دراسة للحمض النووي تكشف لأول مرة الملامح الجينية لعائلة إنسان "نياندرتال" البدائي

صحة
نشر
7 دقائق قراءة
أول لقطة جينية عائلية لإنسان نياندرتال أخذت داخل كهف تشاغيرسكايا السيبيري

دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- شكّل معسكر الصيد الواقع على ضفاف النهر عند سفوح جبال ألتاي في سيبيريا موطنًا لمجتمع صغير يتألّف من حوالي 20 شخصًا، بينهم الأب، وابنته المراهقة، وشاب ربما كان ابن أخ أو ابن عم لهما، بالإضافة إلى امرأة بالغة، صلة القربى التي تصلها بهما من الدرجة الثانية، أي ربما عمة أو جدة، وذلك قبل حوالي 54 ألف عام.

ويُحتمل أن تكون الفتاة ابتعدت عن والدها وعائلتها عندما التقت بشريكها. ولو كانت ذكرًا، مثل ابن عمها الصغير، لبقيت على الأرجح. ورغم ذلك، ربما احتوى المجتمع الذي انتقلت إليه وجوهًا مألوفة.

وهذه بعض التفاصيل الحميمة الخاصة بعائلة الإنسان البدائي وحياته الاجتماعية، التي كشفت عنها دراسة الحمض النووي القديم الخاص بـ11 فردًا من السكان السابقين القاطنين داخل كهف تشاغيرسكايا، بالإضافة إلى بقايا اثنين آخرين عثر عليهما داخل كهف أوكلادنيكوف القريب.

وتُعتبر أقدم مجموعة عائلية معروفة حتى يومنا، إذ أنها المرة الأولى التي يتمكن فيها العلماء من توثيق تسلسل عائلة ومجتمع إنسان نياندرتال مباشرة، ما يجعل أسلافنا القدامى يبدون بشريين بشكل أكبر.

الإنسان البدائي
Credit: Tom Bjorklund

وأفاد لوريتس سكوف المؤلف المشارك في الدراسة، والباحث في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في لايبزيغ، بألمانيا، في بيان صحفي، أنّ "واقع أنهم كانوا يعيشون في الفترة الزمنية عينها لأمر مثير للغاية. وهذا يعني أنه يحتمل أن ينتموا إلى الحلقة الاجتماعية نفسها. لذا، وللمرة الأولى يسعنا استخدام علم الوراثة لدراسة التنظيم الاجتماعي لمجتمع إنسان نياندرتال".

واستخرج الباحثون الحمض النووي من 17 عظمة وأسنان، كانت تخصّ في السابق 7 من الذكور و6 من الإناث من إنسان نياندرتال، 8 منهم كانوا بالغين و5 أطفال.

الخيوط الجينية

وتمكن الباحثون من الكشف عن خيوط متعددة من السلالة الجينية: الحمض النووي المُتَقَدِّرِيّ الذي يتبع خط الأم، والحمض النووي للكروموسوم Y المتوارث من السلالة الذكرية، والحمض النووي للنواة.

وفي الحمض النووي المُتَقَدِّرِيّ، وجد الباحثون أكثر من نوع داخل خلية الجينوم العضوي غير المتجانسة، وهي إشارات وراثية مميزة تمتد لبضعة أجيال فقط، تَشارك فيها أفراد إنسان نياندرتال. وقال الباحثون إن هذه الظاهرة تشير إلى أنّ إنسان نياندرتال الذي درسوه في كهف تشاغيرسكايا لا بد أنه عاش ومات في الوقت ذاته تقريبًا.

ووجد العلماء أيضًا أن التنوع الجيني للحمض النووي للكروموسوم Y كان أقل بكثير من التنوع الجيني للحمض النووي المُتَقَدِّرِيّ، الذي ينتقل من الأمهات. وحسبت الدراسة أنه في هذه المجموعة، يمكن أن يتوقع رجلان أن يتشاركا سلفًا لهما عاش قبل حوالي 450 عامًا من حياتهما. وفي المقابل، بلغ التقدير الموازي للنساء نحو 4350 عامًا.

ورأى الباحثون أنّ أفضل تفسير لذلك، أنّ أكثر من 60٪ من إناث إنسان نياندرتال ضمن مجموعة شاغيرسكايا الصغيرة انتقلن من مجتمع آخر. وهذا الهيكل الاجتماعي شائع بين مجتمعات الصيد راهنًا، ويُعرف باسم الأبوية.

وعلى نطاق أوسع، تمتّع هذا المجتمع بتنوّع جيني متدني للغاية، أقل بكثير من أي مجتمع بشري قديم، أو في عصرنا هذا، حسبما ذكرت الدراسة. وكان مستوى التنوع أكثر تشابهًا مع أحجام مجموعات الأنواع المهدّدة وعلى وشك الانقراض، مثل الغوريلا الجبلية، التي يبلغ تعدادها حوالي الألف.

لكنّ كريس سترينجر، رئيس الأبحاث الخاصة بالتطور البشري في متحف التاريخ الطبيعي في لندن، غير المشارك في البحث، رأى أنّ الافتقار إلى التنوع الجيني لم يكن بالضرورة عاملاً مهمًا في انقراض إنسان نياندرتال، الذي اختفى قبل 40 ألف سنة. وقال إن مواطن نياندرتال الأخرى كانت نشطة في المرحلة الزمنية ذاتها تقريبًا التي عاشت فيها المجموعة الخاضعة للدراسة، على غرار كهف فينديجا في كرواتيا، الذي يحدد وجود تجمعات سكانية أكبر وأكثر تنوعًا.

وأفاد مؤلفو الدراسة أن المجموعة العائلية التي اكتشفوها قد لا تكون عيّنة تمثيلية عن الحياة الاجتماعية لجميع سكان إنسان نياندرتال. وأوصوا بإجراء أبحاث مستقبلية تتضمن التسلسل الجيني لعدد أكبر من أفراد ومجتمعات إنسان نياندرتال.

أول لقطة عائلية

ويُحتمل أن يكون سكان الكهفين قد تفاعلوا، وذلك بسبب توجههم إلى مصادر الصخور عينها لصنع أدواتهم الحجرية، ما يدعم نظرية الارتباط الجيني بينهما. واصطاد إنسان نياندرتال الوعل، والخيول، والبيسون، وحيوانات أخرى عبرت أودية النهر التي تطل عليها الكهوف.

ويبعد كهفا شاغيرسكايا وأوكلادنيكوف 100 كيلومتر (62 ميلًا) عن كهف دينيسوفا، أحد أهم المواقع في دراسة التطور البشري. واحتل هذا الموقع إنسان نياندرتال، وأوائل البشر المعاصرين، ودينيسوفان، أحد أنواع الإنسان المنقرض الذي حُدّد في الآونة الأخيرة، وتمّ اكتشافه من خلال الحمض النووي الذي عُثر عليه في إصبع خنصر واحد.

وسلسل سفانتيه بابو، مؤلف مشارك آخر في دراسة شاغيرسكايا، أول جينوم لإنسان نياندرتال عام 2010، وهو العمل الذي حصل بموجبه على جائزة نوبل في وقت سابق من هذا الشهر. ومنذ ذلك التسلسل الأولي، تم استرجاع البيانات على مستوى الجينوم من إجمالي 18 إنسان نياندرتال. وتضيف الدراسة الجديدة 13 أخرى، وهو إنجاز تقني كبير، بحسب ما قالت لارا كاسيدي، الأستاذة المساعدة في قسم علم الوراثة في كلية ترينيتي في دبلن، غير المشاركة في البحث.

وعلقت في مقال مرافق للدراسة، أنّ "ما يجعل هذا العمل رائعًا بشكل خاص، أنّ الأفراد المتسلسلين غير منتشرين على نطاق واسع عبر الامتداد الشاسع لوجود إنسان نياندرتال، بل يتمركزون في نقطة محددة من الزمان والمكان، وبالتالي يقدمون أول لقطة عائلية".