة أو المرض، شعر سوبيك بالاطمئنان أنّ جهازه المناعي يقوم بعمله.

وقال الدكتور دوري سيغيف، أستاذ الجراحة بكلية لانغون للصحة في جامعة نيويورك الأمريكية إنّ "أكثر من 50% من مرضى الزرع لا يتمتعون باستجابة مناعية كافية لتحميهم، حتى لو تلقوا ثلاث جرعات وليس اثنتين منها فقط، من اللقاحات المخصصة لعامة الناس"، مشيرًا إلى أنّه "بالنسبة إليهم، يشكل قياس الأجسام المضادة دليلًا دامغًا لتمتعهم بنوع من المناعة".

ويؤيد سيغيف، استخدام الاختبارات لقياس الأجسام المضادة كوسيلة للتأكد من الحماية المناعية لدى من يعانون من نقص المناعة. 

روابط الحماية

وبحلول ديسمبر/كانون الأول، كان نحو 95% من الأمريكيين البالغين 16 عامًا وما فوق يتمتعون بأجسام مضادة لـ"كوفيد-19"، وهو التاريخ الأحدث للبيانات المتاحة، وفقًا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والسيطرة عليها، التي استندت إلى التقديرات التي تستخدم المعلومات من المتبرعين بالدم.

وتُعتبر هذه طريقة لقياس مستويات الأجسام المضادة. لكن هل ثمة طريقة تقيس الحماية التي توفرها هذه المستويات من "كوفيد-19"؟

ولم توصِ إدارة الغذاء والدواء الأمركية بفحص مستويات الأجسام المضادة بالمطلق، لأنه لا يوجد وسيلة تم التوافق عليها لحساب كيف يمكن لمعدل الأجسام المضادة حمايتك من الإصابة بالعدوى أو المرض الشديد. كما أنه يمكن أن يعكس شعورًا خاطئًا بالأمان.

وقال ميهول سوثار، عالم الفيروسات بجامعة إيموري الأمريكية: "لا توجد روابط جيدة للحماية - أي شيء يقول إن هذا هو القياس الذي يحتاجه المرء لمعرفة مدى حمايته".

ويحاول العلماء ردم هذه الفجوة المعرفية. وتقيس الدراسات المعدل الوسطي ​لمستويات الأجسام المضادة لدى مجموعة من الناس للتحقق من فعالية اللقاح، وغالبًا ما تستند إلى مستويات الأجسام المضادة بعد مرور أشهر على تلقي اللقاح بهدف تحديد الحاجة إلى الجرعة المعززة.

وأظهرت إحدى الدراسات التي أجريت على أشخاص تلقوا لقاح "مودرنا" أن مستويات الأجسام المضادة المرتفعة بعد التطعيم، ارتبطت بانخفاض خطر الإصابة بعدوى "كوفيد-19".

لكن الأجسام المضادة لا تتشكل جميعها بالطريقة ذاتها. وجزء قليل من الأجسام المضادة التي يصنّعها الجسم بعد الإصابة العدوى أو التطعيم، يُعتبر بمثابة أجسام مضادة معادلة، أي في إمكانها مكافحة العدوى بفعالية.

كما تنقسم اختبارات قياس الأجسام المضادة إلى كميّة ونوعيّة. وتتضمن الاختبارات الكمية عددًا محددًا من الأجسام المضادة في الدم، لا تتخطاه. أما الاختبارات النوعية فتحدّد إذا تم اكتشاف أجسام مضادة معينة فقط. وتأتي نتائج الاختبارات النوعية إما موجبة، أو سالبة أو غير محدّدة للأجسام المضادة المعادلة.

وعندما يتعلق الأمر بقياس الأجسام المضادة المعادلة بالتحديد، ثمة نوع واحد من الاختبارات الذي حصل على إذن الاستخدام الطارئ من إدارة الغذاء والدواء للكشف عنها، وهو اختبار نوعي.

وأظهرت العديد من الدراسات أنّ الأجسام المضادة المعادلة تشكل روابط حماية قوية تحمي من العدوى المصحوبة بأعراض "كوفيد-19" ومتحوراته، مع جرعات معززة تقوي إبطال مفعولها.

ورأى بيتر غيلبرت، أستاذ اللقاح والأمراض المعدية في مركز فريد هاتشينسون لأبحاث السرطان، والمؤلف الرئيسي لدراسة "مودرنا"، إن هذه الروابط مفيدة لتطبيقها على مجموعات كبيرة، كأن يستخدم العلماء بيانات من دراسات أكبر تتمحور حول العلاقة بين مستويات الأجسام المضادة وفعالية اللقاح لدى البالغين لتوقع فعالية اللقاح لدى الأطفال.

ورغم ذلك، فإنّ التوصل إلى استنتاجات بناءً على مستويات الأجسام المضادة لدى شخص واحد محدودة للغاية.

ويعود ذلك إلى كيفية اختلاف مستويات الأجسام المضادة من شخص لآخر. ويتغير هذا الارتباط بالحماية أيضًا بمرور الوقت ومع متغيرات فيروس كورونا المختلفة، ما يجعل من الصعب وضع حدًا لمستويات الأجسام المضادة التي يمكن بنتيجتها أن يخبر العلماء بثقة إنّ شخصًا ما تتوفر لديه الحماية من "كوفيد-19".

المناعة الطبيعية مقابل المناعة المكتسبة من اللقاح

وهناك اختلاف رئيسي في كيفية مقارنة مستويات الأجسام المضادة الناجمة عن تلقي لقاح "كوفيد-19" مقارنة مع الأشخاص الذين أصيبوا بفيروس كورونا.

وقال سوثار إنّ "الاستجابة المناعية للقاح، قد تكون عالية لدى من تحصنوا ويتمتعون بأجسام مضادة عالية ستتلاشى نوعًا ما بمرور الوقت.. لكن النتيجة متباينة في حال الإصابة، حيث أن العديد من المرضى سيكون لديهم مستوى منخفض أو مرتفع من استجابات الأجسام المضادة".

واستشهدت المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والسيطرة عليها بدراسة قيد النشر، لم تتم مراجعتها من قبل الأقران، أظهرت أنّ عدد الأجسام المضادة يتضاءل بسرعة أكبر لدى من تلقوا اللقاح أكثر من الأشخاص المصابين. وقد يساعد هذا بتفسير الدليل المتزايد على فعالية اللقاح الأقوى والأكثر ديمومة لدى الأشخاص الذين اكتسبوا مناعة من خلال المرض والتلقيح، المعروفة بمسمّى المناعة الهجينة.

ورغم أنها قد لا توفر أفضل طريقة لمعرفة مدى حماية شخص ما، إلا أن الأجسام المضادة مفيدة لفهم كيفية مقارنة الأشخاص الذين لديهم مناعة طبيعية مع أولئك الذين اكتسبوا مناعة من اللقاح.

وقالت ماريون بيبير الأستاذة المساعدة بعلم المناعة في جامعة واشنطن الأمريكية والتي تشرف على مختبر يدرس المناعة الهجينة: "إنّنا نعلم أن الأشخاص الذين يتمتعون بهذه المناعة الهجينة لديهم حماية أفضل.. لذا يطرح هذه الأمر السؤال التالي: أي من هذه المعايير مرتبط بهذه الحماية"؟

ويمكن أن تساعد مراقبة مستويات الخلايا المناعية والأجسام المضادة أثناء تغيرها مع مرور الوقت لدى مجموعات مختلفة من الناس، العلماء على معرفة كيفية صنع اللقاحات، ووقت التطعيم بهدف تكاثر قوة المناعة الهجينة من دون الإصابة بالعدوى الفعلية.