"هناك عيونٌ لا تنسى"..تصاميم مؤثرة تعكس ألم لبنان بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت

ستايل
نشر
14 دقيقة قراءة
تصاميم مؤثرة تعكس ألم لبنان بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت
Credit: Giovanni Romano

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- شهد العالم الأسبوع الماضي، بتاريخ 4 أغسطس/ آب 2020، لحظة وقوع الانفجار الهائل في مرفأ بيروت والذي هز العاصمة اللبنانية، وخلّف وراءه عشرات الضحايا وآلاف الجرحى والكثير من الألم والحزن والدمار.

وشارك عدد من المصممين والرسامين من لبنان وخارجها في تجسيد المأساة التي تعيشها البلاد من خلال تصاميم مؤثرة تتحدث عن نفسها وأخرى تحمل قصص من عاشوا هذه اللحظات الأليمة.  

"ستظلين لؤلؤة لامعة وسط كل الرماد"، تصميم علي بسام 

انفجار بيوت
تصميم يجسد العلم اللبناني من خلال الدمار الذي ألحقه انفجار بيروت، ولكن الأرزة التي تتوسط التصميم تظهر "صامدة" وغير متأثرة بما جرى حولها Credit: Aly Bassam

ويقول المصمم اللبناني علي بسام، لموقع CNN بالعربية، إن تصميمه، الذي يحمل عنوان "لؤلؤة الوطن"، يجسد "العلم اللبناني مع الإيحاء إلى ما تعانيه البلاد من جراحٍ وأزمات"، موضحاً أن الأرزة التي تتوسط التصميم، "وعلى الرغم من كل ما جرى حولها من دمار الحروب والتفجيرات والفساد المستشري ستبقى صامدةً لا تهز ولا تحرق". أما عن الخطين باللون الأحمر في علم لبنان، فقد أثكلتهما مشاهد الدخان والدمار.

ويُوضح علي، المقيم في بيروت، واصفاً مشهد الانفجار أنه لا يوجد كلمة أو تعبير محدد يمكن أن يصف هذا الإنفجار، إذ حدث كل شيء بثوان معدودة أو لحظات. 

وقال علي: "نتحدث عن هزة أرضية تلاها صوت مرعب، كأن الأرض رمتنا في الهواء ومن ثم عصفت بنا السماء بصوتها .الأمر كان مخيف جداً ورغم كل ما مر به لبنان لم نعش كتلك اللحظات، ولم نشعر بهذا الخوف من قبل".

ويصف علي مشاهد ما خلّفته آثار الانفجار على بيروت قائلاً: "وكأننا نشاهد فيلم سينمائي"، إلا أن هذه المرة كان سكان بيروت شركاء في هذا الفيلم، مضيفاً "كان الأمر صعباً للغاية لأننا أحسسنا بألم كبير لهول ما رأيناه، نتحدث عن مدينة.. عن عاصمة تحولت فجأة لساحة حرب ولكن بمشاهد أصعب وبصدمة كبيرة"، بحسب ما ذكره.

وتابع علي:" لم أفكر في يوم من الأيام أن أعيش هكذا أمر، أن أشاهد هذا الدمار في أرجاء المدينة، وأشاهد الجرحى والشهداء على الطرقات، ومستشفيات مدمرة، والنساء والأطفال والرجال كلهم مثقلين بألم الجراح وفراق الأحبة"، مضيفاً:"ما جرى بعد الانفجار خطف من أعمارنا وأرواحنا كل ما فيهما".

وأوضح علي أنه بعيداً عن الحزن والغصة الكبيرة والجرح العميق، كانت كلمة "تعبنا" هي أول ما خطر في باله بعد الحادث، لا سيماً وأن ما جرى هو نتيجة الفساد المتراكم في البلاد بحسب اعتقاده. 

وقال علي: "كنا نعيش كل هذه السنوات وسط قنبلة مميتة نمر بجانبها يومياً، ونجلس بجوارها، ونتابع أعمالنا دون أن ندري أننا نعيش مع الموت".

ومن خلال هذا العمل الفني، يوجه علي رسالة مفادها أن "لبنان سيبقى رغم كل الحقد وكل من يحاول قتله"، مضيفاً "سنظل في هذا البلد نحميه ونقدم كل ما لدينا ليبقى عزيزاً حراً ومستقلاً، ولن نهاجر أو نرحل، ولن نتركه للفاسدين، وستبقى الأرزة شامخة وبيروت عاصمة لبنان وعروس الدول العربية".

"هيروشيما لبنان"، فكرة تياري شهاب

انفجار بيروت
رسمة تجسد لحظة الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت بتاريخ 4 أغسطس/ آب 2020Credit: Thierry Chehab

وبالنسبة إلى الرسام اللبناني تياري شهاب، فقد كانت مشاركته في تجسيد انفجار بيروت أكثر من مجرد رد فعل وتخليد لحادث تاريخي، إذ كانت بمثابة طريقته لقول "أنا بأمان!" لطمأنة متابعيه الذين يشعرون بالقلق على سلامته، وفقاً لما ذكره لموقع CNN بالعربية.

وكان شهاب في منزله ، الذي يقع على بعد حوالي 16 كيلومتراً من مدينة بيروت، في مكالمة مع زميله عندما بدأت الأرض وشاشة حاسوبه وأثاث المنزل كلها تهتز من حوله، وعندها أخبر زميله: "انتظر، هناك زلزال"، ليجيبه زميله أنه يشعر أيضاً بذلك، رغم أنه يعيش بعيداً عنه بمسافة 25 كيلومتراً، ثم سمع شهاب والدة زميله تصرخ "إنه انفجار"، وفقاً لما قاله.

ويصف شهاب ما شعر به لحظتها قائلاً: "في تلك اللحظة، تجمد الوقت ولم أتمكن من استيعاب كل هذه المعلومات دفعة واحدة بوضوح"، وتابع: "لقد وقفت مكاني وفجأة تردد دوي الانفجار الهائل في الحي كله"، مشيراً أنه "في هذه اللحظة يتحول العقل البشري إلى وضع البقاء". 

ويوضح شهاب أنه يعد نفسه محظوظاً لأنه ما زال يعمل من المنزل، بفضل إجراءات "كوفيد-19"، إذ يقع مكتبه في المنطقة التي تعرضت للتدمير.

وقال شهاب إنه يشعر بالتأثر مثل الأشخاص الذين يعيشون هناك، لأنه المكان الذي عمد إلى ارتياده بشكل يومي، وأضاف: "هذه الأحياء مألوفة للغاية، الشوارع التي مشيت فيها، والمطاعم التي زرتها، والمكاتب التي قضيت فيها سنوات، والشركات المحلية التي مررت بها، والمنازل الجميلة التي رسمتها ...لقد اختفت جميعها! ولا يمكن أن يكون الأمر أكثر حزناً خاصةً لأولئك الذين فقدوا منازلهم وأعمالهم وحياة أحبائهم".

أما عن مشاعره تجاه "الكارثة"، فيشرح شهاب أن مشاعر مختلطة تنتابه، الغضب لأنه استغرق الأمر سنوات وسنوات لإعادة بناء المدينة، وجعلها جميلة مرة أخرى، والحفاظ على سحرها، والاستثمار فيها، والترويج لها، بينما استغرق الأمر بضع ثوان لمحي ذكرياتها.

انفجار بيروت
رسمة تجسد آثار التدمير التي لحقت بمنزل جد الرسام اللبناني Credit: Thierry Chehab

وعلى الصعيد الآخر، يقول شهاب إن هناك نوعاً من المشاعر الإيجابية، عندما رأى كيف استجاب السكان للمساعدة، بعد ساعات قليلة من الانفجار، وكان هناك العديد من المتطوعين الشباب المستعدين لمساعدة أي شخص، رافضين بشكل قاطع الاستسلام.

ويهدف شهاب من خلال رسوماته إلى رفع مستوى الوعي حول ما يحدث في لبنان، كما أنها تعد طريقته لتسجيل التاريخ بحسب ما يراه ويشعر به على أرض الواقع.

"يا بيروت"، تصميم عمر الجبين

انفجار بيروت
رسمة تجسد مشهد الانفجار الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروتCredit: Omar Aljbain

ويرى الرسام السوري عمر الجبين أن "بيروت مدينة لا تشبه المدن الأخرى، وأنها مدينة لا تنتمي لأحد وتنتمي للجميع"، وفق ما ذكره لموقع CNN بالعربية.

ويوضح الجبين أن رسمته تهدف إلى "إظهار التناقض ما بين كلمات نزار قباني "يا بيروت يا ست الدنيا يا بيروت"، وبين هذا الانفجار الذي سيظلّ كجدري "حربٍ" يحفر وجه بيروت.

ويصف الجبين مشهد الانفجار، الذي أوقف الحياة، بأنه مرعب وكارثيّ وحزين، "كما لو أن حادثتي هيروشيما وناغازاكي تتكرران بصورة ملونة يغلب عليها السواد والدمّ"، على حد تعبيره. 

وقد أعادت لحظات الرعب التي عاشتها بيروت لذهن الجبين ما مرّ مع السوريّون من مشاهد دمار، ويقول "أينما نظرت لا تجد سوى ركام البيوت والذكريات، يبدو أن قدر لبنان وسوريا أن يرتبطا بالحزن أيضاً".

ومن خلال هذا العمل الفني، يهدف الجبين إلى "خلق أداة للتذكير بالعدالة، أن هناك من مات أو قُتل بسبب إهمال أحدهم، وهنالك مدينة لا تكاد تصحو من ألم حتى يفاجئها ألمٌ أشدّ، وهناك من يحاول دفنها تحت ركام الجوع، والموت، والفساد، والفقر، وفي الوقت ذاته هنالك من يحاول أن يمسك بيدها حتى تنهض كلّما تعثرت".

وبالنسبة إلى الجبين، يقع على الفنانين بمختلف مجالاتهم "دور مفصلي في توثيق الحدث، وكأنهم يحضّرون أعمالهم لتكون شاهدة على التاريخ من وجهات نظرهم المختلفة، ولكنّ الأهم أنه لا يمكن أن يكتفوا بالصمت"، بحسب ما ذكره. 

"موت.. ودمار.. وعصف رهيب.. وصوت الانفجار وصل إلى قبرص"،  تصميم أحمد ستار 

انفجار بيروت
تصميم يجسد العلم اللبناني بحيث تناثرت أوراق الأرزة التي تتوسطه إثر قوة الانفجار وتملأه دماء الضحايا من سكان بيروتCredit: ahmed sattar

ويقول المصمم العراقي، أحمد ستار، لموقع CNN بالعربية إن تصميمه يهدف إلى التعبير عن قوة الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت والذي ألحق خسائر كبيرة بشرية ومادية.

ويوضح ستار أن الفكرة من هذا العمل الفني هو تطاير أوراق شجرة الأرز اللبناني بسبب شدة العصف الذي ولده الانفجار، إضافةً إلى تحول اللون الأحمر من العلم إلى قطعة من الدم، وذلك نسبةً إلى الضحايا وعدد الإصابات الهائل الذي خلفه الانفجار.

ويصف ستار مشهد انفجار بيروت وكأنه انفجار نووي، إذ ذكرّه منظر الدخان المتصاعد والعصف القوي بمشاهد "هيروشيما" و"ناكازاكي"، بحسب ما ذكره.

ويرى ستار أن الصور ومقاطع الفيديو العديدة، والتي انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، "تركت ألماً كبيراً في قلوب المشاهدين، حيث كان الدمار أشبه بالشامل لسكان بيروت.

ومن وجهة نظر المصمم العراقي، فإنه يجب على الفنان أن يقوم بنقل واقع الأزمات من خلال أفكار تعبر عنها، إذ تترك اللوحات أو التصاميم الفنية أثر نفسي وبصري كبير على المجتمع، وقد يكون سلبياً أو إيجابياً بحسب فكرة المنفذ، وهدفه منها، وتعبيره عنها.

ويضيف ستار أنه من واجب الفنان أن يقوم بدوره الإنساني للمواساة والتعاطف مع من يمرون بالأزمات حول العالم من أجل تخفيف آلامهم وحتى يشعروا بأنهم ليسوا وحيدين، بل يقف الجميع خلفهم ويساندهم.

"سلامٌ لبيروت".. تصميم بثينة الفوري

انفجار بيروت
تصميم يجسد كلمات أغنية فيروز الشهيرة "من قلبي سلام لبيروت"، إلا أنه يسط الضوء على عبارة "فكيف صار طعمها طعم نارٍ ودخان"Credit: buthaina abdullah

وجسدت المصممة العمانية، بثينة الفوري، كلمات أغنية فيروز الشهيرة "من قلبي سلام لبيروت" لتبرز عبارة: "كيف صار طعم بيروت الحبيبة طعم نار ودخان؟"

وعن مشهد الانفجار، تقول الفوري لموقع CNN بالعربية، إن الذي يعيش المشهد ليس كمن يراه في التلفاز أو على منصات التواصل الاجتماعي، والذي يرى المشهد أمام عينه ويعيش الخوف والرعب ليس كمن يقف بعيداً، مضيفةً أن المشهد مؤسف وقاسي ومتعب لكل من يراه ولمن يحب بيروت.

وتقول الفوري إن "بيروت لا تستحق كل هذا الوجع والهلع والخوف".

وتطرح الفوري من خلال هذا العمل الفني تساؤلاً، وهو أن "بيروت المعتقة برائحة الخبز والياسمين والشجر، بيروت قُبلة البحر..كيف صار طعم بيروت الحبيبة طعم نار ودخان؟ وهو مقطع من قصيدة جوزيف حرب عن بيروت والتي غنتها فيروز بوجع، والتي عشقنا كلماتها ونرددها دائماً"، بحسب ما ذكرته.

وترى الفوري أن الفن خلال الأيام العصيبة، قد يخفف من آلام الذي يشعرون أنهم بمعزل عن الآخرين، كما أن الفن يعد منقذاً، يستطيع بلمسته أن يعيد الوهج للروح، على حد تعبيرها.

"يا بيروت"، تصميم عمر العبداللات

انفجار بيروت
تصميم يعكس حزن لبنان على كارثة انفجار بيروت من خلال رموزه شجرة الأرز، وألوان علمه، ووجه فيروز Credit: Omar Abdallat

ويوضح الرسام الأردني، عمر العبدالات، لموقع CNN بالعربية أن الهدف من تصميمه هو "عكس حزن لبنان على كارثة انفجار بيروت من خلال رموزه، أي شجرة الأرز، وألوان علمه، ووجه فيروز".

ويقول العبدالات، المقيم في عمّان، إن مشهد الانفجار لا يمكن وصفه بسهولة، فهو حادث كبير وموجع على مستوى البشرية.

ويشير العبدالات إلى أن "بيروت لها رمزية كبيرة في وجدان أهل بلاد الشام، وأن رؤية سكان بيروت، وبالأخص رؤية الأطفال وهم يصرخون ويتألمون بهذا الشكل يجعلنا نحزن بشكل كبير على أهلنا وأطفالنا".

وعلى الرغم من أنه لم يزرها سوى مرة واحدة، إلا أن العبدالات يعتبر بيروت مدينته أيضاً، كما أن ثقافتها، وفنها، وحضارتها تركت ولاتزال تترك أثراً كبيراً في نفسه على الصعيد الشخصي، بحسب ما ذكره.

ويوجه العبدالات، من خلال هذا العمل الفني رسالة مفادها أن "مثل هذه الحادثة ورغم استهتار المسؤولين وتقصيرهم لن تمسح وجود الإنسان والحضارة والثقافة، فالإرث الثقافي والفني والحضاري سيبقى عبر الزمن رغم كل شيء، مضيفاً أن أدب جبران خليل جبران وأغاني فيروز، وألحان وموسيقى الرحباني، ونضال شعب لبنان أكبر من أي مسؤول أو حكومة".

ويرى العبدالات أن دور الفنان هو عكس الواقع كما هو، وبث رسالة أمل، ويشير إلى أن الفن هو رسالة تنوير، وحضارة، وعلم ويجب على الفنانين حول العالم التضامن لمواجهة الظلم، والجهل، والخوف، بحسب ما ذكره.

"هناك عيون لا تنسى"، تصميم جيوفاني رومانو

ويقول مصمم الغرافيك الإيطالي، جيوفاني رومانو، لموقع CNN بالعربية، أن تصميمه الذي يحمل عنوان: "هناك عيون لا تنسى"، يهدف إلى تسليط الضوء على حادثة انفجار بيروت من خلال رؤيته من منظور آخر، أي من خلال عيون الطفل.

وقد شاهد رومانو، القادم من بلدة في جنوب إيطاليا بمقاطعة ليتشي، عدة مرات مشاهد للانفجارات عبر شاشات التلفاز، إلا أنه لم يسبق له رؤية مثل انفجار مرفأ بيروت، مما ساعده على استيعاب حجم الكارثة التي شملت مدينة بيروت بأكملها، بحسب ما قاله.

ويصف رومانو انفجار بيروت بأنه مأساة مروعة، تورط فيها كل من السكان والمستشفيات التي كانت ممتلئة بالفعل بسبب مرض "كوفيد-19".

ويقول رومانو إن في أعماله الفنية، يترك الكلمة دائماً للمشاهد الذي يتماثل مع الصورة، تاركاً مساحة للأفكار والعواطف الشخصية.

ويرى رومانو أن دور الفنان يقتصر على فهم الصورة وإعطاء تأثير بصري من أجل التعبير عن شيء لا يمكن تفسيره بالكلمات.

نشر